السعودية… هنا بيتُ الله ومركزُ الكرة الأرضية وعرفاتُ العهد واللقاء الأوّل

السعودية… هنا بيتُ الله ومركزُ الكرة الأرضية وعرفاتُ العهد واللقاء الأوّل
  • 10 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

محجوب إبراهيم الخليفة

▪️السعودية ليست رقعة جغرافيا عابرة في تاريخ البشر، بل موضعُ اصطفاءٍ إلهيٍّ قديم، شهد البدايات الكبرى للإنسان، واحتضن العهد الأوّل، وتجلّت عليه أعظم شعائر التوحيد. أرضُ الحجاز—قبل أن تُعرَف بأسمائها الحديثة—كانت ميدانًا لسنن الله في الخلق والهداية، ومركزًا روحيًا يشدّ القلوب قبل الأجساد، وتنعقد عنده ذاكرة الإنسان منذ نشأته الأولى.
▪️اختيارُ هذه الأرض سابقٌ على تدوين التاريخ، ومؤسَّسٌ على حكمةٍ ربانية. القرآن يعلن بداية البركة بوضوح جليّ:-
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96].
يعلّق الإمام الطبري في جامع البيان أن الآية تدل على سبق الكعبة لكل موضع عُبد الله فيه على وجه الأرض، وأن البركة فيها متعدية، تشمل الدين والدنيا معًا. ويؤكد ابن كثير في تفسير القرآن العظيم أن معنى (أول بيت) يشمل الأولية الزمانية والمقامية، أي أول بيت قصدته البشرية لعبادة الله الخالصة.
▪️روايات معتبرة عند عدد من السلف تشير إلى أن الله أمر ملائكته ببناء البيت الحرام قبل خلق الإنسان، ليكون قبلةً لأهل السماء، ثم جُعل موضعه قبلةً لأهل الأرض. يذكر ذلك الأزرقي في كتابه أخبار مكة، مستندًا إلى آثار عن ابن عباس رضي الله عنهما، تفيد بأن الكعبة كانت موضوعة قبل آدم، ثم طُمست معالمها بالطوفان، وبقي أساسها محفوظًا.
▪️آدم، أبو البشر، أُمِر بإعادة بناء البيت أو قصد موضعه للعبادة. هذا المعنى أورده السيوطي في الدر المنثور، جامعًا أقوالًا عن الصحابة والتابعين تفيد بأن آدم حجّ إلى هذا البيت، وأن مناسك الحج ضاربة بجذورها في فجر الإنسانية، وليست طقسًا طارئًا على الرسالة المحمدية، بل ميراث توحيدي متصل.
▪️الهجرة الإبراهيمية إلى هذه الأرض جاءت امتثالًا لأمرٍ إلهيٍّ بالغ الحكمة. القرآن يصوّر المشهد بعمق روحي:-
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) [إبراهيم: 37].
▪️يقول الفخر الرازي في مفاتيح الغيب إن اختيار الوادي غير ذي الزرع مقصود لذاته، ليكون التعلّق بالله خالصًا، بعيدًا عن فتنة الخصب والغنى. ثم جاء الأمر الإلهي الخالد:-
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة: 127].
▪️يرى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن رفع القواعد إعلان عن إعادة إحياء مركز التوحيد في الأرض، وربط الرسالة بالنسل، والعقيدة بالعمران.
عرفات تحتل مقامًا فريدًا في هذا السياق الكوني. عدد من العلماء ربطوا بينها وبين الميثاق الأوّل، مستأنسين بقوله تعالى:-
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف 172].
▪️الإمام ابن جرير الطبري أورد في تفسيره أقوالًا تفيد بأن هذا الأخذ كان على وجهٍ حقيقيٍّ، وأن الله أشهد بني آدم على ربوبيته. وذكر الإمام السهيلي في الروض الأنف أن عرفات من أشهر المواضع التي قيل إنها شهدت هذا الإشهاد، ما يمنح الوقوف بها معنى تجديد العهد، لا مجرد أداء نسك.
روايات أخرى، أوردها الأزرقي والفاكهي في كتبهم عن أخبار مكة، تشير إلى أن جبل عرفات كان موضع اللقاء الأوّل بين آدم وحواء بعد الهبوط إلى الأرض. هذا المعنى أكده عدد من المؤرخين المسلمين، معتبرين أن تسمية (عرفات) مرتبطة بالتعارف والالتقاء، وهو تفسير لغوي وروحي في آن واحد.
▪️بعض العلماء والباحثين ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فرأوا أن موضع البيت الحرام هو ذاته المكان الذي أُخذت منه قبضة التراب التي خُلق منها آدم. ذكر هذا الرأي الإمام السيوطي في الهيئة السنية ضمن أقوال متعددة، مستندًا إلى مركزية مكة وإلى قوله تعالى:-
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ) [المؤمنون: 12].
الرأي يظل في دائرة الاجتهاد، لكنه يعزز دلالة العمق الرمزي للمكان، حيث يلتقي بدء الخلق ببدء العبادة.
▪️فكرة مركزية مكة بالنسبة للأرض تناولها أيضًا عدد من الجغرافيين المسلمين. يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان أقوالًا تفيد بأن الكعبة وُضعت في وسط اليابسة، وأن الأرض دُحيت من تحتها. هذا المعنى يجد صدى في قوله تعالى:-
(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا) [النازعات: 30]، وقد أشار بعض المفسرين إلى ارتباط الدحو بموضع البيت الحرام.
▪️السعودية اليوم تحمل هذا الإرث العقدي والإنساني الثقيل، وتنهض بخدمة الحرمين الشريفين، محافظةً على قداسة المكان، وميسّرةً لشعائر الحج والعمرة، تحقيقًا للنداء الإلهي الخالد:-
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا) [الحج: 27].
النداء ممتد عبر القرون، والجواب يتجدّد في كل عام، شاهداً على أن هذه الأرض ما زالت قلب العالم الروحي.
▪️هكذا تتجلّى السعودية بوصفها أرض الاصطفاء الأول، ومركز التوحيد، وموضع العهد واللقاء والبداية. قداسة المكان ليست رواية أسطورية، بل حقيقة دعمتها النصوص، وعضدتها أقوال العلماء، وحفظتها السنن الإلهية، لتبقى هذه الأرض شاهدةً على قصة الإنسان مع ربه منذ اللحظة الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*