يداك أوكتا وفوك نفخ

يداك أوكتا وفوك نفخ
  • 09 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

محجوب إبراهيم الخليفة

▪️ السياسة ليست مسرحًا للدهاء المجرد، ولا رقعة شطرنج تُحرَّك فيها الشعوب كما تُحرَّك القطع الصمّاء. السياسة، في جوهرها الأخلاقي، امتحان للضمير قبل أن تكون امتحانًا للقوة. ومن هذا الباب يُقرأ مسار حاكم أبوظبي، بوصفه مسارًا انزلقت فيه الحسابات الباردة إلى دروب التآمر، وتحوّلت فيه الطموحات الجامحة إلى وقودٍ لحرائق لا تزال تلتهم أوطانًا عربية جريحة…تتراكم الوقائع المؤلمة عبر خرائط متفرقة، غير أنّ خيطًا واحدًا يربطها جميعًا: بلدان أنهكتها الحروب، وشعوب دفعت أثمانًا فادحة من الدم والكرامة، وساحات صراع تشير تقارير سياسية وإعلامية دولية إلى أدوار إماراتية مثيرة للجدل أسهمت في تعقيد أزماتها بدل إطفائها. سوريا واليمن وليبيا والسودان ليست أسماء عابرة في نشرات الأخبار، بل جراح مفتوحة في الجسد العربي، وكل جرح منها يحمل أسئلة ثقيلة عن الجهات التي غذّت الصراع وأطالت أمده.
▪️ تتحدّث تقارير متعددة، صادرة عن مراكز بحث وصحافة استقصائية ومنظمات حقوقية، عن انخراط إماراتي غير مباشر في مسارات تسليح وتمويل أطراف مسلحة خارج إطار الدولة الوطنية، وعن توظيف المال السياسي لشراء الولاءات واستجلاب مقاتلين أجانب عبر شبكات معقدة من الوسطاء. ويبرز في السياق السوداني سيل من الاتهامات المتداولة على نطاق واسع حول دعم مليشيا الدعم السريع بالمال والسلاح والغطاء اللوجستي. وهي اتهامات تنفيها أبوظبي رسميًا، غير أنّ استمرار تدفق السلاح واتساع رقعة الحرب يضع هذا النفي تحت مجهر المساءلة الأخلاقية والسياسية.
▪️ السودان، ذلك البلد الذي عرف معنى الدولة قبل أن تعرفه خرائط كثيرة، وجد نفسه في أتون صراع دموي دمّر مدنه وشرّد شعبه. الاتهامات المتداولة عن ضخ مليارات الدولارات، وعن صفقات تسليح، وعن شراء مرتزقة من خارج الإقليم، لا يمكن فصلها عن نتائجها الكارثية على الأرض: مدن مهدّمة، نازحون بالملايين، واقتصاد يترنح تحت الركام. المسؤولية الأخلاقية هنا لا تُقاس ببيانات النفي، بل بمآلات الأفعال وآثارها الواقعية…وسط هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال العدالة التاريخية بإلحاح صارخ..هل يمكن لمن أشعل النار أن يشتكي من لهيبها؟..وهل يحق لمن عبث بأمن الآخرين أن يرفع صوته متباكيًا عندما تضيق به الدوائر وتنكشف الأوراق؟
التراث العربي يقدّم جوابًا بالغ البلاغة في حكاية المثل الشهير.
▪️ تحكي العرب عن رجلين كانا في سفر، يحمل كل واحد منهما زاده وقربة ماء على ظهره. اعترض طريقهما نهر عميق لا سبيل لعبوره إلا بالحيلة. أفرغ كل واحد قربته، ثم نفخها وربط فمها لتكون وسيلة طفو. دخلا الماء معًا، غير أنّ أحدهما أخذ يغرق، فقد نفخ قربته دون أن يُحسن ربطها. صرخ مستنجدًا بصاحبه، فجاءه الرد قاطعًا لا لبس فيه..يداك أوكتا وفوك نفخ.
▪️ المعنى أبلغ من الحكاية. من صنع سبب هلاكه لا يلومنّ إلا نفسه. هكذا يبدو المشهد اليوم. تضييق الخناق السياسي، وتراجع الثقة الإقليمية، وارتفاع منسوب الغضب الشعبي تجاه السياسات التخريبية، ليست مؤامرة خارجية، بل نتيجة منطقية لمسار اختار المغامرة بأمن الشعوب. لا يحق للفاعل أن يتقمص دور الضحية، ولا يليق بمن حرّك الفتن أن يجزع من ارتداداتها.
▪️ على الضفة الأخرى، يسطع موقف مغاير يعيد التوازن إلى المشهد العربي. المملكة العربية السعودية، بثقلها الديني والسياسي، اختارت طريقًا مختلفًا قوامه تثبيت الدولة الوطنية، وحماية وحدة المجتمعات، والسعي الصبور إلى الحلول السياسية. في سوريا، برز الدور السعودي الداعي إلى إعادة دمج الدولة السورية في محيطها العربي ضمن مسار يخفف المعاناة ويحدّ من الفوضى. في اليمن، قادت الرياض جهودًا شاقة لوقف الحرب ودعم مسار السلام، واضعة أمن اليمن واستقراره جزءًا أصيلًا من أمنها القومي.
▪️ في السودان، ظلّ الموقف السعودي واضحًا وثابتًا في دعم وحدة الدولة، ورفض منطق المليشيات، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية والإنسانية لتخفيف الكارثة ودفع الفرقاء نحو طاولة الحوار…هذا الفارق ليس تفصيلاً عابرًا، بل تجلٍّ لرؤيتين: رؤية ترى في الفوضى أداة نفوذ، ورؤية تدرك أنّ استقرار الإقليم هو الاستثمار الحقيقي والأبقى. الشعوب الأصيلة، التي تعرف معنى الوطن وتدرك ثمن السيادة، تميّز جيدًا بين من يساندها ومن يتاجر بدمها، وبين من يطفئ الحرائق ومن ينفخ في جمرها.
▪️ الخلاصة لا تحتاج زخرفة لغوية إضافية. التاريخ لا يرحم، والوقائع لا تُمحى بالضجيج الإعلامي. من نفخ قربته بيده وأحكم ربطها يعبر النهر سالمًا، ومن أهمل العقدة يغرق، ثم لا يجد سوى المثل العربي العتيق يلاحقه..يداك أوكتا وفوك نفخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*