الخميس - 25 شعبان 1447 هـ , 12 فبراير 2026 م

“صمود” يبحث مع “الآلية الخماسية” في أديس أبابا خارطة طريق لوقف الحرب في السودان

القرآن الكريم واللهجة العامية السودانية

القرآن الكريم واللهجة العامية السودانية
محجوب إبراهيم الخليفة


▪️القرآن الكريم كتاب هداية، غير أنّه في الوقت ذاته كتاب لغة، وكتاب ذاكرة حضارية عميقة. من يتأمل نسيجه اللغوي بعيدًا عن القوالب المدرسية الصارمة، يدرك أن ألفاظه تنتمي إلى عربية حيّة، سابقة على التقعيد، متحررة من الجمود، متصلة بالسمع اليومي أكثر من اتصالها بالتصنيف النظري. هذه العربية ما زالت تتردد في لهجات بعينها، وفي مقدمتها اللهجة السودانية التي احتفظت بقدر لافت من الألفاظ القرآنية في استعمالها اليومي العفوي، حتى لحظة كتابة هذه السطور.
▪️الفكرة الجوهرية هنا لا تتعلق بنسبة القرآن إلى لهجة معاصرة، وإنما تتعلق ببقاء ألفاظ عربية قديمة، نزل بها القرآن، حيّة في اللسان السوداني، بينما غابت أو تبدّلت في لهجات عربية أخرى بفعل التحضر المتسارع والقطيعة مع البدايات اللغوية الأولى.
العربية التي نزل بها القرآن لم تكن عربية المعاجم المتأخرة ولا عربية النحو المنضبط بالقواعد المدرسية، بل عربية القبائل، والأسواق، والبوادي، والممرات الجنوبية المفتوحة على إفريقيا وشرقها. لغة ذات كثافة دلالية عالية، قليلة الحشو، مباشرة، تعتمد على السماع والتداول. لهذا واجه بعض كبار الصحابة ألفاظًا قرآنية توقفوا عندها، لا جهلًا بالعربية، بل لأن العربية نفسها كانت متعددة الألسن.
في هذا السياق، يروى عن الإمام الشافعي – بمعناه المشهور في كتب اللغة – أنه أقرّ بوجود ألفاظ في القرآن لا تعرفها كل العرب، وأن بعض تلك الألفاظ تُعرف في ألسنة بعيدة عن المركز القرشي. هذا الإقرار المبكر يؤسس لفهم علمي متزن: تنوع اللسان العربي حقيقة قرآنية، لا شذوذ لغوي.
▪️من هذا الباب تتجلى اللهجة السودانية بوصفها وعاءً حافظًا لألفاظ قرآنية كثيرة، ما زالت تُقال بلا تكلّف. فالسوداني يقول: زح يزح بمعنى ابتعد وتنحَّ، وهي ذاتها المادة اللغوية الواردة في قوله تعالى:- (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ) وقد نصّ ابن منظور في لسان العرب على أن الزحّ أصل في الإبعاد والدفع.
▪️ويقول السوداني.. الشهر طلع، قاصدًا القمر، في تطابق لافت مع الاستعمال القرآني :-
(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
حيث فسّر أهل اللغة الشهر بالقمر لشهرته وظهوره، لا لمجرد العدّ الزمني.
▪️ويمضي اللسان السوداني في استعمال كلمة الحول للدلالة على السنة الكاملة، كما في الموروث الشعبي.. يمر الحول والحول بزول، وهو ذات المعنى القرآني الدقيق في قوله تعالى:
(حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)
▪️دلالة زمنية محكمة، لا تقبل اللبس.وفي المطبخ اليومي، يقول السوداني: اغرف الملاح، في انسجام كامل مع التعبير القرآني:
(إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)
فالفعل ما زال حيًا، والدلالة ثابتة، والاستعمال لم يتغير.
▪️ويصف اللون الزاهي بقولهم: فاقع، وهو التعبير القرآني نفسه في وصف البقرة:- (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا)
▪️دقة وصفية لا تعرف التراخي.
وتقال في السودان عبارة المال ده ممحوق للدلالة على ذهاب البركة، في تطابق تام مع قوله تعالى:
(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) حيث المحق ذهاب الشيء واستئصاله معنويًا قبل أن يكون ماديًا.
▪️ويُوصف الشعر أو القطن بـ المنفوش، وهي الصورة البلاغية ذاتها في قوله تعالى:- (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)
صورة حسية مألوفة في البيئة السودانية، أقرب للفهم من أي شرح لغوي مطوّل.
▪️وتُستعمل كلمة نقر للدلالة على الإلحاح أو المضايقة اللفظية، في انسجام دلالي مع قوله تعالى:
(فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ)
حيث أصل المعنى صوت شديد يلفت الانتباه ويقطع السكون.
ويقول السوداني: ما تنبزني أي لا تشتم ولا تُطلق لقبًا مؤذيًا، وهو ذات التحذير القرآني:-
(وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)
▪️ويستعمل فعل يلقف للأخذ السريع، وقد يُستعمل مجازًا للأكل، وهو المعنى القرآني ذاته في قوله تعالى :-
(تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)
أخذ حاسم، بلا تردّد.
▪️وتبقى كلمة نعلين متداولة كما وردت، دون تصريف أو تغيير، في تماهٍ لغوي نادر :-
(اخْلَعْ نَعْلَيْكَ)
ومن أعمق الألفاظ دلالة كلمة يم، الواردة في قصة موسى عليه السلام:- (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)
هذه الكلمة ما زالت حيّة في لغات شرق السودان، وبخاصة اللغة البيجاوية، حيث تعني الماء مطلقًا، سواء أكان بحرًا أو نهرًا أو موردًا موسميًا. وقد أشار الطبري والقرطبي إلى أن اليم اسم للماء الكثير، دون تخصيص، وهو ما ينسجم مع هذا الاستعمال الإفريقي القديم أكثر من انسجامه مع التحديدات المتأخرة.
▪️وفي سياق تنوع الألسنة العربية، ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقّف عند قوله تعالى:-
(وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)
وقال: عرفنا الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم قال:- إن هذا لهو التكلف.
والأبّ في لغة العرب المرعى، وقد بيّن أهل اللغة ذلك لاحقًا. توقف عمر هنا يرسّخ قاعدة علمية راسخة: تنوع العربية أوسع من لسان قبيلة واحدة، والقرآن استوعب هذا الاتساع.
▪️الخلاصة تتبدّى بوضوح..اللهجة السودانية تمثل مخزنًا حيًا لألفاظ عربية قرآنية قديمة، بقيت على حالها بفعل الاستمرارية الثقافية والجغرافية، لا بفعل ادّعاء الامتياز. هذا البقاء يمنح الباحث نافذة نادرة لفهم العربية الأولى بوصفها لغة تُعاش، لا لغة تُحفَظ فقط.ولكن يبقى السؤال المهم كيف لسان من يجهلون القراءة والكتابة في ارياف السودان يتوافق بصورة مدهشة مع لغة القرآن..
ولعل محاولة البحث والتدقيق تذهب الى تأكيد ان السودان صاحب شجرة النسب البشري وان كل سكان الارض المعاصرين بمافيهم العرب يرجع موطنهم الاول هو السودان وليس اي بقعة اخري..
▪️ومن هذا المنطلق، يصبح الإصغاء إلى اللهجة السودانية فعلًا معرفيًا، لا مجرد استماع، لأنها تحتفظ بأصداء اللغة التي نزل بها القرآن، ما زالت تمشي على الأرض، وتتحدث في الأسواق، وتُغنّى في الذاكرة الشعبية.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور