بقاء إيران قوية… ركيزة التوازن في معادلة الشرق الأوسط
▪️تعيش منطقتنا واحدةً من أدقّ لحظاتها التاريخية، حيث تتشابك المصالح الدولية مع الطموحات الإقليمية، وتتصارع مشاريع الهيمنة مع تطلعات الشعوب إلى السيادة والكرامة.
وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف إيران بوصفها دولةً إقليمية كبرى ذات تأثير سياسي وعسكري واقتصادي لا يمكن تجاهله. ومن زاوية القراءة الاستراتيجية الباردة، يتبدّى أن بقاء إيران قوية وصامدة يمثّل عنصرًا محوريًا في حفظ التوازن ومنع انفراد قوة واحدة بتقرير مصير المنطقة.
▪️في منطق التوازن وكبح الهيمنة، تعلّمنا تجارب التاريخ أن غياب التوازن يولّد الهيمنة، وأن الهيمنة المنفردة تفتح الباب أمام التمدد غير المنضبط. بعد انهيار العراق عام 2003، تبدّلت خرائط النفوذ سريعًا، وظهر فراغ استراتيجي ملأته قوى خارجية وإقليمية، فتضاعفت الصراعات وتكاثرت الميليشيات وتعمّقت الانقسامات.
▪️التوازن الإقليمي، مهما كانت تعقيداته، يظل أقل كلفة من الفراغ الشامل. وجود إيران قوية يعني بقاء معادلة الردع قائمة، ويعني أن أي مشروع توسعي – أيًّا كان مصدره – سيحسب خطواته بدقة قبل الإقدام على مغامرات عسكرية واسعة. هذا التوازن لا يخدم إيران وحدها، بل يخدم مجمل دول المنطقة التي تخشى التحوّل إلى ساحات صراع مفتوحة.
▪️أما كلفة الانهيار وأشباح الفوضى، فتنكشف بوضوح عند النظر إلى حجم الدولة الإيرانية جغرافيًا وديموغرافيًا وسياسيًا. الحديث يدور عن دولة واسعة المساحة، تضم أكثر من ثمانين مليون نسمة، وتملك شبكة علاقات إقليمية متشعبة. سقوطها المفاجئ سيعني تفككًا داخليًا قد يتخذ طابعًا عرقيًا ومذهبيًا، بما يحوّل الجوار إلى حزام من الأزمات الممتدة، ويؤدي إلى موجات لجوء ضخمة تضغط على دول الخليج والعراق وتركيا وآسيا الوسطى، فضلًا عن سباق دولي محموم للسيطرة على موارد الطاقة وخطوط الملاحة في الخليج وبحر قزوين، مع تصاعد حركات العنف العابر للحدود في بيئة فوضوية بلا مركز ضبط. تجارب ليبيا وسوريا تقدّم نماذج حيّة لكيف يتحول انهيار الدولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، مع فارق أن إيران أكبر حجمًا وأكثر تأثيرًا، ما يجعل ارتدادات انهيارها أشد خطرًا.
▪️وفي معادلة الردع في مواجهة إسرائيل، تكشف الحسابات الاستراتيجية أن إسرائيل قوة عسكرية متقدمة مدعومة غربيًا، وتملك تفوقًا تقنيًا واضحًا. وجود قوة إقليمية كبيرة قادرة على خلق توازن ردعي – حتى لو كان توازنًا هشًا – يقي المنطقة من انفراد كامل في القرار العسكري. انهيار إيران سيعني عمليًا اختفاء أحد أبرز أقطاب المواجهة غير المباشرة، ما يفتح المجال أمام إعادة رسم خرائط النفوذ بلا عوائق كبرى، ويؤدي إلى تكريس واقع أمني جديد يجعل بقية الدول في موقع المتلقي لا الشريك، مع توسيع نطاق التطبيع القسري تحت ضغط التفوق الأحادي، وتضييق هامش المناورة أمام القوى العربية والإسلامية في ملفات فلسطين وسوريا ولبنان. في ميزان القوى، لا تُقاس الأمور بالعواطف بل بحسابات الردع، وأي فراغ كبير يملؤه الأقوى بلا مقاومة تُذكر.
ومن زاوية أمن الطاقة وممرات الملاحة، يبرز الخليج العربي بوصفه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، واستقرار ضفتيه شرط أساسي لاستقرار الأسواق الدولية. وجود دولة قوية على الضفة المقابلة يمنح معادلة الأمن البحري توازنًا يحول دون تحوّل الممرات إلى بحيرات مغلقة لطرف واحد. انهيار إيران قد يدفع قوى دولية إلى عسكرة كاملة للمياه الإقليمية، ما يحوّل المنطقة إلى ساحة استقطاب دائم ويزيد احتمالات الاحتكاك.
▪️أما أثر الانفراد الإسرائيلي على القضية الفلسطينية، فيتصل بجوهر الصراع في الوعي العربي والإسلامي. أي اختلال جذري في موازين القوى سيضعف أوراق الضغط المتبقية، ويجعل الحلول المفروضة أكثر قسوة على الفلسطينيين. التوازن، مهما كان معقدًا، يتيح مساحة للتفاوض والمقاومة السياسية، بينما الانفراد يفضي إلى فرض الوقائع بالقوة.
▪️وفي قراءة سيناريو الهيمنة المطلقة، تفترض الحسابات الاستراتيجية أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها البحتة. إذا تلاشت إيران كفاعل إقليمي، سيعاد ترتيب المنطقة ضمن محور واحد متماسك تدعمه قوى غربية. هذا السيناريو قد يحقق استقرارًا شكليًا قصير المدى، لكنه يحمل في داخله بذور مقاومات شعبية وحركات احتجاجية تنفجر لاحقًا في دورات عنف جديدة. غياب التوازن لا يصنع سلامًا دائمًا، بل يخلق سلامًا مفروضًا بقوة السلاح.
▪️وبين الخلاف السياسي والمصلحة الاستراتيجية، تبقى حقيقة أن الخلافات العربية–الإيرانية عميقة ومعقدة وتمتد إلى ملفات عديدة، غير أن إدارة الخلاف تختلف جذريًا عن الرغبة في انهيار الطرف الآخر. المنطق الاستراتيجي الرصين يفرّق بين الخصومة السياسية وضرورة بقاء موازين القوى متوازنة. انهيار دولة محورية قد يريح بعض الأطراف مرحليًا، لكنه يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.
▪️المنطقة تحتاج إلى معادلة توازن عقلانية، وإلى إدارة صراعاتها بوعي استراتيجي يقدّم المصلحة الجماعية على الانفعالات اللحظية. فالدول الكبرى تسقط مرة واحدة، أما تداعيات سقوطها فتمتد لعقود طويلة، وتعيد تشكيل الجغرافيا السياسية على نحو قد لا يخدم أحدًا سوى من خطّط للفراغ واستثمر فيه.
mhgoub33@gmail.com


