رفاء عشم الله قوبريال… أم أنجبتها المكتبات وأنجبت أجيالا من النور

رفاء عشم الله قوبريال… أم أنجبتها المكتبات وأنجبت أجيالا من النور
  • 14 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

السمؤل محمد إبراهيم

لم يكن خبر رحيل البروفيسور رفاء عشم الله قوبريال خبرا عابرا في سجل الفقد، بل كان حدثا أليما في وجدان المشهد الأكاديمي السوداني، وخصوصا في حقل المكتبات والمعلومات الذي كانت بحق أحد أعمدته الراسخة وأعلامه المضيئة. برحيلها لا يطوى اسم أستاذة جامعية فحسب، بل يطوى فصل ناصع من فصول الريادة العلمية والتأسيس المعرفي في هذا التخصص الدقيق الذي أسهمت في ترسيخ دعائمه، وتأصيل مفاهيمه، وتحديث أدواته على مدى عقود من العطاء المتصل.
كانت الراحلة من القامات الأكاديمية التي تجاوز أثرها جدران قاعات الدرس إلى فضاءات التأثير الوطني؛ فقد تخرج على يديها أجيال من المتخصصين الذين يشغلون اليوم مواقع قيادية ومناصب رفيعة في مؤسسات المكتبات والمعلومات داخل السودان وخارجه، يحملون بصمتها العلمية، ويشهدون بفضلها التربوي، ويجسدون رؤيتها في الجمع بين المعرفة الرصينة والخلق الرفيع. لقد أسهمت في بناء الإنسان قبل بناء المنهج، وفي صناعة الكفاءات قبل منح الشهادات، حتى غدت سيرتها جزءا أصيلا من سيرة هذا التخصص في السودان.
وإذا كان لكل علم رواد ينسب إليهم فضله بعد الله، فإن اسم البروفيسور رفاء عشم الله قوبريال سيظل محفورا في ذاكرة المكتبات والمعلومات بوصفها علما من أعلامه، وصوتا من أصواته المؤسسة، وضميرا أكاديميا جمع بين الصرامة العلمية والإنسانية النبيلة. إن فقدها خسارة وطن بأكمله، وخسارة مجال كانت له ركنا متينا وسندا أمينا.
فكم أنا حزين اليوم، وكم أنا مكلوم، وأنا أتلقى نبأ *وفاة أستاذتي الغالية بقسم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب جامعة النيليين الدكتورة رفاء* ؛ كأن الخبر لم يمر على الأذن فحسب، بل مر على القلب فترك فيه فجوة لا يملؤها شيء. لم تكن الراحلة علما في مجال المكتبات والمعلومات فحسب، بل كانت إنسانة تمشي على الأرض بقلب أبيض، وخلق رفيع، وأثر طيب لا يمحى. كانت إذا دخلت مكانا أضاءته، وإذا تحدثت أنصت لها العلم قبل الآذان، وإذا ابتسمت شعرت أن الدنيا ما زالت بخير؛ برحيلها لا نفقد أستاذة فحسب، بل نفقد دفئا إنسانيا، ونفقد دعوة صادقة كانت تسبقنا في الغيب، ونفقد قلبا كان يتسع لطلابها كما تتسع الأم الرؤوم لأبنائها. كانت تصنع من طلابها حكايات نجاح، وتزرع فيهم الثقة حتى يزهروا علما وأدبا ومروءة.
لم تكن الدكتورة رفاء بالنسبة لي مجرد أستاذة علمتني في قاعة درس، بل كانت أختا كبرى إذا احتجت النصح، وأما رؤوما إذا ضاقت بي السبل. كانت ترى في ما لم أره في نفسي وتدفعني دفعا إلى النبوغ والتميز، وتغرس في روحي الثقة كما تغرس البذرة في أرض طيبة. (كم كانت تشير إلي أمام زملائي وأساتذتي بسبابتها قائلة بفخر أمومي صادق : شوفتو الولد السمح الشاطر داك؟ ولدي) كانت كلماتها تلك وساما على صدري، ومسؤولية أحملها لأكون كما أرادت لي دائما. وعندما تخرجت من البكالوريوس، أصرت أن أعمل معها بالمركز القومي للبحوث، وأن أقبل التعيين كمساعد تدريس بقسم المكتبات والمعلومات بكليةالآداب قسم المكتبات. وحين أخبرتها بعزمي على السفر والاغتراب خلال ستة أشهر، أبت إلا أن أعمل معها خلال تلك الفترة متعاونا بالمركز القومي للبحوث، حرصا منها على مستقبلي، وحتى أغادر وأنا أملك خبرة حقيقية. كانت تلك الأشهر من أجمل أيام عمري وعملي، تعلمت فيها منها الكثير، خصوصا في مجال تكنولوجيا المكتبات ونظم المعلومات، حتى جئت إلى المملكة وكأنني أملك خبرة سنوات طوال لا مجرد شهور. لقد كانت ترى أبعد مما نرى، وتبني لنا الغد ونحن لا ندرك. وفي آخر يوم عمل لي بالمركز، فاجأتني بحفل وداع كريم. قلت لها : «ليه يا دكتورة التعب دا؟» فأجابت بابتسامتها اللطيفة الوديعة التي لا تنسى : «في أم بتتعب في خدمة ولدها؟ إنت يا سمؤل ولدي… خليك عارف الكلام دا.» تلك العبارة ستبقى حية في قلبي ما حييت.
ولم تنقطع صلتها بي بعد سفري؛ فكلما جاءت إلى الرياض لحضور مؤتمر للمكتبات، زارتني في بيتي المتواضع، تمكث أياما، تمازح أطفالي قائلة لهم : «أبوكم دا أنا أمه… ما كلمكم!» ثم تلتفت إليهم بفخر : «إنتو شاطرين زي ولدي.»؛ فيستغرب أولادي ويسألونني ببراءتهم الجميلة : كيف انت عندك أمان؛ يقصدون أمي التي ولدتني وربتني، فأقع في فخ الشرح الذي لا احبه، فأنا بطبعي لا أحب الإطالة في التفسير، ولا أُحسن تفكيك المشاعر بالكلمات. أبتسم لهم وأختصر الحكاية كلها في جملة بسيطة أقولها بيقين لا يتزحزح : حبوبة ديك أمي الولدتني… ودي أمي الدرستني في الجامعة.
واحدة حملتني في رحمها، وأخرى حملتني في قلبها. واحدة أرضعتني اللبن، وأخرى أرضعتني الثقة والعلم. واحدة سهرت على طفولتي، وأخرى سهرت على مستقبلي. أمي الأولى منحتني الحياة والدين والادب والاحترام، وأمي الثانية علمتني كيف أعيشها بكرامة ومعرفة. فلا عجب أن يكون للإنسان أمان أم تهبه الجسد، وأم تهبه المعنى. وهكذا أتركهم يتأملون، وأترك للكلمات أن تسكت، فبعض العلاقات لا تشرح… بل تحس.
كانت الدكتورة رفاء روحا دافئة تدخل البيت فتملؤه نورا ومحبة. إني أعزي نفسي، وأعزي الزملاء بالمركز القومي للبحوث، وزملاء قسم المكتبات والمعلومات، وجميع طلابها الذين نهلوا من علمها وأدبها. وأخص بالعزاء الدكتور أحمد بابكر، والدكتور نصر الدين، والدكتور إيهاب، والدكتورة نجاة ويليام؛ وكل من عرفها قريبا أو بعيدا.
وأسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعل علمها الذي بثته فينا صدقة جارية، وأن يكون كل طالب نافع تخرج على يديها نورا في قبرها، وأن يجزيها عنا خير الجزاء. لقد كانت صاحبة أخلاق فاضلة، كريمة اليد واللسان، عفيفة النفس، نقية السريرة، تمشي بين الناس بخلق رفيع وعلم راسخ وقلب كبير.
رحمك الله يا دكتورة رفاء رحمة واسعة، وجعل مقامك عنده مقام مغفرة ورحمة، وجمعنا بك في مستقر رحمته كما جمعتنا في الدنيا على العلم والمودة والإنسانية.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*