سلسلة الترامبية تهز العالم
الإستيلاء على نفط فنزويلاً مقدمة لحروب الشرق الأوسط القادمة الرامية إلى تحجيم الصين ، وخنقها نفطياً ، وكبح تصاعد قوة اليوان ..*
*هل يهدد ترامب منابع النفط في الخليج ..؟*
قبل عدة أشهر ، ذكرت في مقال تحليلي تنبؤي ، ضمن سلسلة (*الترامبية تهز العالم*) أن لعبة الكاوبوي الأمريكي باتت واضحة ، وأن الرجل يخطط لوضع يده على النفط الفنزويلي أولاَ ، وبعدها سوف يتجه إلى احتلال منابع النفط في الشرق الأوسط ، لأن احتكار النفط هو السبيل الوحيد لقمع ووقف نمو التنين الصيني الذي يُمثل النفطُ دم حياته الذي يبقيه صحيحاً معافيً ، وقطع هذا الشريان ، يعني قطع إمداد الدم وحرمان الاقتصاد الصيني من مصدر تغذيته ..
وبالأمس وضع ترامب يده على أكبر احتياطي نفطي في العالم ، معلناً الوصاية الكاملة عليه ، تطويراَ واستخراجاً وتسويقاً …
وبالتأكيد ، ولمعادلات داخلية وخارجية ، وقراءات إنجيلية ، لن يُحرِم ترامب الشعب الفنزويلي من عائداته ، بل أتوقع إن استتب الأمر له ، أن يديرها على أحسن ما يكون ، وسوف يتعامل معهم بمنطق التاجر الشاطر (أفد واستفد) ، ولكن من منطلقات مسيحانية بوصفه مبعوث العناية الإلهية الذي بشّر به سفر رؤيا يوحنا ، والبوق الذي يسبق النفخات الثلاث (راجع مقالي الأخير عن دلالات اسم ترامب ، وهو هو البوق الوارد ذكره في الكتاب المقدس) ..؟
والقصد الأول من إزاحة مادورو ، بعد تحجيم التشافيزية ، هو احتكار النفط الفنزويلي لحرمان الصين منه ، فالإنتاج النفطي الفنزويلي الحالي يبلغ 600 ألف برميل يوميا تذهب جلها إلى الصين ، ويتم محاسبتها باليوان الصيني ، في الغالب الأعم ، وبالمقاصة الداخلية لتمويل الواردات الفنزويلية من الصين ..
وقد ألمح ترامب إلى أن النفط الفنزويلي سوف تكون الصين إحدى وجهاته ، ولكن بعد ترتيبات معينه (ومن المؤكد أنها ترتيبات تأتي ضمن برنامج الخنق النفطي)…
ولكن الأهم هو ما سوف يحدث في منطقة أخرى من العالم ، أي مصير *نفط الخليج* ، والذي يجب أن يكون ، وفقاً لخطة ترامب ، تحت *الإدارة والإشراف الأمريكي المباشر* ، وإذا تعذر هذا فسوف يتم إخراجه من دائرة الإنتاج لعقود طويلة ، ولكن *لماذا وكيف ..؟*
هناك عدة أسباب تنضوي تحت الإجابة على هذا التساؤل (لماذا) .. :
أولها .. إدراك ترامب أن تفوق الصين الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري على أمريكا صار مسألة وقت لا أكثر ، وهو أمر قد لا يتعدى بأي حال من الأحوال الخمس سنوات القادمة ، أي بحلول ٢٠٣٠ ..
فأمربكا مثل أوروبا، صارت دولة تعاني من الوهن الاقتصادي ، والشيخوخة الحضارية ، والأمراض الاجتماعية ، أي وصلت إلى نهاياتها كقوة إقتصادية وحضارية خلاقة ، ولن تنفع معها مساحيق التجميل ، أو حبوب النشاط والترميم ، ومشروبات الطاقة ، خاصة بعد أن أنهكها الدين العام وكبّل نموها ، فلم تعد أمريكا تمثل *حلماِ للشباب* خاصة للكفاءات من البلاد البعيدة ، ولا *قدوة للشعوب اتباعاً لشعاراتها الزائفة حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان* ..
وان هذا الأمر لا يتعلق بأمريكا وحدها ، وإنما *بمجمل الحضارة البيضاء التي تلفظ أنفاسها الأخيرة* ، وعليها حتماً تسليم الراية إلى *اتباع الجنس الأصفر بقيادة الصين* ٠
لهذا كل ما يهمه حالياً هو *تأخير انتصار الصين البائن في الآفق* ، عسى أن يحدث الله بعد ذلك أمرا ، ويتحقق شعار الماقا (لنعيد أمريكا عظيمة مرة أخرى)…
ويدرك ترامب ان عصب الاقتصاد الصيني ومحركه الاول ، هو *النفط* ، وأنه الورقة الرابحة لديه ، والطريق الاسهل *لخنق التنين الصيني* ، وان علي امريكا ان *تعمل لوحدها* ، خاصة بعد ملامح أفول اوروبا وإنقسامها وخلافاتها، وإنكفائها علي ذاتها ، وعدم ادراكها لخطورة الوضع ضمن اطار الصراع الحضاري العالمي ، العرقي والجهوي ..!
كما عليه ان يسقط من حساباته امبراطورية اليابان لان الشيخوخة المجتمعية قد اصابتها في مقتل ، وهي مجتمع اكثر من نصفه هم من المعمرين وكبار السن ..
وان ما يجب ان يتحسب له هو *الهند والصين* ، وان يتعامل مع الهند *بسياسة الإحتواء* ، ومع الصين ، *بسياسة المواجهة الناعمة* ، مع الضرب تحت الحزام بين فينة واخري ..
ثانياً .. *مشاكل الدين الامريكي* والذي تجاوز ال37 ترليون دولار ، منها 10 ترليون دولار واجبة السداد في العام الجاري ، وهو اعقد ملف يواجهه ترامب ، واكبر تحدي يواجهه الاقتصاد العالمي ..
ثالثاِ .. *مجموعة بريكس وعملتها المقترحة* ، إضافة الي نظام تسوية الدفعيات الوقتية الذي ابتدعته الصين لسداد الصفقات التجارية بين البنوك المنضوية تحته ، مضافاً اليه تسهيلات الدفوعات المالية التي تقدمها الصين للدول الاخري عبر تسوية ميزانها التجاري معها باليوان وليس الدولار ، خاصة تجارة النفط ، وذلك مدعوماً بنجاح تجربتها مع فنزويلا ، وما تمثله هذه الخطوة الجريئة من *تهديد وتأثير سلبي علي الدولار ، وفقدانه لميزته الايجابية ، باعتباره مخزن قيمة مصمونة* ، فوجود *عملة اخري* مع *أثار الدين الامريكي العام السالبة* سوف يؤدي بالتأكيد لتآكل قيمته ، مما يعني فقدان الدول لثرواتها ، وهذا ما نراه اليوم في السعي المحموم للتخلص من سندات الخزانة الامريكية ، المعروضة اليوم بسعر الاساس ، ولكن لا تجد من يشتربها (صندوق ادرة الاصول السيادية النرويجية) ..!
هذا يعني ان امريكا ما زالت تبتز العالم بعملة في قيمتها الحقيقبة ، لا تساوي قيمة الورق الذي طبعت عليه ، وهو امر سوف يكشفه اول تخلف امريكي عن سداد ديونها الخارجية ، او ان نشهد بزوغ عملة تسحب البساط من تحت اقدام الدولار الامريكي ..
لهذا تلعب امريكا لعبة خطرة في الجانب الاخر المعتم ، وتقود مغامرة غير محسوبة النتائج ، ألا وهي الدفع باسعار الذهب الي مستويات عالية بحكم انها صاحبة اكبر إحتياطي عالمي له ، ولكن اي زيادة في اسعاره سوف تنعكس سلباً علي عملتها ، مما يجعل الدولار ملجئاً غير آمن للثروات ..
ولكن الاخطر من ذلك ، هو تهديد عرش الدولار ، فهذه الاساطيل البحرية ، والقوي الجوفضائية ، واكثر من 800 قاعدة امريكية منتشرة علي الكرة الارضية ما وجِدت الا لحماية الدولار ، وان اي تهديد له سوف يقابل بالحسم اللازم ..
إن مجرد *إعلان السعودية نيتها وعدم ممانعتها عن بيع نفطها باليوان ، هو امر مرفوض تماما من جانب امريكا*، لانه يعني تقويض مباشر *لاتفاقية البترودولار التي عقدها كسينجر مع السعودبة* في العام 1974 ، (تسعير وبيع البترول بالدولار فقط) ، والتي مهدت لعهد سيطرة الدولار ، وما زالت مستمرة وفاعلة حتي اليوم ، وتمثل خط الدفاع الاخير عن الدولار ، وتربعه علي عرش العملات الدولية ، وهو امر سوف تعمل امريكا علي منع حدوثه تماماً ، حتي ولو إضطرت الي *احتلال منابع النفط في الخليج* ، وهو امر مدرج في حساباتها ، وياتي *ضمن خططها، وتُضعه ضمن خياراتها* ، لهذا تحتفظ *بأكبر قوة بحرية لها في هذه المنطقة* ..
وترامب والصقور الذين معه ، ممن يؤمنون فقط بمبدأ القوة لا يتورعون عن فعل أي شئ لتحقيق اهدافهم ..
*اما عن كيف*، فاتوقع ان يتم ذلك ضمن خطط امريكا لاعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ، والتي سوف تبدأ بشن حرب ضد ايران تشترك فيها إسرائيل (تم الاتفاق علي تفاصيلها بين ترامب ونتنياهو خلال زيارة الاخير قبل ايام لواشنطن) وذلك بوصف ان *إسرائيل ما هي الا دولة وظيفية امريكية ، وكلب حراسة للامبريالية ورأس المال الامريكي المتعدد* ..
وقد يتأخر الاعتداء على إيران قليلاً حتي *تتكشف نتائج الحراك الشعبي الايراني ، ومكاسب مظاهرات الشوارع* ، وهل ستقود الي *خلخلة النظام وإضعافه ، أم الي أسقاطه ، ام يقمعها النظام كسابقاتها ..؟*
وامريكا وإسرائيل تعلمان جيداً ، ان *اي تدخل منهما في الشأن الداخلي الايراني في هذا الوقت ، هو قبلة حياة للنظام الايراني المأزوم* ، لهذا ارسل نتنياهو ، عبر الرئيس بوتين ، رسالة الي الرئيس الايراني مفادها ، ان إسرائيل لا ترغب في التصعيد مع ايران حالياً ..
وما استطيع الجزم به ، ان هذه المنطقة سوف تشتعل عاجلاً ام آجلاً ، مع التأكيد بأن اي حرب تندلع في منطقة الخليج ، اي حول *مناطق النفط سوف تكون لها نتائج كارثية علي المنطقة* ، وسوف تكون قمة المأساة اذا لجأت إحدي الدول الي *استعمال السلاح النووي*، وهو امر لا يمكن إستبعاده ، بل ترجيحه ، ومخطئ من يظن ان النظام الإيراني سوف يستسلم بسهولة ، او انه لا يملك سلاحاً نووياً ، فهو نظام عقائدي يرتكز علي مبدأ الرجعة والامام الغائب ، ويؤمن قادته كما ترامب ، بحلول موعد قدوم المسيح ، او المهدي قائم آل البيت ، وان مهمة الحكومة الإيرانية ، كما صرح سابقاً الرئيس الايراني احمدي نجاد ، هي إعداد الدولة والقوة لمجئ قائم آل البيت ..
مع العلم بأن *اي تفجير نووي هو حكم بالاعدام علي الحياة في كل المنطقة بين ساحلي الخليج* ، الذي في اقله ، ستصاب مياهه *بالتلوث الاشعاعي النووي* ، مما يعني (اضافة للتدمير) عدم *صلاحية المنطقة للحياة* ، وهو ذات الامر الذي سوف ينطبق علي *نفطه الملوث* ، والبديل هنا هو النفط السوداني ، وهي اللحظة التي سوف يبدأ عندها (عصر السودان) ..
ان احتلال الجيش الامريكي لمنابع النفط ، سوف يجعل اكثر من نصف ايراد النفط العالمي اليومي في يد امريكا ، مما يرمي *بالهند والصين تحت رحمة امريكا ، او تحت الخنق النفطي الامريكي* علماً بان لدي امريكا خططاً جاهزة *لإحتلال المنطقة منذ الحظر النفطي* الذي فرضه العرب عليها عقب حرب أكتوبر 1973 ..
وقد هدد السياسيون الامريكيون بذلك مرارا ، ويكفي تصريح كولن باول وزير خارجبة امريكا عقب غزوهم للعراق بقوله : *لقد جئنا الي الخليج ، لنصحح خطأ الرب الذي جعل البترول في ارض العرب*) ..
وهنا لك ان تتخيل الصين والهند ودول اسيا الاخري وبعض دول اوروبا *بلا نفط* ..! ، وهو الامر الذي يضع العالم علي شفا الكارثة الكبري ، ويدفع بعدة اسئلة .. :
هل ستستكين دول الخليج للفعل الترامبي ، والرضا بتطبيق سيناريو فنزويلا عليها ، ام ستنتفض ضده وتقاومه؟
وهل ستقف دول مثل الصين والهند موقف المتفرج ام ستتدخل لحماية مصالحها ؟
علماً بان روسيا لن تتدخل إذا إنحصر الامر ضمن المنطقة ، ولان هذا الامر يخدم اقتصادها ربحاً بما تجنيه من ارتفاع كبير متوقع لأسعار النفط ..
بالتأكيد فالوضع اكثر تعقيداً مما ذكرت ، ولكنني اعيد القول مرة اخري بانه سيناريو قابل للتحقق ، فامريكا اليوم يقودها حفنة من اللصوص وعلي رأسهم مهرج مصاب بجنون العظمة ..
واثناء كتابتي لهذا المقال ، قرات ان امريكا قد وضعت يدها علي كميات ضخمة من الذهب التابع للحكومة الفنزويلية المخزن في بنك انجلترا ، وأنها بدأت في قرصنة كل سفن البترول التي تخرج من فنزويلا …
لهذا فأن النفط هو لعبة امريكا القادمة ، وهوايتها المفضلة ، فالتحكم فيه ، يعني *ازالة او تقليل المخاطر الصينية والهندية ، او علي الاقل اعاقة تقدمهما ، وإبطاء َنموهما* ..
ومرة اخري اقول قد يظن البعض ان هذا *السيناريو من الامور المستبعدة* ، ولكن لا شئ مستبعد عند ترامب وحوارييه ، فقد خبرناه وهو يغيير مسمي *وزارة الدفاع الي وزارة الحرب*، الامر الذي ينبئ بان هناك *تغييراً في العقيدة العسكرية الاَمريكبة ، وفي استراتيجياتها ، وتحريكاً لافعالها الساكنة* ..
وعايشناه وهو يقصف ايران ، ورأيناه يخطف مادورو من غرفة نومه ويسوقه الي امريكا لمحاكمته ، ويعلن في مؤتمر صحفي *الوصاية الكاملة علي فنزويلا* ، وبهدد الدول الاخري خاصة كوبا وكولومبيا والمكسيك والدنمارك ، ويقول هو ومساعدوه ان ما فعلوه سوف يكررونه في مناطق اخري من العالم ..
وسمعناه اليوم وهو يعلن نيته ضم *جزيرة جرين لاند* ، وهو فعل سوف يؤدي الي *تفتيت الناتو* حسب ما ذكرته رئيسة وزراء الدنمارك والتي حذرت ترامب من ضم هذه الجزيرة التي تتبع للدنمارك بالقوة ، وللعلم فالجزيرة تعتبر مخزناً لاكبر احتياطي من المعادن النادرة في العالم ، إضافة الي كميات ضخمة جداً وغير مستغلة من البترول والغاز ، ولا اظن ان ترامب سوف يستمع الي مناشدتها ، وربما يغزوها ويضع يده عليها قبل ايران ، فالأخبار تتحدث عن تحريكه لقوات ضخمة جدا حطت في خمس قواعد امربكية في بريطانيا ، وواضح ان هؤلاء القوم لا حدود لاطماعهم ، ولا اظن ان الدنمارك لديها فرصة للمواجهة ، فقط عليها الانصياع للأمر الواقع ، والدخول في مفاوضات لإنهاء هذا الامر ..
كما شاهدناه من قبل ، وتحت التهديد يطرد الشركات الصينية من قناة بنما ويستعيد ادارتها ، وبهدد
بضم *كندا* …
لهذا لا يجب استبعاد اي فعل مهما رأيناه عير منطقي ، او غير قانوني او غير انساني ، فهذا الرجل يؤمن بالقوة فقط ، وهو يتعبد *بالثالوث المقدس* لديه (*النفط ، الدولار القوي ، المعادن النادرة*) ، ارجو مراجعة مقالي (بماذا تتغذي الوحوش الثلاثة امريكا ، الصين ، روسيا)..؟
إن سير الاحداث في الايام القادمة سوف تتحكم فيه عدة عوامل اهمها ..
… *صمود النظام الفنزويلي* وقيام تحرك شعبي رافض لاي اجراءات او ادارة سوف يحاول ترامب فرضها علي الحكومة والشعب الفنزويلي ، مع توقعي بان يقوم الجيش الأمريكي بتشديد الحصار عليها ..
… انتظام الداخل الامريكي في حراك شعبي رافض ، مناهض لسياساته ، يمتد الي الشارع ، وصعود حركات تطالب بعزله ومحاكمته مع مجموعته ، وذلك عبر جهود تهدد وحدة الدولة الأمريكية ، عبر الصراعات العرقية والطبقية ..
… تحرك دولي مناوئ للترامبية ومخططاتها ..
وإلا فسوف يستمر في مخططه ، مهدداً وغازياً ، ومتدخلاً في شئون الجميع ، فارضاً نفسه علي الكل بقوة السلاح مع تخاذل الجميع …


