العلمانية وعقدة القراءة الانتقائية للتاريخ

العلمانية وعقدة القراءة الانتقائية للتاريخ
  • 02 يونيو 2026
  • لا توجد تعليقات

مساعد النويري

في مقالها الموسوم بالحديث عن العلمانية والتاريخ الإسلامي تمضي رشا عوض في طريق بات مألوفاً لدى كثير من دعاة القطيعة مع التراث الإسلامي إذ تبدأ من نتيجة جاهزة ثم تعود إلى التاريخ لتنتقي منه ما يسند تلك النتيجة وتتجاوز ما يناقضها وكأن التاريخ محكمة استدعيت إليها الشواهد التي تدين دون الشواهد التي تبرئ وكأن القرون الطويلة الممتدة من عمر الحضارة الإسلامية لا تختزن إلا صفحات الصراع والقهر والاستبداد ولا تعرف علماً ولا عمراناً ولا فلسفة ولا إبداعاً ولا مساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.
وليس من العدل أن نواجه المبالغة بمبالغة أخرى ولا أن نعالج الأسطورة بأسطورة مضادة فالتاريخ لا يقرأ بعين العاشق وحده ولا بعين الساخط وحده وإنما يقرأ بعين الباحث الذي ينصف ولا يجحف ويزن ولا يهوى. ومن هنا فإن أول ما يلفت النظر في طرح الكاتبة أنها تنسب إلى خصومها صورة مثالية مطلقة للتاريخ الإسلامي ثم تمضي إلى نقض تلك الصورة وكأنها بذلك قد نقضت التاريخ نفسه. والحقيقة أن أكثر الباحثين إنصافاً لا يقولون إن المسلمين كانوا ملائكة يمشون على الأرض ولا إن دولهم كانت مدناً فاضلة خالية من العيوب وإنما يقولون إن الحضارة الإسلامية كانت تجربة إنسانية كبرى فيها الصواب والخطأ وفيها العدل والظلم وفيها النهوض والتراجع شأنها شأن كل الحضارات البشرية.
غير أن رشا عوض لا تكتفي بنقد التقديس غير المنهجي للتاريخ بل تقع في النقيض المقابل فتستبدل التقديس بالتبخيس وتمضي من الإفراط إلى التفريط ومن المبالغة البيضاء إلى المبالغة السوداء وكأنها لم تتعلم من دروس التاريخ أن الحقيقة لا تسكن الأطراف وإنما تقيم في الوسط العادل الذي ينصف ولا يجحف. لقد قامت أطروحتها على فرضية مركزية مفادها أن التاريخ الإسلامي ليس سوى سجل طويل من الاستبداد والقهر واضطهاد المختلف وأن الحديث عن منجزاته الحضارية لا يعدو أن يكون دعاية أيديولوجية صنعتها تيارات الإسلام السياسي. وهذه الفرضية نفسها تعاني من الخلل الذي تتهم به غيرها لأنها تنتقي من التاريخ ما يؤيد موقفها وتتجاوز ما لا ينسجم مع النتيجة التي تريد الوصول إليها سلفاً.
إن أحداً من المنصفين لا يدعي أن تاريخ المسلمين كان فردوساً أرضياً خالياً من الحروب والصراعات والظلم. فالصحابة أنفسهم اختلفوا ووقعت بينهم الفتن الكبرى وتعاقبت على العالم الإسلامي دول وسلالات حكمت بالعدل حيناً وبالاستبداد أحياناً شأنها شأن كل الأمم والحضارات. غير أن تحويل هذا التاريخ الواسع الممتد عبر قرون طويلة إلى لوحة سوداء قاتمة لا يقل مجافاة للحقيقة عن تصويره جنة خالصة لا عيب فيها.
والسؤال الذي يغيب عن هذا الطرح هو كيف استطاعت الأمة الإسلامية أن تقود العالم قروناً طويلة في ميادين العلم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والعمران إن كانت حضارتها مجرد مشروع قمعي مغلق لا يعرف إلا السيف والاستبداد ؟. كيف تحولت بغداد إلى أعظم مركز علمي في العالم لقرون متعاقبة ؟ وكيف أصبحت قرطبة قبلة العلماء والدارسين ؟ وكيف ازدهرت في ظل الحضارة الإسلامية علوم البصريات والكيمياء والرياضيات والفلك والطب ازدهاراً شهد به الخصوم قبل الأصدقاء ؟ . لقد شهد التاريخ الإسلامي ظهور مراكز علمية كبرى في بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة وكانت هذه المدن منارات للعلم حين كانت أجزاء واسعة من العالم ترزح تحت وطأة الجهل والتخلف. ولم تكن تلك الوقائع أوهاماً أيديولوجية بل حقائق راسخة سجلها مؤرخون من مختلف المشارب والاتجاهات.
وليس السؤال هنا هل وقع ظلم في التاريخ الإسلامي أم لا  ؟ فالظلم وقع بلا شك كما وقع في كل الحضارات والأمم وإنما السؤال هو هل كان الظلم جوهر التجربة الإسلامية أم أحد عيوبها التاريخية التي لا تنفرد بها عن غيرها من الأمم ؟ . إن الكاتبة تتحدث عن الحروب والصراعات التي شهدها تاريخ المسلمين وكأنها اكتشفت أمراً خفياً على المؤرخين بينما الحقيقة أن تاريخ البشرية كله تاريخ صراعات على السلطة والنفوذ وأن أوروبا التي تقدم اليوم بوصفها النموذج الأعلى للحداثة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد أنهار من الدماء وحروب دينية طاحنة ومذابح جماعية وصراعات ملكية واستعمارية أكلت الأخضر واليابس.
فإذا كان وقوع الصراع السياسي دليلاً على فشل الإسلام فإن التاريخ الأوروبي كله يصبح دليلاً على فشل المسيحية وإذا كان وقوع الاستبداد دليلاً على فساد المرجعية فإن كل حضارات الأرض مدانة بلا استثناء. لكن المنهج العلمي لا يقوم على هذا التبسيط المخل بل يفرق بين النصوص المؤسسة وبين الممارسات البشرية وبين المبادئ والتطبيقات وبين الدين وأخطاء المتدينين.
ومن أعجب ما في خطاب رشا عوض أنها تتحدث عن أوروبا الحديثة وكأنها خرجت من رحم التاريخ معصومة من الأخطاء وكأنها لم تعرف محاكم التفتيش ولا تجارة الرقيق ولا الاستعمار ولا الإبادة الجماعية ولا العنصرية المنظمة ولا الحروب العالمية التي حصدت عشرات الملايين من البشر. فكيف يصبح التاريخ الأوروبي قابلاً للفهم في سياقه التاريخي بينما يصبح التاريخ الإسلامي وحده متهماً في جوهره ومحرومًا من حق التفسير التاريخي ذاته. إن العدالة الفكرية تقتضي وحدة المعايير لا ازدواجيتها وتقتضي أن يوزن الجميع بميزان واحد لا بمكيالين مختلفين.
ثم إن الحديث عن التسامح الديني في التاريخ الإسلامي لا يجوز أن يخضع للانتقاء المتعمد. فالوقائع الثابتة تخبرنا أن جماعات يهودية ومسيحية عاشت قروناً طويلة داخل المجتمعات الإسلامية محافظة على معابدها وكنائسها وتراثها الديني والثقافي. وقد عاش اليهود في الأندلس عصوراً عدها كثير من مؤرخيهم من أزهى مراحل وجودهم التاريخي كما عاش المسيحيون في الشام ومصر والعراق قروناً طويلة محتفظين بكنائسهم وشعائرهم ومؤسساتهم الدينية. ولو كان منطق الإقصاء الشامل هو الحاكم المطلق لما بقيت لهذه الجماعات آثار ولا وجود.
وهذا لا يعني إنكار المظالم التي وقعت بحق بعض الأقليات في مراحل معينة من التاريخ ولكنه يعني رفض تحويل الاستثناء إلى قاعدة والحادثة إلى قانون والجزء إلى كل. فالإنصاف يقتضي أن يكون الحكم على الجميع بمعيار واحد. وكما لا نحاكم الحضارة الأوروبية كلها بمحاكم التفتيش أو بالاستعمار أو بتجارة العبيد أو بالمجازر العالمية الكبرى فلا يجوز أيضاً اختزال الحضارة الإسلامية كلها في بعض أخطائها وانحرافات حكامها.
كما تقع الكاتبة في تناقض لافت حين تجعل إسهامات العلماء المسلمين دليلاً على انتصار العقل على الدين ثم تجعل انتماءهم إلى الحضارة الإسلامية أمراً عارضاً لا قيمة له. والحقيقة أن الحضارة الإسلامية كانت فضاءً واسعاً احتضن مدارس فكرية متعددة واتجاهات متنوعة وصراعات معرفية معقدة. لقد عاش فيها الفقيه والفيلسوف والمتكلم والطبيب والرياضي والمفسر والشاعر وتجادلوا واختلفوا وتحاوروا وأنتجوا تراثاً ضخماً لا يزال العالم يدرسه إلى اليوم. أما تصوير التاريخ الإسلامي كله باعتباره سجناً للعقل فليس قراءة للتاريخ وإنما مصادرة للتاريخ.
والأخطر من ذلك أن رشا عوض تجعل العلمانية وصفة سحرية لحل كل مشكلات المسلمين متجاهلة أن عشرات الدول العلمانية في العالم الثالث غرقت في الاستبداد والفساد والحروب الأهلية والفشل التنموي. فالعلمانية في ذاتها ليست ضمانة للعدل كما أن رفع الشعارات الدينية ليس ضمانة للعدل أيضاً. والعدل لا يولد من الشعار وإنما من المؤسسات الرشيدة وسيادة القانون واستقلال القضاء واحترام الكرامة الإنسانية ومحاسبة الحكام. وهذه القيم يمكن أن تتجسد في تجارب متعددة ولا يحتكرها تيار فكري واحد ولا فلسفة سياسية بعينها.
إن الأزمة الحقيقية ليست في الإسلام كما تزعم رشا عوض وليست في العلمانية كما يزعم خصومها وإنما في العجز عن بناء الدولة الرشيدة التي تجعل الكفاءة مقدمة على الولاء والقانون فوق الأهواء والمصلحة العامة فوق المصالح الضيقة. فالنهضة لا تتحقق بمجرد رفع شعار العلمانية كما لا تتحقق بمجرد رفع شعار الشريعة وإنما تتحقق بإقامة دولة العدل والحرية والمعرفة والمؤسسات.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب في خطاب الكاتبة أنها تدعو إلى التحرر من أساطير الماضي بينما تقع هي نفسها في أسطورة أخرى لا تقل خطورة وهي أسطورة التفوق الحضاري المطلق للغرب المعاصر. فالغرب نفسه لا يدعي الكمال ولا يعتبر تاريخه منزهاً عن الأخطاء بل إن أعظم مفكريه كانوا أكثر الناس نقداً لتجربته الحضارية وأكثرهم جرأة في كشف عيوبها ومظالمها. أما أن يتحول الإعجاب بإنجازات الغرب إلى ازدراء شامل للذات الحضارية وإلى قراءة انتقائية للتاريخ الإسلامي فذلك لا ينتج وعياً نقدياً وإنما ينتج تبعية فكرية جديدة تستبدل صنماً بصنم وسجناً بسجن.
إن الأمم العظيمة لا تنهض بجلد ذاتها ولا بتمجيد ذاتها وإنما تنهض حين تمتلك الشجاعة الكافية لرؤية تاريخها كما هو لا كما تشتهي الأهواء. وحين ننظر إلى تاريخ المسلمين بعين الإنصاف نجد أنه ليس تاريخ ملائكة كما يروجه الغلاة وليس تاريخ شياطين كما يصوره بعض خصومه بل هو تاريخ أمة صنعت أمجاداً وأخطاء وأنجزت وأخفقت وأعطت وأخذت شأنها شأن سائر الأمم.
ومن هنا فإن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر محو الذاكرة ولا عبر تقديس الذاكرة وإنما عبر فهم الذاكرة فهماً نقدياً متوازناً. أما تحويل التاريخ الإسلامي كله إلى ملف اتهام مفتوح فهو منهج لا يقود إلى المعرفة بل إلى الخصومة ولا يفتح أبواب النهضة بل يعمق الانقسام لأنه يستبدل البحث عن الحقيقة بالرغبة في إثبات موقف مسبق.
إن الإسلام لم يكن عبر تاريخه ملاكاً لا يخطئ ولم يكن كذلك شيطاناً لا يصيب وإنما كان ديناً عظيماً حمله بشر يصيبون ويخطئون ويعدلون ويظلمون. وتبقى العبرة في أن نقيم حاضرنا على العلم والعدل والحرية دون أن نهدم تاريخنا كله أو نقدسه كله. فبين التقديس والتبخيس طريق اسمه الإنصاف وهو الطريق الذي لا تستقيم المعرفة إلا به ولا يستقيم معه الحكم على الأمم والحضارات إلا بميزان العدل والموضوعية.
فالأمم التي تفقد قدرتها على الإنصاف تفقد قدرتها على الفهم والأمم التي تفقد قدرتها على الفهم تفقد قدرتها على البناء. أما الأمم التي تجمع بين النقد والعدل وبين المراجعة والإنصاف فهي وحدها القادرة على تحويل الماضي إلى خبرة والحاضر إلى مشروع والمستقبل إلى أفق رحب تتسع فيه الحقيقة لأكثر من صوت والرأي لأكثر من اجتهاد ويصبح فيه التاريخ مصدراً للحكمة لا وقوداً للخصومة ومجالاً للفهم لا ساحةً لتصفية الحسابات الفكرية.
tahtadoun@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*