وحدة القوى المدنية في ميزان المسؤولية والخيانة الوطنية
تكتسب، وحدة القوى المدنية بكتلة واحدة تاريخية، والوحدة الداخلية لأي كيان مدني، أهمية ذات أولوية تتقدم على وقف الحرب وليس العكس كما يصر قادة صمود الآن. توجيه كل الطاقات لقيام كتلة مدنية واحدة الآن هو شرط أخلاقي قبل أن يكون مسؤولية، وهو أيضًا اختبار لمصداقية قادة قحت. وهو وحده الدليل المقنع للشعب وللمشفقين على السودان بالخارج، خاصة الذين يراهنون على التحول المدني الديمقراطي، أن الإرادة الوطنية المدنية تعافت واتعظت من فشل قحت الذي أدى لسقوط الانتقال وتبدد كل الرهانات الدولية الكريمة التي عُقدت عليها، وأنها الآن أكثر نضجًا وكفاءة للمراهنة عليها مجددًا في قيادة مرحلة بناء الدولة وتوحيد الوطن ومواجهة آثار الحرب المدمرة.
انتظر العالم والفاعلون في الإقليم كثيرًا قيام كتلة مدنية ولن يطول انتظارهم، وسيذهبون لفرض مشروع وقف الحرب مع حاملي السلاح، في ظل ضغط الأوضاع الإنسانية وتهديد أوضاع السودان للأمن الإقليمي والدولي. تتوهم القوى المدنية، حتى وهي في حالها البائس الراهن، أن يُراهن عليها الفاعلون بالإقليم والعالم. وما زالت مجموعة قحت الصغيرة، لا تقوى على تجاوز مشروعها الشللي الخاص، والوطن يمر بأسوأ الظروف.
نظريًا بالسودان الآن مشروعان للحكم: مشروع للدولة المدنية القابلة للتطور حسب شروط العصر تسنده إرادة مدنية، ومشروع سلطوي مفروض بقوة السلاح. وأكبر محفز للحرب الحالية هو الفراغ السياسي بسبب الانقسام المدني. يتكرر في الكتابات عن الشأن السوداني (كتّاب وباحثين أجانب وسودانيين)، التحذير من استمرار غياب الكتلة المدنية الموحدة، باعتبار أن غيابها، يمثل الوقود الحقيقي لاستمرار الحرب، وهو الذريعة التي تتكئ عليها قوى العنف لتقديم نفسها كـ«أمر واقع» لا بديل عنه. ولذلك يركز أصحاب المشاريع المسلحة، على رصد وتقديم الجرائم والانتهاكات في الحرب، وربما ينفذوها هم، لإقناع التدخل الدولي بضرورة تمكينهم كمنقذين للموقف، برغم شراكتهما في جريمة الحرب ومآلاتها.
الأمر الواضح والجلي لكل صاحب عقل وأقل درجات الوعي السياسي، أن الفراغ السياسي، لا توازن السلاح وحده هو ما يطيل أمد هذه الحرب. ولذلك فإن كلفة الحرب الأخلاقية لا تتحملها أطراف الحرب وحدها، وإنما تتحملها أيضًا القوى المدنية، وخاصة قحت، لتقاعسها عن تحمل المسؤولية التاريخية في توفيق أوضاعها، ولعدم تنازل قادتها عن أوهام الزعامة، وفتح المجال لتكوين كتلة مدنية، تتناسب مع تحديات المرحلة الراهنة والمأمول منها في إنجاز عبور وطني تاريخي، يؤسس لوطن موحد، ودولة مدنية حديثة، ونظام ديمقراطي مستقر وقادر على الصمود.
عندما تفككت قحت وتفرقت مكوناتها تآكلت ثقة الشعب فيها، وقدم ذلك المبرر السياسي لاستفراد الجيش وكل معاونيه المسلحين بالسلطة. استغل الانقلابيون غياب الوحدة المدنية المؤهلة، في صناعة مظلة واسعة لشرعنة انقلابهم، وشرعنة الحرب، وتخوين المدنيين، ووصم تجربة حكمهم، بالعجز، ثم وصم نشاطهم الآن في الخارج بالخيانة، ووجد هذا صدى بين قطاعات الشعب، في ظل ما يواجهه المواطن من قهر السلاح المشحون بزخائر سياسية مسمومة.
تجمع التحليلات السياسية الجادة على أن اللحظة الوطنية الراهنة ليست لحظة سجالات برامجية ولا سباقات زعامة، بل لحظة حدٍّ وطني أدنى يتمثل في: وحدة القوى المدنية في كتلة تاريخية واحدة كأهم شرط في شروط وقف الحرب.
ظلت فئة صغيرة، معروفة الأسماء، تصر على عرقلة توحيد الكتلة المدنية وما زالت تتوهم احتكار التمثيل المدني، وتدّعي الشرعية دون تفويض شعبي. الواقع، تم اختيار أعضاء قحت كممثلين لمكوناتهم، في ظل ظرف استثنائي، ووفق تكاليف محددة. ولم تكن كيانًا منتخبًا. وفشلت في المهمة واختلفت وتقسمت، لكنها بدل إرجاع أمانة التكليف لمن كانت تمثلهم، حوّلت الفشل لامتياز دائم عبر الإقصاء، ورفض أي صيغة وحدوية لا تُبقيها في الصدارة.
هذا السلوك الاحتكاري، (بتوهّم الزعامة وتخوين المختلف)، لم يعرقل الإجماع الوطني فحسب، بل قدّم لأطراف الحرب أفضل محفز لمواصلة الحرب كرهان ناجح للانفراد بالسلطة في ظل استمرار الانقسام وغياب البديل المدني الموثوق.
توحيد الصف المدني، كما تؤكد الكتابات الرصينة والمناشدات المتواترة للعديد من الوطنيين، يعيد تعريف الصراع جذريًا: من حرب بنادق على السلطة، إلى معركة دولة حول شكل الحكم ومستقبل البلاد. وهو ما يمنح الشعب عنوانًا سياسيًا واضحًا، ويحفزه للالتفاف والتماسك، ثم الاندفاع لاستعادة الشرعية الوطنية، ويجفّف مصادر شرعنة الحرب بسقوط ذريعة «غياب البديل».
فقط،
عندما يتم إنجاز الكتلة المدنية، يتراجع تسويق الاستبداد، ويُفتح الطريق أمام دعم دولي مشروط بالديمقراطية، كما يرد بثنايا تحليلات وبيانات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي: أن وحدة الإرادة المدنية في شكل جبهة مدنية واحدة، وفق برنامج حدٍّ أدنى، هو شرط لأي مسار سياسي ناجح وجدير بالدعم الدولي والإقليمي الآن، وشرط لأي دعم اقتصادي وسياسي إقليمي ودولي لاحق.
الأهمية الأبعد للوحدة المدنية أنها تحمي وحدة السودان الاجتماعية والجغرافية، فغياب المشروع المدني الجامع يفتح الباب لعسكرة الهويات الوطنية ولتفكك المناطق، ويقدم المشروعية لمشاريع التقسيم الزاحف. لذلك تُجمع الكتابات الأجنبية حول الشأن السوداني على أن تأخير الوحدة المدنية العريضة، لا يُقرأ كخلاف مشروع، مهما كانت المبررات، بل كإسهام موضوعي في إطالة الحرب وتعميق الانهيار الوطني.
الخلاصة واضحة ولا تحتمل المواربة: أن توحيد القوى المدنية واجب وطني عاجل، وهو الشرط الأهم لتوحيد إرادة الشعب، في مواجهة الأجندة المفروضة بالسلاح. وكل من يعرقله اليوم، مهما كانت لافتته، يُجرم بحق الشعب ويخون الوطن ويتدابر مع كل الشعارات التي يرفعها، ويتحمل مسؤولية أخلاقية عالية الكلفة، ويُسهم في استمرار الحرب واستمرار الخراب والانقسام. التحدي الآن واضح: إما الوحدة الآن، بلا أوهام زعامة ولا احتكار تمثيل، أو خسارة الوطن بأكمله.


