التراث والحداثة.. قطيعة أم تواصل؟
يُعَدّ هذا السؤال من الأسئلة المحورية في الفكر العربي الحديث، وقد ظلّ مثار اهتمام عدد كبير من المفكرين، ودارت حوله سجالات واسعة. ويمكن الإجابة عنه من خلال تفكيك هذه الثنائية دون وضعها في صيغة اختيار حادّ بين طرفيها.
يرى بعض المفكرين أن الحداثة تقوم على العقل النقدي، والعلم، والفردانية، بينما التراث هو نتاج سياق تاريخي مغاير (ديني، قبلي، سلطوي)، لذلك لا يمكن الجمع بينهما؛ لأن الحداثة، وفق هذا التصور، تفرض تفكيك البُنى التراثية. ويمثّل هذا الاتجاه (القطيعة) جزئيًا المفكر المغربي عبد الله العروي.
ومن منظور التواصل، يرى اتجاه آخر أن الحداثة ليست نفيًا للتراث، بل مرحلة تاريخية جديدة؛ فكل حداثة تنشأ من إعادة قراءة ماضيها. وعليه، فالمشكلة ليست في التراث ذاته، بل في طريقة التعامل معه. ويمثّل هذا الاتجاه محمد عابد الجابري، الذي دعا إلى نقد العقل التراثي لا إلغائه.
التراث والحداثة: تضاد أم تكامل؟ سؤال محوري يطرح إشكالية صراعية عند النظر إليهما كثنائيتين متقابلتين؛ فالتراث يعني الثبات، والجماعة، والماضي، بينما تعني الحداثة التغيّر، والفرد، والمستقبل.
أمّا من منظور التكامل، فالعلاقة بين التراث والحداثة علاقة تركيب، وهو التصور الأكثر عمقًا؛ فالتراث مخزون ثقافي لا يمكن القفز عليه، والحداثة أدوات ومنهج لا يمكن تجاهلها. والتكامل يعني نقد التراث بأدوات الحداثة وتوطينها داخل سياقنا الثقافي؛ فالحداثة لا تُبنى ضد التراث، ولا التراث يحيا خارج التاريخ.
العلاقة، ببساطة، هي تواصل نقدي لا استمرارية عمياء، وتكامل مشروط بالنقد. وينبغي أن تكون النظرة إلى التراث نظرة جدلية نقدية، تقوم على مقاربة فكرية تتجاوز موقفي التمجيد والقطيعة، وتتعامل مع التراث بوصفه بنية تاريخية متحركة تخضع لقوانين التطور.
وتقوم النظرة الجدلية النقدية للتراث على ثلاثة جوانب مترابطة:
أولًا: تفكيك التراث وكشف وظائفه الاجتماعية والسياسية بعيدًا عن التقديس.
ثانيًا: فهم التراث باعتباره نتاج صراع تاريخي (عقل/ نقل، سلطة/ معرفة، نص/ واقع)، أي ردّ الأفكار التراثية إلى سياقها الزمني ورفض إسقاطها على الحاضر.
ثالثًا: رفض الموقف السلفي الذي يقدّس التراث ويعطّل العقل، ويساوي بين النص والتأويل، وكذلك رفض الموقف القطيعي الذي ينفي التراث كليًا.
وتنظر المقاربة الجدلية النقدية إلى التراث باعتباره:
استجابة لمشكلات عصره، لا معطىً ثابتًا.
مجال صراع بين اتجاهات عقلانية ولاعقلانية، وبين مصالح سلطوية وتيارات تحرّرية.
منظومة تضم عناصر قابلة للتجاوز، وأخرى قابلة لإعادة التوظيف.
وقد دعا محمد عابد الجابري إلى نقد العقل العربي، مميّزًا بين ثلاثة أنماط: العقل البياني، والعقل العرفاني، والعقل البرهاني. بينما طرح حسن حنفي مشروع (التراث والتجديد) عبر قلب العلاقة من ماضٍ يحكم الحاضر إلى حاضر يعيد قراءة الماضي. في حين تبنّى عبد الله العروي موقفًا أكثر حدّة، معتبرًا الحداثة قطيعة تاريخية ضرورية، وظل تحليله للتراث تاريخيًا أكثر منه تحليليًا.
خلاصة القول: إن هدف النظرة النقدية الجدلية للتراث هو تحرير الحاضر من هيمنة الماضي، دون استعادة حرفية، دون قطيعة عدمية. فهي مقاربة تاريخية تفكيكية تتعامل مع التراث بوصفه نتاجاً لصراعات اجتماعية ومعرفية، وتسعى إلى بناء علاقة واعية بين الماضي والحاضر والمستقبل.


