ليست الأمم بما تشيده من عمران فحسب، وإنما بما تحفظه من ذاكرة، وتصونه من تراث، وتورثه لأبنائها من هويةٍ تستعصي على النسيان. فإذا ضاعت الذاكرة، ضاع التاريخ، وإذا انقطع حبل التراث، انفرط عقد الأمة، وغدت كالغصن المقطوع عن جذوره؛ أخضر زمنا يسيرا، ثم لا يلبث أن يذبل ويموت.
ومن هذا الوعي العميق بقيمة التراث، وفي مشهد يفيض حبا للنوبة ووفاء لتاريخها، شهدت شياخة شدة المحس في اقصى شمال السودان، في السابع من يوليو، احتفاء باليوم النوبي العالمي، ذلك اليوم الذي ارتبط بالرقم (7)، لما لهذا الرقم من منزلة راسخة في الوجدان النوبي، حيث ظل، منذ أزمان بعيدة، رمزا للخير والبركة والعطاء، وحاضرا في كثير من العادات والموروثات التي تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل.
وفي هذا اليوم، لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة عابرة، بل كان استدعاءً لذاكرة حضارةٍ عريقة، وإعلانا بأن الأمم التي تعرف قدر ماضيها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها.
فقد افتتح الأستاذ الباحث النوبي محمد سليمان موسى في رحاب شياخة شدة، تلك القرية الوادعة التي تحتضن عبق التاريخ ودفء الأصالة معرضا تراثيا حمل اسم «معرض كوبد للتراث النوبي»، وهو معرض أُنجز بجهد فردي خالص وإمكانات شخصية محدودة، لكنه في قيمته ورسائله يضاهي أعمال المؤسسات الكبرى، ويجسد نموذجا نادرا للمبادرات الثقافية التي تنطلق من الإيمان العميق بالهوية والانتماء.
ولم يكن اختيار اسم «كوبد» اختيارا عابرا؛ بل جاء محملا بدلالة ثقافية ذكية؛ فكلمة «كوبد» في اللغة النوبية تعني «الباب»، وكأن صاحب المبادرة أراد لهذا المعرض أن يكون الباب الذي يعبر منه الزائر إلى عالم التراث النوبي، ومدخلا واسعا للتعرف على حضارة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، ما منح الاسم بعدا رمزيا عميقا يعكس رؤية صاحبه ووعيه بأهمية اللغة بوصفها أحد أهم أوعية الهوية.
ولقد جمع الباحث بين جنبات هذا المعرض شتات الذاكرة النوبية، فضم الأدوات المنزلية التي عاشت مع الإنسان النوبي تفاصيل يومه، والأدوات الزراعية التي شهدت كفاحه مع الأرض، والأزياء الرجالية والنسائية التي حفظت ذوقه وجماله، والمأكولات الشعبية التي اختزنت نكهة المكان، كما وثق طقوس الزواج، ومراسم استقبال المولود، وعادات المآتم، وغيرها من مفردات الحياة التي لا تقرأ في الكتب، وإنما تحكى بلغة الأشياء، وتؤوى بصمت المقتنيات، وتنبض في وجدان الشعوب أكثر مما تنبض في صفحات التاريخ.
ولم يكن هذا المعرض عرضا لقطعٍ أثرية صامتة، وإنما كان بعثا لذاكرة أمة، وإحياءً لروح حضارة، وصيحة في وجه النسيان، تقول إن التراث ليس حنينا إلى الماضي، بل هو القوة التي تمنح الحاضر معناه، وتصنع للمستقبل ملامحه. فكان عبارة مشروعا ثقافيا متكاملا يهدف إلى صون الذاكرة الجماعية، وربط الأجيال الجديدة بجذورها، وغرس الاعتزاز بالهوية في نفوس الشباب، في زمن تتسارع فيه التحولات وتواجه فيه الثقافات المحلية تحديات النسيان والاندثار.
وإذا كانت المؤسسات الثقافية تقاس بما تنجزه من مشروعات تحفظ الذاكرة الوطنية، فإن ما أنجزه الباحث محمد سليمان موسى يستحق أن ينظر إليه بوصفه مشروعا وطنيا قبل أن يكون مبادرة شخصية؛ لأنه أثبت أن الإيمان بالفكرة قد يعوض ضيق الإمكانات، وأن عزيمة الفرد قد تسبق إمكانات المؤسسات، وأن رجلا واحدا، إذا صدقت رسالته، يستطيع أن يحمل على عاتقه ما تعجز عن حمله جهات كثيرة.
كما اثبت المعرض ان الحضارة النوبية ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل هي واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية التي أسهمت في تشكيل تاريخ وادي النيل، ولا تزال أرض النوبة حتى اليوم تحتضن كنوزا أثرية لا تقدر بثمن، وتشهد على عظمة الإنسان النوبي وإبداعه عبر آلاف السنين. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تدرج مواقع أثرية نوبية عديدة في السودان ضمن قائمة التراث العالمي، اعترافا بقيمتها الإنسانية الاستثنائية، وبما تمثله من إرث حضاري يتجاوز حدود المكان والزمان، ويعد جزءا أصيلا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
لقد فتح «كوبد» بابه، لكنه في الحقيقة لم يفتح باب معرض فحسب، بل فتح بابا واسعا على التاريخ، وأعاد فتح نافذة تطل منها الأجيال الجديدة على ماضيها، لتدرك أن الحضارات لا تموت ما دام في أبنائها من يحرس ذاكرتها، ويصون تراثها، ويؤمن بأن الوفاء للأجداد هو أول الطريق إلى صناعة مستقبل يليق بالأحفاد.