على هامش يوم المرأة العالمي تأمـلات واقع المرأة السودانية في زمن الحـرب
(1)
عندما تندلع الحروب تتغير الجغرافيا السياسية، وتتبدل معها حياة الناس اليومية بشكل عميق، كما تتشكل أنماط جديدة من المعاناة والصمود في آنٍ واحد. وفي السودان، حيث تعيش البلاد واحدة من أكثر مراحلها قسوة وتعقيداً في تاريخها الحديث، تقف النساء في قلب هذه التجربة الإنسانية المؤلمة. فالحرب لم تجعل النساء مجرد ضحايا للانتهاكات والنزوح والفقر، ولكنها وضعت كثيرات منهن أيضاً في موقع الفاعل الذي يحاول حماية الحياة وإعادة تنظيمها في ظروف شديدة القسوة. ومن هنا تصبح تجربة النساء السودانيات مدخلاً مهماً لفهم ما يحدث على ارض الواقع من زاوية المعاناة والألم، وكذلك من زاوية القدرة على الصمود وإنتاج أشكال جديدة من المعرفة والعمل والتضامن الاجتماعي.
تُروى حرب السودان في الأخبار غالباً بأرقام القتلى، تعداد النازحين، مدن خالية من سكانها، وقوافل طويلة تهرب من الرصاص والخوف. لكن في معسكرات النزوح تُروى القصة بطريقة أخرى مختلفة تماماً، تُروى بصوت النساء اللواتي حملن ما تبقى من الحياة ومشين مسافات طويلة تحت الشمس والخطر. تحكي تقارير المنظمات الدولية عن أمهات خرجن من بيوتهن تحت القصف وهن لا يحملن سوى أطفالهن وبعض الخبز اليابس، وعن فتيات انقطعت دراستهن فجأة ليجدن أنفسهن في خيام ضيقة تنتظر الماء والدواء والأمان. هناك، في أطراف المدن أو في صحارى بعيدة، تحاول النساء إعادة ترتيب حياة تحطمت دفعة واحدة؛ يطبخن بالقليل المتاح، يداوين الخوف في عيون الصغار، ويخفين تعبهن وقلقهن خلف صمت طويل. كل قصة تُروى في تلك المعسكرات تشبه الأخرى إلى حد بعيد: رحلة هروب قاسية، بيت ضاع، وأسرة تبحث عن يوم عادي لم يعد موجوداً. لكن خلف هذه الحكايات اليومية تختبئ مأساة أعمق، تكشفها تقارير حقوقية وإنسانية عن العنف والانتهاكات التي طالت النساء بشكل خاص. فالحرب لم تسلبهن فقط البيوت والأزواج والأبناء، بل وضعت أجسادهن أيضاً في قلب خطر دائم، حيث يصبح الخوف رفيق الطريق في رحلة النزوح، وفي المخيمات، وفي المدن المدمرة.
كثير من النساء أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن بعد أن اختفى الرجال في الموت أو القتال أو السجون، يواجهن الفقر والجوع وانعدام الحماية في واقع هش وصعب. وهكذا لا تبدو الحرب مجرد معركة بين طرفين مسلحين، بل كارثة اجتماعية عميقة تتسع كل يوم، تتجلى آثارها بوضوح في حياة النساء اللواتي يحملن عبء البقاء وسط انهيار العالم من حولهن، بينما يكبر جيل كامل من الأطفال في ظل الخوف وفقدان الاستقرار.
(2)
ما يجري في السودان يكشف بوضوح الفجوة الكبيرة بين ما تقوله القوانين الدولية وما يحدث فعلياً على الأرض. فالقانون الدولي الإنساني يتحدث كثيراً عن حماية المدنيين، ويولي اهتماماً خاصاً بالنساء والأطفال في أوقات الحرب والنزاعات المسلحة، لكن الواقع يظهر أن هذه القواعد غالباً ما تبقى حبراً على ورق عندما تنهار مؤسسات الدولة وتضعف آليات المحاسبة والمساءلة.
في مثل هذه الظروف تصبح الانتهاكات أمراً متكرراً، لأن مرتكبيها يدركون أن احتمال مساءلتهم ضعيف أو شبه معدوم. ومع غياب الإرادة الحقيقية لتطبيق هذه القوانين، يتحول النظام القانوني إلى إطار أخلاقي ومعياري أكثر منه أداة ردع حقيقية وفعالة. وهنا تظهر مشكلة أعمق تتعلق بقدرة النظام الدولي نفسه على حماية الإنسان في لحظات الانهيار الكبرى، عندما تتقاطع المصالح السياسية للدول مع المأساة الإنسانية على الأرض.
هذه الفجوة بين النص القانوني والواقع الميداني تجعل النساء في مناطق النزاع يواجهن أشكالاً مركبة من العنف والحرمان، من دون أن يشعرن بأن هناك نظاماً محلياً أو دولياً قادراً على حمايتهن فعلياً. ولذلك لا يعود الحديث عن القوانين وحدها كافياً. فمن الضروري التفكير في كيفية تحويل هذه القواعد إلى ضمانات حقيقية وآليات عملية قادرة على حماية النساء خاصة، والمدنيين عامة، في أوقات الحرب والأزمات.
(3)
قد تبدو الحرب لحظة انهيار كاملة لكل شيء، لكنها في الوقت نفسه تفتح أحياناً مساحة للتفكير النقدي وإعادة النظر في كثير من الأفكار التي كانت تبدو مستقرة وثابتة. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الخطاب النسوي في السودان. فالسنوات الأخيرة أظهرت أن كثيراً من المفاهيم المستخدمة في تحليل قضايا النساء تحتاج إلى مراجعة جادة، خاصة عندما يتم نقلها من سياقات مختلفة دون مراعاة للواقع الاجتماعي والسياسي المحلي.
ومع تعقّد الأزمات وتداخلها، لم يعد ممكناً الحديث عن قضايا النساء بمعزل عن الاقتصاد أو السياسة أو مسألة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية. لهذا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تطوير خطاب نسوي أكثر ارتباطاً بالواقع، خطاب ينطلق من التجارب الفعلية للنساء في الحياة اليومية، خصوصاً في ظروف الحرب والنزوح والفقر. فالمسألة لم تعد مجرد المطالبة بزيادة عدد النساء في مواقع القرار، على أهميتها، بل تتعلق أيضاً بالاستماع إلى قصص النساء العاديات، وفهم تجاربهن الحقيقية، وتحويل هذه التجارب إلى مصدر مهم للمعرفة وإعادة التفكير في المفاهيم السائدة.
وفي هذا الإطار، تقدم تجربة النساء السودانيات مثالاً مهماً على كيفية إعادة تعريف القوة والمقاومة خارج الأطر التقليدية. فالكثير من أشكال الصمود التي تظهر في الحياة اليومية لا تدخل عادة في التعريفات السياسية أو الأكاديمية للقوة، لكنها في الواقع تمثل شكلاً عميقاً من أشكال المقاومة للحرب والانهيار.
وقد بدأت كثير من النقاشات سابقاً حول العدالة والمساواة بين الجنسين داخل ورش عمل أو لقاءات محدودة، ثم تطورت لاحقاً إلى مساءلة مفاهيم واسعة الانتشار تتعلق بالقضايا النسوية بأبعادها الفلسفية والاجتماعية والسياسية. وفي سياق الحرب تصبح هذه المفاهيم أكثر تعقيداً، لأن تحقيقها يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالفقر وانعدام الأمن وتفكك البنى الاجتماعية. ومن هنا ظهر فهم أوسع لفكرة العدالة، على سبيل المثال بحيث لا تقتصر على المحاسبة القانونية فقط، وإنما تشمل أيضاً العدالة الاقتصادية والاجتماعية، والكرامة اليومية للنساء اللواتي يعشن تحت ضغط الفقر والنزوح والعنف.
وبالتالي فإن إعادة إنتاج المفاهيم والمعرفة أصبحت شكلاً من أشكال صمود النساء. فتوثيق التجارب، وإماطة اللثام عن عشرات الروايات للناجيات من جحيم الحرب، وحفظ الذاكرة الجماعية في مواجهة محاولات التضليل أو النسيان، ومنح النساء مساحة لرواية قصصهن بأنفسهن بدلاً من أن يتحدث الآخرون نيابة عنهن، كلها خطوات مهمة تتسع يوماً بعد يوم.
(4)
تعكس تجارب متعددة جوانب مختلفة من العمل النسوي في إطاري المعرفة والممارسة. فلم يقتصر العمل على تقديم الدعم المباشر للنساء في الميدان، بل تطور أيضاً إلى بناء معرفة تستند إلى التجارب الحقيقية للنساء في مناطق النزاع. فخلال العمل الميداني تراكمت لدى النساء المتطوعات خبرات واسعة حول واقع النساء في الحرب؛ قصص النزوح، وأساليب البقاء، وأشكال التضامن التي تنشأ بين النساء في أصعب الظروف.
ومع مرور الوقت ظهرت الحاجة إلى توثيق هذه التجارب وتحويلها إلى مادة بحثية يمكن أن تسهم في فهم أعمق لما يحدث. وفي هذا المضمار تجسد منظمات نسوية أدواراً نوعية ومهمة في العمل المدني. وعلى سبيل المثال لا الحصر تعمل منظمة متعاونات على تقديم العون القانوني، والمساهمة في الإصلاح التشريعي، إضافة إلى التثقيف المدني حول حقوق النساء. وتعمل منظمة المبادرات من خلال عيادات متنقلة للكشف المبكر عن سرطان الثدي، كما تقدم دعماً مهماً لصمود النساء النازحات في ظروف صعبة. أما منظمة الحارسات فإلى جانب الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية التي تقدمها، تتصدى أيضاً لتحدٍ كبير يتمثل في التشبيك حول الأجندة النسوية والعمل في مجال المناصرة والدفاع عن حقوق النساء. ومع انضمام باحثات متخصصات إلى هذا العمل المدني، بدأ تطوير أساليب جديدة خاصة في مجال رصد الانتهاكات بالتركيز على جمع الشهادات وتوثيقها وتحليلها من منظور نسوي يضع تجارب النساء في مركز قضايا العدالة والانصاف.
(5)
ظهرت النساء في مناطق النزوح كفاعلات اقتصادياً واجتماعياً بطرق متعددة ومتنوعة. فمع فقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها بسبب الحرب، اضطرت النساء إلى البحث عن وسائل جديدة لتأمين احتياجات أسرهن اليومية. وقد أدى ذلك إلى ظهور عدد كبير من المشاريع الصغيرة والمبادرات الفردية والجماعية التي تقودها النساء. بعض هذه المشاريع يقوم على إنتاج الطعام المنزلي أو الحرف اليدوية، وبعضها يعتمد على التجارة البسيطة في الأسواق المحلية.
هذه المبادرات، إضافة إلى أنها تؤمّن دخلاً اقتصادياً ولو محدوداً، تمثل أيضاً تحولاً مهماً في الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. فالكثير من النساء وجدن أنفسهن يتحملن مسؤوليات لم يكنّ يقمن بها من قبل، ونجحن رغم ذلك في بناء مساحات من الاستقلال النسبي والاعتماد على الذات.
كما ظهرت شبكات تضامن نسائية تقود مبادرات تطوعية لتوفير الغذاء والدواء والدعم النفسي للأسر المتضررة من الحرب. وفي كثير من الأحيان تكون هذه المبادرات هي المصدر الوحيد للمساعدة في المناطق التي غابت عنها مؤسسات الدولة أو ضعفت فيها الخدمات الأساسية. ورغم أن هذه المبادرات تواجه تحديات كبيرة مثل نقص التمويل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام الأمن والاستقرار، إلا أنها كشفت في الوقت نفسه عن قدرة النساء على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة بناء الحياة بطرق جديدة.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي يمكن رؤية جانب مختلف من قصة الحرب في السودان. فهناك شابات يعرضن مشاريعهن الصغيرة، أو يشاركن قصص نجاح بسيطة، أو يقدمن منتجات محلية صنعنها بأنفسهن. قد تبدو هذه المشاهد بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالة عميقة. فهي تعكس رغبة قوية في الاستمرار وعدم الاستسلام للظروف القاسية. كما تظهر كيف يمكن للتكنولوجيا ووسائل التواصل أن تصبح أداة اقتصادية ومعرفية تساعد النساء على بناء حضور مستقل.
(6)
تُعد حرب السودان، إلى حد كبير، حرب السرديات والمعلومات بامتياز. فقد أصبح الإعلام ساحة مهمة للصراع على تفسير ما يحدث، وعلى تشكيل الرأي العام المحلي والدولي. وفي هذا المجال برزت نساء سودانيات كثيرات كصحافيات وناشطات وصانعات محتوى على منصات التواصل الاجتماعي. وقد لعبن دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات ونقل قصص الناس في مناطق النزاع إلى العالم. لكن هذا الحضور لا يخلو من المخاطر. إذ تتعرض النساء في الإعلام لحملات تشويه، وخطاب كراهية، وضغوط أمنية ونفسية متزايدة.
كما أن بعض وسائل الإعلام التقليدية ما زالت تميل إلى تقديم النساء إما كضحايا فقط أو كرموز رمزية، متجاهلة أدوارهن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتعددة. صحيح أن الإعلام الرقمي وفر مساحات أوسع للنساء للتعبير عن أنفسهن ونقل تجاربهن مباشرة إلى الجمهور، لكنه كشف أيضاً عن مشكلة العنف الرقمي، حيث تتعرض كثير من النساء للهجوم والتشهير عبر الإنترنت. لذلك فإن تعزيز حضور النساء في الإعلام يتطلب توفير بيئات عمل أكثر أماناً، إضافة إلى دعم تقني ومهني يساعدهن على الاستمرار في أداء دورهن في إنتاج المعرفة العامة وتوثيق الواقع.
(7)
عند النظر إلى تجارب العمل النسوي في مناطق النزاع، تظهر مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تساعد في تطوير هذا العمل مستقبلاً. من بين هذه الأفكار أهمية توجيه التمويل الدولي نحو دعم الجماعات النسوية المحلية، لأنها غالباً الأقرب إلى فهم احتياجات النساء في الميدان والأكثر قدرة على الاستجابة السريعة لها. كما أن توفير بنية تحتية تكنولوجية بسيطة، مثل وسائل الاتصال والطاقة الشمسية، يمكن أن يساعد كثيراً في استمرار العمل المجتمعي في الظروف الصعبة. ومن المهم أيضاً ألا يتركز بناء الحركات النسوية في المناطق الآمنة فقط، بل أن يشمل كذلك المناطق الأكثر تضرراً من الحرب.
ومن القضايا المهمة أيضاً تطوير آليات فعالة لحماية النساء في حالات النزوح واللجوء، لأن أوقات الأزمات غالباً ما تشهد زيادة في أشكال الاستغلال والعنف. ويصبح التضامن بين الحركات النسوية أمراً ضرورياً، بعيداً عن الاستقطابات السياسية أو الفكرية التي قد تضعف العمل المشترك. أما على المستوى الأكاديمي، فإن توثيق تجارب النساء السودانيات في زمن الحرب يمثل مساهمة معرفية مهمة، ليس فقط لفهم ما جرى، بل أيضاً لبناء ذاكرة جماعية تساعد المجتمع على التعافي مستقبلاً. فعندما تشارك النساء في الاقتصاد، والإعلام، والعمل المجتمعي، وإنتاج المعرفة، فإنهن يسهمن في بناء الأسس التي يمكن أن تقوم عليها المجتمعات بعد انتهاء الحروب. عطفاً على دعم النساء وتمكينهن من التعبير عن تجاربهن ومعارفهن واجباً أخلاقياً، وشرطاً أساسياً لأي عملية تعافٍ حقيقية. فالمجتمعات التي تعطي مساحة أكبر لخبرات النساء وتستفيد منها تكون أكثر قدرة على إعادة بناء نفسها، وعلى التطلع إلى مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً وإنسانية.


