غربا باتجاه الشرق

الى النائب المحترم: “الجاتك في مصداقيتك سامحتك”!

  • 04 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

مصطفى عبد العزيز البطل

(1)

بين تلال المواد الإخبارية التفصيلية التي راكمتها الصحف خلال اليومين الماضيين حول إجازة البرلمان تقرير لجنتي النقل والتشريع بشأن شركة كومون الاتنين الماضي، وقفت مطوّلا عند الحديث المنسوب الى عضو البرلمان الدكتور أمين حسن عمر والذي ادلى به في مرحلة المناقشات. إذ نقلت عدة صحف بصياغات متعددة ان الدكتور أمين (أبدى استغرابه ودهشته البالغة للاهتمام الكبير والمتعاظم الذي تحظى به شركة صغيرة مثل كومون). يا سيدي ما غريب إلا الشيطان!

غير أنني اتفهم تماما تصريح الدكتور أمين الذي أعلم أنه غارق دوماً في عوالم الفكر والفلسفة والثقافة والتأمل في ملكوت الله. وأمثال أمين تتوه عنهم أحيانا تفصيلات الحياة اليومية، عامها وخاصها!

(2)

يا دكتور أمين صحصح معانا. ألم تسمع بقصة” الباركينق” الشهيرة، عندما منع أحد موظفي شركة كومون نائباً في البرلمان من ركن سيارته امام صالة كبار الزوار فغضب الرجل غضبة مضرية، سارت بذكرها الركبان، وحلف برأس أبيه أن يؤدب اصحاب الشركة ويردعهم، وأن يجعل نهاراتهم أسود من الفحم  حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر. ومن يومها والسودان كله شعباً وحكومة وبرلمانا واعلاما قائمٌ وجالس وراء معركة النائب المحترم مع شركة كومون!

فكان كلما خبا وميضها ونساها الناس ابتأس النائب وركبه الهم واعتلاه الغم، وحزّ في نفسه ألا يبرّ بقسمه، فأخذ يكافح اليأس بأن يخرج مسدسه من جرابه، بين الفينة والاخرى، ويطلق عياراً باتجاه الشركة، عسى ان تصيب واحدا من اصحابها فيرتاح النائب ويشتفي قلبه وتبرد غلالات الشحناء في جوفه، وإلا فإن البركة في حكمة أحبابنا بشمال الوادي: (العيار اللي ما يصيبش يدوش)!

(3)

ولكن ها قد أظلنا يوم الحصحصة، فتمحّص أمر كومون أمام البرلمان أخيرا، وأعلنت الجهات الدستورية المختصة التي تفرغت زمناً للبحث والتقصي  في أكوام الاتهامات التي ما برح النائب يكيلها كيلاً، أعلنت قولاً واحدا بأنه لا سند لتلك الاتهامات البتة، وانها محض أكاذيب وخزعبلات!

وما فتئت اوراق الصحف وأثير القنوات الفضائية تترى خلال اليومين الماضيين بتفصيلات تقرير لجنتي النقل والتشريع في البرلمان وتقرير اللجنة التنفيذية التي سبق أن شكلتها رئاسة مجلس الوزراء، التي قطعت جميعها قول كل خطيب، ولم تترك للنائب المحترم ما يقول، فخرج من تحت قبة البرلمان مقهورا محسورا  ينعى كآبة المنظر وسوء المنقلب، بعد ان رأى الناس اجمعين وسمعوا كيف تضافرت تقارير الجهازين  التشريعي والتنفيذي على دحض مزاعم الرجل واتهاماته المكرورة التي صدّع بها الناس تصديعا، واحدةً واحدة، حتى لم يبق في قوس الافتراء منزع!

قال رئيس اللجنة البرلمانية أمام نواب الشعب: (تقارير جميع اللجان التي عكفت على مراجعة شركة كومون لم تجد أى قصور او خلل لا في العقود ولا في التنفيذ). ووصف وزير مجلس الوزراء الرواية التي ظل النائب يوزعها على الصحف بالمجان عن أن شركة كومون خرجت من الباب ثم دخلت المطار من النافذة تحت مسمى جديد بأنها وهمٌ لا نصيب له من الصحة، وان الشركة الجديدة التي تم التعاقد معها بوساطة وزارة الدفاع لا صلة لها بشركة كومون لا من قريب ولا من بعيد. وذهل كثيرون عند مراجعة اتهام النائب لشركة كومون بأنها قبضت تعويضا بلغ 400 مليار جنيه مرة و600 مليار في تصريح آخر، ثم اتضح للمحققين ان الدولة لم تدفع فلساً واحدا من هذا القبيل، وأن فكرة (التعويض) لم يكن لها وجود في الأصل، وأنه ليس هناك أساساً ثمة بند يحمل هذا العنوان!

(4)

هناك جانب آخر في هذه المسرحية التراجيكوميدية المرذولة المجللة بالعار، والتي تكشف عن جانب من اكثر الجوانب خزياً في تاريخ الحياة البرلمانية السودانية منذ الاستقلال. إذ أنه في علم المطلعين على دقائق هذا الملف أن النائب يعمل أجيراً لدى الشركة المنافسة لشركة كومون، بصفة مستشار قانوني، ويتلقى منها راتبا منتظما ومعلوما. وهي شركة لا تنافس شركة كومون فقط، بل تنازعها في بعض الأصعدة الادارية والقانونية.

وقد كتبنا من قبل عن شذوذ ذلك الأمر ومخالفته للقواعد الاخلاقية والأعراف المستقرة، وحذرنا مثنى وثلاث من تسخير نواب البرلمان لحصاناتهم وصلاحياتهم الدستورية وتوظيفها لأغراض تصفية الحسابات وتفعيل الأجندة الموتورة ضد الخصوم.

وشدّدنا على حتمية تجلية المعايير بحيث يتم اعتماد ضوابط عالية وشفافة في تأمين نزاهة الأداء التشريعي على نحو يصون البرلمان ويُسبغ عليه ما هو أهل له من قدسية واحترام، فيُحظر على أى نائب ان يستعين بسلطة البرلمان فيطوعها لرعاية مصالح مخدميه في القطاع الخاص، كما في الحالة التي بين أيدينا.

ولطالما نادينا في هذا المضمار بالتشبه بالكرام من برلمانات الدول المحترمة، وتبنى أعرافها العريقة وتشريعاتها الراسخة التي تضع من القيود والعقوبات أشدها وأقساها ردعاً ومنعاً لمثل تلك الممارسات الفاسدة التي تحط من أقدار البرلمانات وتذهب بهيبتها.

ولكن على من  تلقي مزاميرك يا داؤد!

mustafabatal@msn.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*