عزمي أحمد خليل… عاش حياته كما شعره حتى آخر قصيدة..!

عزمي أحمد خليل… عاش حياته كما شعره حتى آخر قصيدة..!
  • 10 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

بشرى سليمان

لم يكن عزمي أحمد خليل مجرّد شاعرٍ يُطرِب الأسماع، بل كان سيرةً إنسانيةً كُتِبَت بأحرف من ضوء وظل، سافرَت مع الريح، واستقرَّت في أعماق الوجدان. شاعرٌ كتبَ حياته كما كتبَ شعره: ترحالاً لا يستقر، وقلقاً لا يهدأ، وشفافيةً تلامس الأعماق، وأسئلةً وجوديةً تترنَّح بين الحنين والحيرة.

وُلدَ حيثُ يتهادى النيلُ في وادي حلفا – دغيم، في أقصى الشمال، حيثُ يتعلَّم الصبرُ من جريان الماء، وحيثُ الفقدُ قديمٌ كقدم النوبة المغتربة. منذ نعومة طفولته، لم يعشْ في مكانٍ واحد؛ فبسبب ظروف الأسرة، رحلَ بين الشرق والشمال، فنشأ في أروما وبورتسودان وكسلا، ممتزجاً بعراقة النوبة، وعنفوان الشرق، وطيبة القرى، وتنوع اللهجات. ذلك الخليط المبكِّر كان البذرة الأولى لشاعرٍ سيصنع من التنوع هوية، ومن الهجرة قدراً.

درس مرحلتَيه الابتدائية والمتوسطة في أروما وبورتسودان، وأكمل الثانوية في حلفا الجديدة، قبل أن يرسوَ في الخرطوم، ليدرس الفلسفة والمنطق وعلم النفس بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم. ولم يكن اختياره لهذه العلوم صدفةً عابرة؛ فقد انعكست بوضوح في نصوصه، حيث التفكير العميق، والتأمل الوجودي، وتحليل المشاعر، والخوف بوصفه قيمةً إنسانيةً راقية، لا ضعفاً.

بدأ حياته العملية معلماً بمديرية كسلا، وكأنه يردُّ للمدن التي احتضنته جميلَ عطائها. ثم انتقل إلى الخطوط الجوية السودانية ضابطاً في مطار الخرطوم، وهناك بدأت مغامرةٌ جديدة مع السفر والمطارات والوداع، ثيمةٌ ستلازم شعره حتى النهاية. في تلك المرحلة، كان قريباً من الناس، من المسافرين، من الدموع المختبئة خلف الابتسامات، ومن الحقائب التي تحمل أكثر مما تُظهر.

ثم دخل عالم الصحافة، فعمل في الإذاعة والتلفزيون، وكتب في صحف سودانية عديدة خلال حقبة مايو، قبل أن تأخذه الهجرة إلى الخارج. في الإمارات العربية المتحدة، عمل صحفياً في جريدتي الخليج والوحدة، وهناك اتسعت رؤيته، وتعمَّق إحساسه بالغربة، لا كمسافة جغرافية فحسب، بل كحالة داخلية تزيد التصاقاً بالوطن من بعيد.

ومن الإمارات إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل مشرفاً اجتماعياً بجامعة الملك سعود بالرياض. في الرياض، كما في جدة والدمام، كان عزمي حاضراً في المجالس الثقافية، فاكهة السهرات، ورفيق الحوارات، وصاحب الهاتف الذي يرنُّ في آخر الليل، حاملاً الضحك مرةً، والحنين مرةً أخرى. هناك تعمَّقت علاقاته بالمبدعين، وازدادت مغامراته الإنسانية: صداقةً، نقاشات، عشقاً، وانكساراتٍ صامتةً تحوَّلت لاحقاً إلى أغنيات خالدة.

ثم كانت الهجرة الأبعد: الولايات المتحدة الأمريكية. في واشنطن، ثم في ولايات أخرى، عاش عزمي سنواته الأخيرة، منخرطاً في النشاط الثقافي، سكرتيراً لرابطة شعراء الغناء بالمهجر، وفاعلاً في المنتديات الإلكترونية، وقريباً من جيل جديد من الفنانين، لم يبخل عليهم بكلماته ولا بخبرته. ورغم البعد، ظل السودان حاضراً في تفاصيله اليومية، في لغته، في مفرداته، وفي خوفه الدائم من الفقد.

شعر عزمي أحمد خليل هو مرآة هذه السيرة المتنقلة. كتب عن الحب لا كانتصار، بل كامتحان. عن الفراق لا كحدثٍ عابر، بل كهواجسَ تسبق اللقاء. وعن الخوف باعتباره أرقى درجات التعلُّق. لذلك جاءت أغنياته مثل: “هسع خائف من فراقك”، “ما اتعودت أخاف من قبلك”، “دا ما سلامك”، “عشان أهلك بخليكي”، شاهدةً على شاعر جعل من الانكسار مدرسة، ومن السهل الممتنع فلسفة.

غنَّى له الكبار: العاقب، عثمان مصطفى، الموصلي، سيف الجامعة، هاشم ميرغني، عبد العزيز المبارك، حمد الريح، خوجلي عثمان، الهادي الجبل، مجذوب أونسة، أبو عبيدة حسن، محمود عبد العزيز،وعافية حسن وغيرهم من أجيالٍ مختلفة، مما يؤكِّد أن تجربته لم تكن عابرة، ولا مرتبطة بزمنٍ واحد، بل ممتدةً بامتداد الوجدان السوداني.

في يوم الجمعة العاشر من مايو 2019، رحل عزمي أحمد خليل في ولاية فيرجينيا الأمريكية، بعيداً عن النيل، وقريباً من ذاكرة الناس، لكنه دفن جوار والده كما اوصى، بمقابر الصحافة. رحل الجسد، وبقي الصوت. بقيت الكلمات تمشي بيننا، كأنها تهمس في كل مرة:
هذا ليس سلام الوداع… بل سلام البقاء في الوجدان.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل سيرته، كما شعره، رحلةً لا تنتهي.

الوسوم بشرى-سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*