في زمن الحروب ، يعتبر الفاسد ، مهما كان موقعه ، خائناً لوطنه ، عقوبته واحدة بلا خيار آخر ، وهي الإعدام ..
محاربة الفساد تحتاج الي وعي وطني ودعم شعبي ومنظومة عدلية متكاملة …
هناك طُرفة يتم تداولها في إحدي الدول العربية التي انتشر فيها الفساد ، وتحكي عن كيف يعمل الفساد كمنظومة تستطيع تطويع القوانين وتتجاوزها ، خاصة إذا ضعفت العقوبة ، تقول الطرفة :
إن الدولة قررت وضع كاميرات مراقبة في المكاتب الحكومية ، حتي تضبط حالات الرشوة التي يتلقاها الموظفون ، وكان هناك أحد المتعاملين مع جهة حكومية معينة إعتاد أن يعطي الموظف المسئول مائة جنيه ، في كل مرة يأتي لقضاء معاملته المطلوبة ، وفي أحد المرات أخرج المائة جنيه ، فإذا بالموظف يزجره ويطلب منه الخروج من المكتب ، وبعد خروجه لحق به الموظف وأخبره بالتطورات عندهم ، وأنهم مراقبون بالكاميرات ، وطلب منه مائتي جنيه ، ولكن صاحب المعاملة إحتج قائلاً : إنه اعتاد دفع مائة جنيه فقط في كل مرة ، فما كان من الموظف المرتشي إلا أن قال له إن المائة جنيه الثانية ، هي نصيب موظف الكاميرا ..
هذا هو حال الفساد الذي أمسك بتلابيب البلد ، وحط بها إلى درك سحيق ، ونمي وصار غولاً إلتهم كل قيمة إيجابية موروثة ، وخرّب كل ذمة ودين وخلق قويّم ، وأصبح منظومة تتحكم في عمل الدولة في جميع مستوياتها ، بل تطور الامر حتي صارت الرشوة حق أصيل للموظف لا مجادلة فيه ، بل يتم تحصيلها تحت بصر الجميع ورضاهم ، وهي اخر مراحل الانهيار ، لان ممارسات الفساد قد تم تطبيعها ، وصارت مثل الدمغة القانونية ، اذا لم توضع على الطلب ، فلن يمرر ، لانه غير مستوفي الشروط …
وتطور وصار لكل مسئول عصابة من السماسرة والبطانة الفاسدة تعمل معه ، تخطط له الجريمة وتمهد لفساده وتحصل له العائد المطلوب ..
وهنا يستحضرني قول احد الاخوة الصادقين ، عن الفساد في مدينة الدويم ، قال لي بعد ان اقسم بالله انها أفسد مكان في العالم ، من ناحية الأداء الحكومي ، قال :
توجد في مدينة الدوبم شجرتان مشهورتان جداً ، احداهما شجرة جدنا العارف بالله الشيخ سلمان ود العوضية ، وهي الشجرة الطيبة ، والاخري شجرة المحلية وهي الشجرة الخبيثة ، التي يجتمع تحتها الفاسدون المفسدون ، الذين ندر ان يفلت من حبائلهم مسؤول ، فما أتي مسؤول جديد الا واحاطوا به كالسوار بالمعصم ، وبدأت الذبائح والدعوات وخلافه ، اي عملية التطبيع والتطويع ، ولا يحتاج الامر كثير عناء ، لانه في الاصل قد استلم تقريراً مفصلاً من سلفه ، حاوياً عنهم وربما يتم الاستلام قبل سفر المسؤول المغادر ، فذهب فاسد وجاء١ فاسد إخر ، والمنظومة تعمل ، واضاف ساخراً ، من اراد ان يحارب الفساد في هذه المدينة ، او يبعد شبهته عنه ، فليبدأ بقطع هذه الشجرة الخبيثة وإجتثاثها من جذورها .
وللحقيقية هذا الفساد المستشري في جسد السودان ، هو ممارسة موروثة منذ زمن بعيد ، ولكنه للاسف تعاظم في زمن التمكين ، عندما كانت الانقاذ تبحث عن الكم وليس الكيف ، وكان ان تكاثر المنتفعون والهتيفة وعديمو الضمير واصحاب الإرب ، وتسلقوا حيطان السلطة ، التي كانت تقبل كل نطيحة ومتردية وموقوذة ، ولانهم بارعون في الفساد والافساد والتملق ، تمكنوا من مراكز القرار ، فآل الامر في كثير من المواقع الي الروبيضات رخيصي الثمن ، متدني القيم ، فأوحلوها في مستنقع الفساد ، وخسفوا بمشروعها سابع ارض ، ومن لا يري ذلك منهم ، فهو آما مغيب معذور ، او فاسد ممن وصله طرف الصوت ، او ممن اسكرته الفكرة حتي غاب عن رؤية مثالبها ، ولو رجع الي كلام شيخهم الاكبر لأعانه في تببّن الحق وتنكب دروبه ، وسدده في طريق الاصلاح ..
وصار الفساد هو المتحكم من مفاصل الدولة ، ولكنه في فترة الحرب شهد إنفجاراً عظيماً ، وقويت انيابه ، وإستطالت اظافره ، حتي جعلنا نتساءل ، هل هناك مسؤول غير فاسد في هذه البلاد ، التي كان رأسمال مواطنها هو الامانة والشرف ..؟ !!
والشئ المؤسف انه فساد محمي ، ومنتشر في كل المرافق الحكومية ، المدنية منها والعسكرية بلا استثناء ، وهو فساد لم تستطع مساعي بعض كبار المسئولين في تغطيته بالزجر والتهديد ، او إخفائه بنكران هزيل ، يجعل فاعله شريكاً في الجريمة ، فإن إنتشار الرائحة النتنة تقودك الي مكان الجيفة المنتفخة ، وتدل عليها ..
وقد انتشر الفساد اليوم وتمدد ، حتي صار خطراً يهدد المجتمع بالإنهيار ، والفاسد لا ضمير له يوجه ، ولا دين يردع ، ولا خلق يكبح ، ومن باع دينه وخلقه وضميره ، سيبيع وطنه متي ما وجد الفرصة لذلك ، وبهذا فلا حق له في العيش في وطن يخونه ويدمره ..
ولا مجال لوقف هذا السرطان المتفشي الا بالبتر الكامل ، واري انه جرم يجب ان لا تتعدد عقوباته تدرجاً ، وإنما تكون له عقوبة واحدة وهي الاعدام والمصادرة ، مع اصدار قانون ناجزٍ خاص به ، يسمي قانون حماية الوطن من المفسدين ..
وان يعمل هذا القانون وفق منظومة متكاملة مخصوصة تسمي نيابة وشرطة مكافحة الفساد ، يتم إختيار افرادها بعناية ، حتي لا تصبح مثل مسؤول الكاميرا في الطرفة اعلاه ، مع اصدار قانون موازي لمراجعة كل السرقات والممارسات الفاسدة وشبهات الاغتناء والتكسب من المنصب وغيرها للفترة السابقة ، خاصة فترة الحرب ..
فلا يستقيم عدلاً ان يموت الشرفاء من ابناء الوطن في ساحات الحرب دفاعاً عنه ، ويتنعم اللصوص بخيراته سطوة ونهباً وسرقة ..؟
… اعدموا كل فاسد ، فلن تجدوا من يتأسف عليه ولو تعاطفاً ، او حتي من يدعو له بالرحمة ، بل سوف تطارده اللعنات والعار والإرث المُعيب ..
إن البلد مقبلُُ علي سلام واستقرار ، وما سوف يستتبعه ذلك من استثمار متعاظم يفوق التوقعات ، ولكن مع تفشي الفساد وتحكم دهاقنته في كل المناحي ، فسوف يتم بيع الوطن ، وسوف تُسلب سيادته ويرتهن قراره ، وسوف يجد المواطن نفسه غريباً في بلده ، والمزارع أجيراً في ارضه ، لهذا إجتثوهم قبل ان يغدروا بالوطن ويبيعوه للاخرين ، او ان يهرب الَستثمرون بأموالهم بعد ان يحاصرهم المفسدون ..
… اقيلوا وحاكموا كل من طالته شبهة فساد..
… إسترجعوا كل ما نهبوه ، وكل ما اكتنزوه من مال ، ولو اودعوه باطن الارض ، او علقوه علي صدور نسائهم ذهباً مخضوباً بدم الضحايا ، ومجمراً بقوت الغلابة ..
… شهروا بكل فاسد مرتشي مهما كان منصبه ، ومهما كان نفوذه وقوته ، فالحق اقوي منه ، والشعب فوق نفوذه ..
… أنشأوا لجاناً شعبية وطنية ، العمل فيها تطوعي بلا مقابل ، تراقب المفسدين ، وتُملِك ما لديها من معلومات عنهم الي الاجهزة المختصة ، وتتابع قضاياهم ، وتراقب اداء هذه الاجهزة ، حتي يتم إقتلاع كل (شجرة محلية الدويم الخبيثة) في اي موقع كان …
ان المواطن السوداني ليس لديه ما يخسره ، بعد ان فقد العيش الكريم ، وهجر بيته وصار نازحاً ، وفقد القريب ، وتبدد المال وما يملك ، فليس لديه ما يخاف عليه ، ولا اظنه ياسف لموت فاسد ، بل هذا مما يسعده ، وأليست هذه الحرب نفسها هي منتوج فساد متعاظم ..!!؟
والله لو كان الامر بيدي لاغلقت السجون ، ولإستحدثت عقوبتين ، الاولي (خدمة المجتمع) للجنح الصغيرة ، والثانية الاعدام لما عداها من جرائم ، من فساد وسرقة وسطو ونصب وغش ووساطة واستغلال نفوذ وإحتيال الخ ..
هذا وطن نازف ، وما زال ينزف بأيدي ابنائه من الفاسدين ، ولن يقف هذا النزيف الا ببترهم ، ليس بقطع أيديهم ، ولكن بقطع رقابهم ، صدقوني ان المجرم لا يرتكب جربمته الا مع قانون متساهل ، رخو ، مماطل ، كثير الثغرات ، ولكن مع قانون باتر فسوف يفكر الحقير الف مرة قبل ارتكاب جربمته ..
طبقوا هذا الامر لمدة ستة اشهر ، فسوف ينعدل الحال ، وتنصلح الامور ، وتتعافي الخدمة المدنية والعسكرية وغيرهما ، الا اذا كنتم انتم رعاة الفساد الحقيقيين الساترين له، الوالغين فيه ..!!
كلمة اخيرة ، الي شباب وابناء هذا الوطن ، خذوا المبادرة بأيديكم ، كونوا هيئاتكم لكشف الفساد وملاحقة المفسدين ، راقبوهم ، ضيقوا عليهم الارض بما رحبت ، انصبوا لهم الشراك والكمائن ، ووثقوا جرائمهم ، افضحوهم علي الوسائط الاعلامية ، طاردوهم حيثما كانوا ، لا تتستروا علي افعالهم ولو كانوا من الاقربين ، وتدرعوا بقوله تعالي (إن الله لا يحب المفسدين) فهؤلاء قد أفسدوا وفرحوا بما نالوه من الفساد جوراً ..
(ان الله لا يحب الخائنين / ان الله لا يحب كل خوان كفور) ، فهؤلا قد خانوا الامانة ، وخانوا الثقة وخانوا بلدهم وشعبهم ..
(إن الله لا يحب الظالمين) ، فقد ظلموا الناس ، وأكلوا اموالهم وحقوقهم بالباطل ..
(إن الله لا يحب المعتدين) فقد اعتدوا علي حق ليس بحقهم ..
وتذكروا ان الفساد ليس قدراً محتوماً ، ولكنه فعل إختياري من كسب البشر (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ..) …
وكلمة اختم بها زفراتي ، واشكو بها بثي وحزني علي هذا الوطن الجريح ، الي الرئيس البرهان ، ولو من باب بصيص الامل قبل الافول ، واقول :
لقد قص علينا القران في تصوير بديع ، عن إمرأة طلبت من ابيها ان بستأجر شخصاً ، رأت فيه من الشهامة والرجولة والقوة والامانة ، وهي أمور بالتأكيد تستتبعها الحكمة وحسن التصرف قائلة ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
وذات القران يقص علينا قصة شخص اخر ، واثق من نفسه ، متمكن في خلقه ، صابر في محنته ، فبشره الحاكم بالعلو والتمكين ، بعد ان إستخلصه وإختاره لنفسه صاحباً ونديما ، فزكي نفسه علي تحمل مسؤولية ما يبرع فيه ، بعد ان قدم شهادات عملية استطاع ان ينقذ بها امة كاملة من الجوع والفناء ، وذلك بحسن الادارة وكمال التدبير ، قال تعالي علي لسان نبي الله بوسف :
قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
فالي متي تتغافل عن هؤلاءِ الضعفاء ، عديمي الكفاءة والقدرة ، وتبقيهم في مراكز القرار ..؟
وتذكر أن الله سائلك ، فإنها اليوم أمانة ويوم القيامة خزي وندامة ، وما دمت الحاكم الاوحد ، فأسلك طريق الصواب في ذلك ، وخذ لعزم ، وصحح الخطأ ..


