الجيش السوداني: ما بين ميزان الدولة وموازين الصراع(1)

الجيش السوداني: ما بين ميزان الدولة وموازين الصراع(1)
  • 10 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

محمد الأمين عبد النبي

مقدمة:
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالاتنا حول “أسئلة اليوم التالي”، والتي سعينا من خلالها إلى تفكيك الاشتباك في المشهد السوداني، بدءاً من تعقيدات القبيلة والمجتمع المدني، وصولاً إلى أدوار الأحزاب والنقابات والحركات النسوية والشبابية، مروراً بملفات الحركة الإسلامية والدعم السريع والحركات المسلحة. واليوم، نناقش المحور الأكثر حساسية وإلحاحاً عند الشعب السوداني؛ ألا وهو المؤسسة العسكرية.
إن الحديث عن المؤسسة العسكرية “الجيش السوداني” يتطلب قدراً عالياً من التوازن الذهني؛ فهو حوارٌ يجب أن يترفع عن شطط الكراهية التي قد أفرزتها مرارات الممارسة، وفي الوقت ذاته، يجب أن يبتعد عن عاطفية التقديس التي تُعفي الجيش من النقد والمساءلة. فنحن هنا لا نتحدث عن جماعة أو كيان، وإنما نتحدث عن العمود الفقري للدولة، والمؤسسة التي يمثل استعدال بوصلتها شرطاً لبقاء السودان ككيان موحد، وانهيارها يعني الانزلاق نحو “اللا دولة”.
ينطلق المقال من فرضية؛ لا دولة بلا جيش، ولا جيش بلا عقيدة وطنية محترفة. ومن هذا المنطلق، نفتح ملف الجيش بوصفه مؤسسة عامة ملكاً للشعب السوداني، تُحلل إخفاقاتها لتُقوَّم، وتُشرح عيوبها لتعالج، وتُعاد صياغة دورها على ضوء تجارب الانقلابات والحروب.
يبحث المقال عن المفقود في علاقة الجيش بالدولة والسياسة والاقتصاد، والإجابة على سؤال: كيف يُستبعد الجيش من التجاذبات الأيديولوجية والبيزنس العسكري وصراعات السلطة، ليعود مؤسسة قومية تحرس الدستور وتحمي الأرض، وتخضع للإرادة المدنية التي هي جوهر العقد الاجتماعي الجديد؟ إنه دعوة لحوارٍ هادئ، ليس بغرض النيل من الجيش، وإنما لإنقاذ فكرة الدولة عبر إصلاح أهم أجهزتها.

الجيش في فلسفة الدولة الحديثة:

في فلسفة العلوم السياسية، تُمثّل الجيوش مبدأ الاحتكار الشرعي الوحيد لأدوات العنف، وهو المبدأ الذي صاغه ماكس فيبر كشرط أساسي لقيام الدولة الحديثة. فالدولة، بوصفها كياناً قانونياً سيادياً، لا تستقيم إلا حين تحتكر استخدام القوة في إطار الشرعية والقانون. ومن هنا، يُنظر إلى الجيش في الدولة الحديثة بوصفه الضامن للعقد الاجتماعي، ومؤسسة وظيفتها حماية الدولة التي يمارس فيها الشعب حريته وتنميته.
ينطلق احتراف الجيوش الحديثة من ثلاثة مرتكزات أساسية: السيادة الوطنية، والحياد السياسي، والتبعية الكاملة للسلطة المدنية. فالجيش في الدولة الحديثة هو درع للوطن لا سيف على رقبته، وأداة تنفيذية للسياسات العليا التي تقررها الإرادة الشعبية. وتُقاس قوة الجيوش بمدى انضباطها تحت لواء سيادة حكم القانون، وابتعادها عن الحكم أو منافسة المواطنين في أرزاقهم، لتبقى مؤسسة تسمو فوق الانقسامات، وتدخل التاريخ من باب التضحية والمهنية لا من باب الهيمنة والوصاية.
تتمحور طبيعة الجيش في هذا الإطار حول مفهوم الاحترافية، التي تقتضي خضوع القوات المسلحة للقرار المدني. وتُعرّف المعايير الدولية الجيش كأداة تنفيذية للدولة تنحصر مهامها في حماية الدستور وصون النظام القانوني. وتتأسس هذه العلاقة على مبدأ الشفافية، بحيث تخضع ميزانية الجيش وعقيدته القتالية ومشتريات السلاح للرقابة، مع الفصل بين العمل العسكري والنشاط الاقتصادي أو الحزبي. وبالتالي يُعد الجيش مؤسسة قومية تعكس تنوع المجتمع وتلتزم بالقانون الدولي الإنساني، وتستمد شرعيتها من ولائها للدولة بما يضمن تفرغها لتطوير قدراتها الدفاعية والتقنية لمواجهة مهددات الأمن القومي.
قدمت التجارب المقارنة دروساً في كيفية تحول الجيوش من أدوات للقمع أو فواعل سياسية إلى مؤسسات احترافية. ففي جنوب أفريقيا، نجحت عملية الدمج في صهر مقاتلي حركات التحرر داخل الجيش النظامي وفق معايير مهنية وتحت إشراف مدني، مما جعله حامياً للديمقراطية لا مهدداً لها. وفي البرازيل، تطلبت العودة إلى المسار الديمقراطي عقوداً من الإصلاح الهيكلي الذي ركز على سحب الامتيازات الاقتصادية من المؤسسة العسكرية وإعادتها إلى ثكناتها عبر قوانين تمنع تدخلها في الشأن العام. وتتجلى نجاعة التحول العسكري كذلك في تجارب إفريقية وعربية ملهمة؛ فقد استطاعت رواندا، بعد الإبادة الجماعية، بناء جيش وطني موحد عبر دمج الفصائل المتحاربة في هيكل احترافي واحد. وانتقلت غانا من سلسلة الانقلابات إلى الاستقرار الديمقراطي بفضل إصلاحات عميقة عززت العقيدة المهنية وفصلت بين الطموح السياسي والواجب العسكري. وعربياً، تبرز التجربة التونسية كنموذج لجيش نأى بنفسه عن التجاذبات السياسية وحمى الانتقال الديمقراطي، وكذلك تجربة موريتانيا التي شهدت أول انتقال سلمي للسلطة.
تؤكد هذه التجارب أن مفتاح النجاح يكمن في توفر قوات عسكرية تؤمن بأن استدامة المؤسسة مرتبطة بخروجها من السياسة، مع وجود رقابة وضمانات دستورية. كما يتطلب الإصلاح حزمة متكاملة من العدالة الانتقالية. وتتلخص الدروس المستفادة في جملة من المبادئ: تطهير المؤسسة من الولاءات الحزبية، والدمج وفق معايير الكفاءة بما يضمن وحدة القيادة والسيطرة؛ والحياد الإيجابي الذي يؤكد أن قوة الجيش تكمن في ابتعاده عن الحكم، وقبوله بالرقابة المدنية، مقابل التزام الدولة بتوفير تمويل مستدام لتطوير قدراتها التقنية والتسليحية، بما يخلق جيشاً قوياً تكنولوجياً وضعيفاً سياسياً.
وعلى ضوء هذه المعايير، تشهد الساحة الدفاعية تحولات جوهرية في بنية الجيوش، تفرض على الدول إعادة تقييم نماذجها الدفاعية ومقارباتها القتالية وأولوياتها الاستراتيجية. وقد فتح ذلك نقاشاً واسعاً حول مدى جاهزية الجيوش للتكيّف مع نزاعات معقدة وممتدة. ويضع هذا التحول صناع القرار أمام تحدٍ مركب يتمثل في تحقيق توازن فعال بين ثلاثة عناصر مترابطة: الكتلة العسكرية البشرية والمادية، والتفوق التكنولوجي، والتماسك العملياتي القادر على الصمود والاستمرارية.

الجيش السوداني: البدايات الواعدة وإرث الوصاية وانحراف المسار:

لم يكن الجيش السوداني وليد الدولة الحديثة، بل يستند إلى تقليد عسكري ضارب في عمق التاريخ. فمنذ الممالك الكوشية والمروية، تكرّست صورة المقاتل السوداني بوصفه رمزاً للصلابة والدقة؛ حتى أن الرماة السودانيين عُرفوا بـ “رماة الحدق” لدقتهم الاستثنائية. وفي سلطنتي الفونج والفور، وكذلك لدى العبدلاب، ظل الجندي السوداني مصدر هيبة الدولة، رغم أن تلك التشكيلات لم تكن جيوشاً نظامية بالمفهوم الحديث، غير أنها أورثت المؤسسة العسكرية عنصري التماسك الداخلي، والارتباط بفكرة حماية الحدود.
تمثل حقبة المهدية انعطافة مهمة في تشكّل الشخصية العسكرية؛ فللمرة الأولى يتكوّن جيش وطني يتحدى إمبراطورية عالمية وينتصر عليها، مستنداً إلى تنظيم “الرايات” الذي جمع بين العقيدة التعبوية والانضباط الميداني. فقد ضمّ فرسان استطلاع، وقوات اقتحام، وقوة نيران، في صيغة مبكرة لما يمكن تسميته ببنية عملياتية متكاملة. كانت تلك اللحظة بمثابة بروفة تاريخية لجيش وطني يرفض وصاية الخارج.
ومع تأسيس “قوة دفاع السودان” دخلت العسكرية السودانية طور الاحتراف. صحيح أنها نشأت تحت إشراف بريطاني، إلا أن نواتها سودانية خالصة؛ حيث تلقى الضباط تدريباً نظامياً، واكتسبوا خبرات تنظيمية وإدارية، وصارت المؤسسة العسكرية مختبراً لصهر المكونات القبلية في بوتقة الجندية. وبحلول الاستقلال، كان السودان يمتلك تقاليد عسكرية في المشاة والبحرية والجوية تُعد الأعرق في أفريقيا والعالم العربي.
غير أن هذه البداية الواعدة حملت في داخلها بذور الإشكال؛ فقد صاغ المستعمر عقيدة الجيش السوداني بوصفه “حارس الحكم” لا خادماً للدستور، أي مؤسسة فوق المجتمع لا داخله. هذه الرؤية، التي منحت الجيش إحساساً بالوصاية، أسست لجدلية مزمنة بين مهامه الدفاعية وأدواره السياسية. ومن هنا يمكن فهم جذور الانقلابات، بوصفها امتداداً لبنية ذهنية ترى أحقية الجيش بالحكم.
هكذا أصبح الجيش، على حد تعبير د. عبد الله علي إبراهيم، “الفيل داخل غرفة السياسة السودانية”. فمنذ الاستقلال، شهد السودان نحو عشرين محاولة انقلابية، في ظاهرة تعكس ما وصف بـ “الحلقة الشريرة”؛ فكلما بدأت ملامح مسار مدني في التبلور، تدخل الجيش بحجة حماية الاستقرار أو فض النزاعات، ليعيد إنتاج دورة الانقضاض على الخيار الشعبي.
بدأ هذا النمط بانقلاب عبود 1958، ثم تعمّق مع انقلاب نميري 1969، حيث دخل الجيش في تحالفات أيديولوجية، ولم يكتفِ بإدارة الدولة بل أعاد تشكيلها سياسياً واقتصادياً، مما رسخ سابقة شرعنة الحكم العسكري عبر غطاء مدني مؤدلج. وتكرّس هذا المنحى بصورة أكثر حدة في انقلاب البشير 1989، الذي قام على تحالف عضوي بين الجيش والحركة الإسلامية، فجرى إعادة هيكلة الدولة وفق مشروع أيديولوجي. ولم يكن انقلاب البرهان 2021 إلا حلقة جديدة في هذه السلسلة؛ إذ لم يعد التدخل العسكري مجرد تصحيح مسار، بل عملية تجريف كاملة للتربة الديمقراطية. وهكذا تحوّل الجيش من حارس للحدود إلى فاعل سياسي مهيمن يصادر حق السودانيين في إدارة شأنهم العام.
يتمثل أحد أكبر الإخفاقات البنيوية في تاريخ السودان في إدمان الجيش على الاحتماء بقوى سياسية لتوفير غطاء مدني لانقلاباته. فقد تحالف تارةً مع اليسار، وتارةً مع اليمين، في علاقة متبادلة؛ يمنح السياسيون الجيش شرعية الوصاية، ويمنح الجيش السياسيين القوة الخشنة للوصول إلى السلطة خارج صناديق الاقتراع. هذه العلاقة غير الشرعية أفضت إلى تسييس الجيش وجعلته طرفاً في الصراع، وأفقدته مهنيته.
ومن هنا يمكن القول إن السمة الناظمة للجيش السوداني تاريخياً تعكس حالة التوتر الدائم بين مهنيته وطموحه؛ بين تقليد عسكري عريق وبنية وصائية. لقد حمل الجيش في داخله، منذ لحظة التكوين الحديث، جدلاً بين كونه مؤسسة جامعة، وكونه وصياً على الدولة. هذا الجدل يفسر مساره المتعرج؛ بدايات واعدة ثم انحرافات تحت وطأة إرث لم يُفكك، وتحالفات قوّضت حياده، وأبقت السودان عالقاً في حلقة جهنمية.
فترة الإنقاذ تمثل في تقدير كثير من الباحثين، اللحظة التي بلغ فيها تسييس الجيش ذروته. فالتحالف بينه وبين الجبهة الإسلامية لم يكتفِ بالاستيلاء على السلطة، ولكنه مضى إلى إعادة تشكيل الجيش نفسه وفق سياسة التمكين. وقد لخّص العميد الركن السر أحمد السعيد في كتابه “السودان نحو الجمهورية الثانية” ملامح هذه السياسة: إبعاد كل من يُشتبه في صلته بأحزاب أخرى أو حتى من لا يُظهر حماساً كافياً، إخضاع الضباط وضباط الصف لمراقبة أمنية لصيقة في العمل والسكن، انتقاء العناصر الأضعف أو الأكثر قابلية للولاء، واستخدام الترهيب والترغيب والامتيازات. كما أُحكمت السيطرة على لجان القبول بالكلية الحربية لضمان تدفق كوادر موالية، واستُخدمت أدوات تعبئة أيديولوجية مثل استنفار المجاهدين، وبرنامج “في ساحات الفداء”، ومنظمة الشهيد، والتوجيه المعنوي؛ لإعادة تعريف عقيدة الجيش وهويته. ولم تتوقف الملاحقات عند الخدمة الفعلية، بل امتدت إلى الضباط المحالين للتقاعد. ولم يقتصر الأمر على تسييس الرتب القيادية، بل شمل إنشاء جيوش موازية مثل الدفاع الشعبي والدعم السريع، لتقويض وحدة القرار العسكري ومنع الجيش من الانحياز لمصالح الشعب. كما حوّل النظام القوات المسلحة إلى أداة للحضور الاقتصادي والحزبي، ما أدى إلى خلط مصالح الدولة بمصالح التنظيم، وخلق طبقة من الضباط المسيسين الذين أصبحت ولاءاتهم التنظيمية تفوق التزاماتهم المهنية والدستورية.
هذه السياسات خلفت إرثاً مشوهاً داخل الجيش، أضعف المهنية والتنوع وأعاد هندسته على أساس الولاء السياسي، حتى بدا الجيش، طوال أكثر من ثلاثة عقود، أقرب إلى ذراع تنظيمي منه إلى مؤسسة قومية. والنتيجة أن الإقصاء الواسع دفع أعداداً من الضباط المفصولين إلى تكوين حركات مسلحة، ما عمّق الانقسام وأدخل البلاد في دورة جديدة من العسكرة والصراع. بذلك لم تكتفِ الإنقاذ بإدارة الجيش، وإنما غيّرت طبيعته، وخلخلت أسسه المهنية على نحو ما تزال آثاره ماثلة في بنية الدولة السودانية حتى اليوم.

العلاقات المدنية–العسكرية:

ظلت هذه العلاقات منذ الاستقلال محكومة بتعقيد تاريخي لم يُحسم، حيث تعاقبت فترات الحكم العسكري مع محاولات انتقال مدني جاءت غالباً في أعقاب الثورات الشعبية. غير أن هذه اللحظات، رغم زخمها الجماهيري، لم تنجح في ترسيخ معادلة مستقرة تعيد الجيش إلى موقعه المهني. فتكرار تدخل الجيش في الحكم يعكس هشاشة البنية المدنية والنزوع العسكري للوصاية، كما تجلى في نموذج نميري الذي جمع بين القيادة العسكرية ورئاسة الاتحاد الاشتراكي، ثم البشير الذي ترأس المؤتمر الوطني وهو في موقع القائد العام، في مفارقة مع قانون القوات المسلحة الذي يحظر الانتماء الحزبي ويقصر مهمة الجيش على حماية الوطن والدستور. وفي المقابل، لم تفلح القوى السياسية في بناء توافقات مستدامة أو في تحييد الجيش عن الاستقطاب، بل سعت بعض تياراتها إلى استمالته أو اختراقه. وهكذا بقيت جدلية المدني والعسكري أحد المفاتيح الأساسية لفهم تعثر الدولة السودانية وسؤالها المفتوح حول إعادة ترسيم الحدود بين السلطة والسلاح على أسس دستورية.
تاريخ الانتقال في السودان يكشف أن كل المحاولات نحو الحكم المدني قامت، بدرجة أو بأخرى، على صيغة شراكة أو تفاهم بين القوى الثورية والمؤسسة العسكرية، باعتبارها القوة المنظمة القادرة على تأمين الانتقال وتهيئة الطريق لانتخابات عامة. هكذا كان الحال عقب ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وتكرر المشهد في أبريل 2019، حين تأسست الشراكة بموجب الوثيقة الدستورية على أمل إعادة ترسيم العلاقة بصورة مؤقتة تنتهي بخروج الجيش من السياسة. غير أن التجربة كشفت فشل هذا الرهان؛ إذ سرعان ما اتجهت قيادة الجيش إلى احتكار القرارين السياسي والاقتصادي، ونقض الأساس الذي قامت عليه الشراكة، لتتحول من ضامن للانتقال إلى طرفٍ منقلب عليه. وقد جرى تحصين هذا المسار بإجراءات قمعية أفضت إلى سقوط شهداء ومصابين، الأمر الذي عمّق فجوة الثقة بين الشارع والجيش، وأعاد طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء علاقة مستقرة إذا ظلت فترات الانتقال تنتهي عند لحظة انفراد العسكريين بالسلطة؟
طرح الإمام الصادق المهدي فكرة “ميثاق عسكري” ضمن مواثيق استدامة الديمقراطية، كرؤية مبكرة لمعالجة إشكالية العلاقة المدنية – العسكرية. فقد أدرك من واقع التجربة أن المطلب الديمقراطي في دولة مثقلة بالانقلابات لا يمكن أن يقوم على منطق الغلبة، وإنما على إعادة تعريف الأدوار وبناء الثقة. وكان طرحه قراءة واقعية لموازين قوى مختلة وبناء وطني هش. ففي تجربته في الحكم، سعى المهدي إلى إدارة علاقة مع الجيش في ظل حرب أهلية وضغوط حادة، محاولاً الحفاظ على قومية المؤسسة وعدم الزج بها في استقطاب حزبي، مع الدفع نحو حلول سياسية تقلل من استنزافها في الحرب. ورغم ما واجهته حكومته من اختلالات وضغوط، ظل يؤكد أن إصلاح العلاقة مع الجيش يبدأ بتحصينه لا بمواجهته.
وفي المرحلة الانتقالية الأخيرة، عاد المهدي ليطرح مقاربة تقوم على حوار مؤسسي يهدف إلى طمأنة العسكريين بشأن مستقبلهم المهني، مقابل التزام واضح بخروجهم المنظم من العمل السياسي. كان ينظر إلى الانتقال بوصفه عملية دقيقة تتطلب تأمين مخارج آمنة، لا دفع الجيش إلى الزاوية الحرجة التي تدفعه للتشبث بالسلطة. لذلك حذر من الخطاب الاستفزازي الذي قد يدفع بالجيش في مواجهة التغيير؛ فقد كان يرى أن حماية الديمقراطية لا تتحقق بعزل الجيش أو شيطنته، بل بإعادة إدماجه في دوره الدستوري، جيشاً مهنياً تحت سلطة مدنية، لا خصماً لها ولا وصياً عليها.
قدّم صموئيل هنتغتون في كتابه “الجندي والدولة” إطاراً نظرياً لفهم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية في الدول الحديثة. ينطلق هنتغتون من أن الاحتراف العسكري هو الضامن الرئيس لحياد الجيش واستقراره المؤسسي، وطرح مفهوم “الضبط الموضوعي” بوصفه النموذج الأمثل للعلاقة المدنية–العسكرية، حيث تتمتع المؤسسة العسكرية باستقلال مهني كامل في شؤونها الفنية والتنظيمية، مقابل خضوعها الصارم للسلطة الشرعية في تحديد الأهداف والقرارات الاستراتيجية. ورأى أن أزمات الانقلابات وتداخل الأدوار بين العسكري والسياسي تعكس الانزلاق نحو تسييس الجيش وإقحامه في الصراع. وحذّر هنتغتون من أن هذا النمط يضعف الاحتراف ويدفع المؤسسة العسكرية إلى لعب أدوار سياسية مباشرة، بما يقوّض بناء الدولة الحديثة. وشدد على الفصل الواضح بين الوظيفة العسكرية والسلطة السياسية، وترسيخ عقيدة مهنية وطنية، بحيث تصبح قوة الجيش نابعة من انضباطه واحترافيته لا من حضوره في المجال السياسي.
وعلى ذات النسق؛ قدّم عزمي بشارة في كتابه “الجيش والسياسة” مقاربة نقدية للعلاقة المدنية – العسكرية في السياق العربي، متجاوزاً التفسيرات التي تختزل تدخل الجيوش في السياسة بعوامل ثقافية. انطلق بشارة من تفكيك الإطار النظري، مبيّناً أن تسييس الجيوش ليس ناتجاً عن نزعة عسكرية ذاتية، بل عن فشل بناء الدولة الوطنية الحديثة، وغياب الشرعية الديمقراطية، وتحوّل الجيش إلى أحد أعمدة النظام السياسي بدل كونه أداة وطنية محايدة. وأكد أن الجيوش العربية نشأت في كثير من الحالات بوصفها جيوش أنظمة لا جيوش دول، ما جعلها منخرطة في صراعات السلطة، ومعرّضة للأدلجة والاستخدام الزبائني. كما أوضح بشارة أن عسكرة السياسة تقابلها بالضرورة تسييس العسكرية، بما يقوّض الاحتراف ويضعف وحدة الجيش وقدرته القتالية. وخلص الكتاب إلى أن إخراج الجيش من السياسة لا يتحقق بالشعارات أو بالضبط القسري، وإنما بإعادة تأسيس المجال السياسي على قاعدة المواطنة والشرعية الدستورية، وبناء عقد اجتماعي مدني يجعل من خضوع الجيش للسلطة المدنية نتيجة طبيعية لبناء الدولة.

الجيش السوداني ومفارقة ميزان الدولة:

تمثل جوهر أزمة الجيش السوداني في انزياحه من موقع الحارس الدستوري إلى موقع الفاعل السياسي. فقد تطور سلوك قياداته من دور محدد إلى وصاية كاملة، مدفوعة ببراغماتية سلطوية تجلت بوضوح في الاحتفاظ بامتيازات اقتصادية وأمنية خارج نطاق الرقابة المدنية، وفي اللجوء إلى أدوات قمعية لمواجهة المطالب الديمقراطية، كما حدث في فض الاعتصام وما أعقب انقلاب 25 أكتوبر، بما يعكس خللاً عميقاً؛ حيث يُنظر إلى الانتقال الديمقراطي بوصفه تهديداً للمصالح لا استكمالاً للشرعية.
هذا المسار عطل التحول الديمقراطي وأضعف الثقة في الجيش كمؤسسة جامعة، إذ انشغلت قياداته بتأمين وضعيتها السياسية والاقتصادية أكثر من انشغالها بإصلاح بنيته المهنية، ودمج التشكيلات المسلحة، وبناء عقيدة قتالية موحدة. وبدلاً من أن يكون الجيش إطاراً احترافياً خاضعاً للسلطة المدنية، نشأت حوله منظومة مصالح اقتصادية معقدة، تحولت فيها الشركات التابعة للأجهزة النظامية إلى اقتصاد موازٍ يعمل خارج رقابة المؤسسات الدستورية. هذا الواقع خلق شبكة من المصالح تجعل من تسليم السلطة للمدنيين مخاطرة بامتيازات القادة المالية.
يتعمق نقد تجربة الجيش السوداني حين تتبدل علاقته بالمواطن من واجب الحماية إلى منطق الاستخدام. فالمشهد يكشف خللاً استراتيجياً مقلقاً، حيث يُدفع مدنيون عُزّل إلى حمل السلاح لسد فراغات ميدانية، في ظل غياب غطاء عملياتي منظم وعقيدة واضحة. هذا النمط لا يعكس تنظيماً رشيداً للدفاع الشعبي بقدر ما يشي بتراجع الدولة عن مسؤوليتها الدستورية، إذ يصبح المواطن خط الدفاع الأول بدلاً من أن يكون الجيش هو درعه الواقي. والفارق بين تنظيم مقاومة منضبطة تحت قيادة مهنية، وبين تسليح أزمة بلا إطار مؤسسي، هو الفارق بين دولة تحمي شعبها ودولة تتركه في مواجهة مصيره.
يزداد المشهد تعقيداً بالنظر إلى تاريخ الترتيبات الأمنية، من أديس أبابا 1972 إلى نيفاشا 2005 ثم اتفاق جوبا 2020، حيث تكشف التجارب عن نمط متكرر من المعالجات الجزئية التي تعاملت مع الحركات المسلحة بوصفها كتلًا سياسية تُسترضى، لا أفراداً يُعاد دمجهم في عقيدة قومية. وقد أدى ذلك إلى شرعنة واقع تعدد الجيوش، وتحويل عمليات الدمج والتسريح إلى استيعاب شكلي يُبقي الولاءات التنظيمية قائمة داخل المؤسسة الرسمية. فالتجربة أثبتت أن الاتفاقيات التي تؤجل الحسم لمسألة احتكار السلاح لا تصنع سلاماً، بل تؤسس لصراعات مؤجلة بأدوات أكثر تعقيداً تحت مظلة الجيش نفسه.
يبرز أحد أخطر أوجه أزمة الجيش السوداني في التحول الذي أصاب عقيدته القتالية؛ إذ تراجعت أولوية حماية الحدود لصالح الانخراط في صراعات داخلية طويلة الأمد. فبدلاً من أن يكون عامل توحيد وطني، دخل في حروب داخلية استنزفت الموارد وأرهقت المجتمع، وقد أفضت المقاربات الخشنة إلى تعميق الانقسامات وتهجير المواطنين، الأمر الذي أضعف الرابطة المعنوية بين الجيش والمجتمع.
سياسياً، أسهم تواتر الانقلابات في تكريس تصور مفاده أن قوة السلاح هي الطريق الأقصر إلى السلطة، ما أضرّ بتطور المؤسسات المدنية وأعاق ترسيخ التداول السلمي للحكم. ومع تمدد النشاط الاقتصادي المرتبط بالمؤسسة العسكرية خارج الأطر الرقابية المعتادة، نشأ تضارب مصالح بنيوي بين الدور الدفاعي والمكاسب الاقتصادية، الأمر الذي قوّض الشفافية وأضعف الثقة العامة.
أما الخطأ الاستراتيجي الأعمق فتمثل في إضفاء الطابع المؤسسي على قوى مسلحة موازية خارج التسلسل القيادي التقليدي كالدعم السريع والحركات المسلحة وغيرها. فقد أدى توسيع الاعتماد على تشكيلات غير مندمجة في المنظومة العسكرية إلى تقويض مبدأ احتكار الدولة للسلاح، وإلى تعدد مراكز القرار الأمني. ومع انفجار الصراع بين مكونات القوة نفسها، تكشفت كلفة هذا المسار على وحدة السلاح وعلى بقاء الدولة موحدة. الدرس هنا واضح: “لا استقرار دون عقيدة مهنية موحدة، ولا سيادة دون جيش واحد خاضع لقيادة مركزية ورقابة مدنية”.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*