متى يتحول حزب الأمة من الانقياد إلى القيادة؟
في حياة الأمم لحظات فارقة لا تُقاس بطول الزمن وإنما بعمق الأثر وقوة التحولات. لحظات يصبح فيها الوقوف في منطقة الانتظار نوعاً من التراجع ويغدو الاكتفاء بمراقبة الأحداث شكلاً من أشكال الغياب. وفي مثل هذه اللحظات تُختبر الأحزاب السياسية لا بشعاراتها ولا بتاريخها وإنما بقدرتها على المبادرة وصناعة الفعل الوطني وتقديم الإجابات الكبرى على الأسئلة الكبرى.
وحزب الأمة ليس حزباً عابراً في تاريخ السودان حتى يُقاس بمعايير الأحزاب الطارئة. فهو حزب ارتبط بوجدان السودانيين ارتباط النيل بأرضه وارتبط اسمه بمحطات مفصلية في مسيرة الوطن منذ فجر الحركة الوطنية وحتى يوم الناس هذا. وقد ظل لعقود طويلة رقماً صعباً في المعادلة السياسية وحاضنةً لفكرة وطنية واسعة تجاوزت حدود الجغرافيا والقبيلة والجهة لتخاطب السودان كله.
غير أن التاريخ مهما كان ناصعاً لا يستطيع وحده أن يقود الحاضر ولا أن يصنع المستقبل. فالأمم لا تعيش على ذكريات الأمجاد كما أن الأحزاب لا تكتسب مشروعيتها من رصيدها القديم فحسب. والتاريخ الذي لا يتحول إلى طاقة متجددة يصبح مجرد صفحات محفوظة في الذاكرة بينما تمضي عجلة الواقع إلى الأمام غير عابئة بمن يقف عند محطات الأمس.
واليوم يقف حزب الأمة أمام سؤال كبير لا يتعلق بموقعه في الساحة السياسية فحسب وإنما يتعلق بطبيعة دوره ورسالة وجوده. هل ما زال حزباً يقود الأحداث أم أصبح منشغلاً بملاحقتها؟ هل أصبح صانعاً للمبادرات أم متلقياً لها؟ وهل ما زال يمتلك القدرة على تشكيل المشهد الوطني أم اكتفى بموقع المتفرج الذي يعلق على ما يصنعه الآخرون؟
إن القيادة ليست لقباً يمنحه التاريخ ولا ميراثاً تتناقله الأجيال وإنما هي فعل يومي متجدد يقوم على وضوح الرؤية وقوة المؤسسة وجرأة القرار والقدرة على استشراف المستقبل. وحين تتراجع هذه العناصر تتراجع معها مكانة الأحزاب مهما بلغ مجدها ومهما اتسعت جماهيرها.
وفي ظل ما يمر به السودان من حرب مدمرة وتمزق اجتماعي وانهيار اقتصادي واستقطاب سياسي حاد تزداد الحاجة إلى قوى وطنية تمتلك الشجاعة الكافية لتقود لا أن تنقاد وأن تبادر لا أن تنتظر وأن تصنع الحلول لا أن تكتفي بوصف الأزمات. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يخص حزب الأمة وحده بل يخص مستقبله ومستقبل السودان معاً: متى يتحول حزب الأمة من الانقياد إلى القيادة؟ ومتى يستعيد دوره التاريخي بوصفه قوة وطنية تصنع الأحداث بدلاً من أن تكتفي بالتأثر بها؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق التأمل والنقاش والمراجعة الصادقة بعيداً عن المزايدات والخصومات وبعيداً عن لغة التبرير والتقديس لأن الأمم لا تتقدم بالمجاملات والأحزاب لا تنهض بالحنين وإنما تنهض بالنقد الواعي والإرادة الصلبة والرؤية التي ترى أبعد من الحاضر وتبني للمستقبل.ولعل من أكبر الأخطاء التي تقع فيها الأحزاب العريقة أنها تظن أن التاريخ يكفيها مؤونة الحاضر وأن الجماهير ستظل تمنحها الثقة نفسها مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأجيال. غير أن السياسة بطبيعتها لا تعرف الفراغ ولا تعترف بالثبات. فمن يتوقف عن التقدم يتراجع ومن يكتفي بما أنجزه بالأمس يجد نفسه خارج معادلات اليوم. ولذلك فإن السؤال عن انتقال حزب الأمة من الانقياد إلى القيادة ليس سؤالاً موجهاً إلى الأشخاص بقدر ما هو سؤال موجه إلى الفكرة والمنهج والبنية التنظيمية وطريقة التعاطي مع المتغيرات الوطنية.
لقد كان حزب الأمة في مراحل عديدة من تاريخ السودان صاحب مبادرات كبرى ومواقف مؤثرة استطاع من خلالها أن يفرض حضوره في الساحة الوطنية وأن يقدم نفسه باعتباره أحد أهم روافع العمل السياسي. لكن المتأمل في المشهد الراهن يلحظ أن الحزب بات في كثير من الأحيان يتعامل مع الأحداث بعد وقوعها أكثر مما يسهم في صناعتها قبل وقوعها. وبين الحالتين مسافة كبيرة هي ذاتها المسافة بين القيادة والانقياد.
فالقيادة لا تعني كثرة التصريحات ولا وفرة البيانات ولا القدرة على التعليق على ما يجري. القيادة تعني أن تكون لديك رؤية واضحة لما ينبغي أن يكون وأن تمتلك الجرأة الكافية لتحويل تلك الرؤية إلى مشروع عمل. القائد لا ينتظر الآخرين ليحددوا له الاتجاه وإنما يحدد الاتجاه ثم يدعو الآخرين إلى السير نحوه. أما المنقاد فإنه يظل يتحرك داخل المساحات التي يرسمها له الآخرون مهما حاول أن يبدو مستقلاً في مواقفه.
ومن الحقائق التي لا ينبغي تجاهلها أن السودان اليوم ليس هو السودان الذي عرفته الأجيال السابقة. فقد تبدلت الخريطة الاجتماعية وتغيرت أدوات التأثير وظهرت أجيال جديدة تنظر إلى السياسة بعين مختلفة وتبحث عن خطاب مختلف وأدوات مختلفة. وهذه الأجيال لا تكتفي بالأسماء الكبيرة ولا تنحاز تلقائياً إلى الرموز التاريخية وإنما تسأل عن البرامج والنتائج والقدرة على الإنجاز.
ومن هنا فإن أي حديث عن استعادة حزب الأمة لدوره القيادي لا بد أن يبدأ من فهم هذه الحقيقة الأساسية. فالحزب الذي يريد أن يقود المستقبل لا يمكن أن يظل أسيراً لآليات الماضي مهما كانت نجاحاتها السابقة. إن الوفاء للتاريخ لا يعني التوقف عنده وإنما يعني البناء عليه والانطلاق منه نحو آفاق أرحب. فالأشجار العظيمة لا تعيش بجذورها وحدها بل تحتاج أيضاً إلى أغصان جديدة تمتد نحو السماء.
ولعل واحدة من أعقد القضايا التي تواجه حزب الأمة اليوم هي قضية المؤسسية. فالأحزاب لا تقاس بقوة أفرادها وإنما بقوة مؤسساتها. وقد أثبتت التجارب السياسية في مختلف أنحاء العالم أن الأحزاب التي تربط وجودها بالأشخاص تضعف بغيابهم بينما تستمر الأحزاب التي تبني نفسها على المؤسسات والقواعد الراسخة. ولهذا فإن التحول من الانقياد إلى القيادة يقتضي بناء مؤسسات قوية قادرة على اتخاذ القرار وصناعة المبادرات وتجديد النخب بصورة مستمرة.
إن الحزب الذي يريد أن يقود أمة لا بد أن يكون نموذجاً مصغراً لما يدعو إليه في الدولة. فإذا كان ينادي بالديمقراطية فعليه أن يمارسها داخل أجهزته وإذا كان ينادي بالشفافية فعليه أن يجعلها جزءاً من ثقافته التنظيمية وإذا كان يدعو إلى التداول والتجديد فعليه أن يفسح المجال أمام الكفاءات الجديدة لتشارك في صناعة القرار. ذلك أن الجماهير لا تصدق الشعارات بقدر ما تصدق النماذج الحية التي تراها أمامها.
ومن القضايا التي تستحق وقفة جادة أيضاً مسألة الخطاب السياسي. فالخطاب ليس مجرد كلمات تقال في المنابر أو بيانات تنشر في وسائل الإعلام وإنما هو المرآة التي تعكس رؤية الحزب لنفسه وللوطن وللمستقبل. وحين يصبح الخطاب أسير التكرار والعموميات يفقد قدرته على الإقناع والتأثير. أما حين يكون خطاباً حياً نابضاً بالوعي وقادراً على ملامسة هموم الناس فإنه يتحول إلى قوة سياسية فاعلة.
لقد أرهقت الحرب السودانيين وأثقلت كاهلهم بالخسائر والأحزان حتى صار المواطن يبحث عن منارة تهديه وسط هذا الظلام الكثيف. وهو لا ينتظر من القوى السياسية أن تتبادل الاتهامات أو تتنافس في تسجيل المواقف بقدر ما ينتظر منها أن تقدم مشروعاً وطنياً للخروج من الأزمة. وهنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه حزب الأمة إذا أراد أن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع المبادر.
إن الأحزاب الكبيرة لا تُقاس بحجم حضورها في المناسبات ولا بعدد مؤيديها في وسائل التواصل الاجتماعي وإنما تُقاس بقدرتها على إنتاج الأفكار والحلول. والسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من توصيف أزماته لأن أزماته باتت أوضح من أن تحتاج إلى توصيف. ما يحتاجه السودان هو مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين مكوناته المختلفة ويضع أسساً جديدة للدولة على قاعدة العدالة والمواطنة والسلام والاستقرار.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمتلك حزب الأمة مشروعاً متكاملاً للمستقبل أم أنه ما زال يتحرك في إطار ردود الأفعال؟ وهل لديه رؤية واضحة لإعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب أم أنه ينتظر أن تتضح ملامح المشهد ليحدد موقفه؟ فالأحزاب القائدة هي التي تصنع الرؤى قبل أن تتضح الظروف بينما الأحزاب المنقادة تنتظر الظروف حتى تصنع لها الرؤية.
ولا يمكن الحديث عن القيادة دون الحديث عن الوحدة. فالحزب المنقسم على نفسه يصعب عليه أن يقود الآخرين. والتاريخ السياسي السوداني مليء بالتجارب التي أثبتت أن الانقسامات تستنزف طاقة الأحزاب وتبدد جهودها وتضعف قدرتها على التأثير. ولذلك فإن أي مشروع لاستعادة الدور القيادي لا بد أن يبدأ من ترسيخ ثقافة الحوار الداخلي وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة.
إن الجماهير السودانية التي ظلت تنظر إلى حزب الأمة باعتباره أحد أعمدة الحياة السياسية لا تنتظر منه أن يكون نسخة مكررة من بقية الأحزاب. إنها تنتظر منه أن يكون بحجم تاريخه وبحجم التضحيات التي قدمها رواده وبحجم الآمال التي ما زال كثير من السودانيين يعقدونها عليه. فالمكانة التاريخية ليست امتيازاً دائماً وإنما مسؤولية متجددة تتطلب عملاً متواصلاً وإبداعاً مستمراً وقدرة على التجدد.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الأحزاب التاريخية هو الشعور بالاكتفاء الذاتي. فحين يعتقد الحزب أن تاريخه وحده كافٍ لضمان مستقبله فإنه يكون قد بدأ أولى خطوات التراجع. أما حين ينظر إلى تاريخه باعتباره دافعاً لمزيد من العطاء ومصدراً للمراجعة والتطوير فإنه يحافظ على حيويته وقدرته على التأثير.
إن القيادة في جوهرها ليست موقعاً سياسياً وإنما حالة ذهنية وأخلاقية. إنها القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون والشجاعة في اتخاذ القرار حين يتردد الآخرون والاستعداد لتحمل المسؤولية حين يهرب الآخرون منها. وإذا أراد حزب الأمة أن يستعيد دوره القيادي فعليه أن يغادر منطقة التردد إلى منطقة المبادرة وأن ينتقل من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل وأن يقدم للسودانيين أملاً قابلاً للتحقق لا مجرد أمنيات جميلة.
فالسودان يقف اليوم على مفترق طرق وما بعد الحرب لن يكون كما قبلها. وستظهر في الساحة الوطنية قوى جديدة وأفكار جديدة وتحالفات جديدة. وفي مثل هذه اللحظات لا يكفي أن يكون الحزب شاهداً على التحولات بل ينبغي أن يكون مشاركاً في صياغتها. ذلك أن الأمم لا تتذكر من تابعوا الأحداث بقدر ما تتذكر من صنعوها وأسهموا في تغيير مسارها.
ومن هنا فإن السؤال الذي بدأنا به يظل قائماً ومفتوحاً على كل الاحتمالات : متى يتحول حزب الأمة من الانقياد إلى القيادة؟ ومتى يدرك أن مكانته التاريخية العظيمة لا تكتمل إلا بقدرته على صناعة دور تاريخي جديد يليق بتحديات الحاضر وطموحات المستقبل؟
tahtadoun@gmail.com


