قصة اعتقالنا “27 صحفياً وصحفية”

  • 16 يناير 2019
  • لا توجد تعليقات

محمد المختار محمد

# تحركنا برفقة عدد من الزملاء الصحفيين من امام صحيفة الجريدة، قاصدين مقر إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات بشارع المك نمر، لتسليم مذكرة احتجاجية لمدير عام جهاز الأمن والمخابرات الفريق صلاح قوش، ضد العسف والقمع الذي يمارسه الأمن بالرقابة القبلية على جريدة “الجريدة”، ومنعها من الطباعة والمصادرات المتكررة عقب طباعة الصحيفة مباشرة من المطبعة.
# تمركزت بالقرب من الصحيفة سيارة شرطة مدججة بجنود يحملون اسلحة وهراوات وبنادق الغاز المسيل للدموع، مررنا بالقرب منها متجهين ناحية الشرق باتجاه شارع المك نمر، في تمام الساعة ال 12 ظهرا، وهو الموعد المضروب لتسليم المذكرة والوقفة الاحتجاجية الصامتة.

# بوصولنا إلى جادة شارع المك نمر بدأت بعض سيارات الأمن التي كانت تتمركز غرب الشارع وشرق بالتحرك حيث كانت تسد أكثر من ثلاث سيارات الشارع المؤدي إلى إدارة الإعلام بجهاز الأمن، الواقع خلف مركز “جوته” القديم، وكنت اسير أنا والزميل بهرام عبد المنعم، والكاتب الصحفي حيدر خير الله، وامامنا رئيس تحرير جريدة الجريدة الأستاذ أشرف عبد العزيز ومدير عام الصحيفة الأستاذ عوض محمد عوض، وهما يحملان المذكرة، وانتظمنا خلفهما مع الزميلات والزملاء الصحفيين.

# اوقفنا عناصر الأمن “الملثمون”، عند مدخل الشارع المؤدي لمبنى جهاز الأمن، وحاولوا منعنا من التقدم بالوقوف اما أشرف وعوض اللذان استمرا في الحديث معهم، بينما قفز العشرات من العناصر “الملثمة” من سيارات الأمن وهم يحملون الهراوات وبدأوا في الاحتدام معنا ومحاولة ارجاعنا بالتهديد والتلويح بالعنف بالهراوات، وبالفعل رجعنا تفاديا لاي صدام يجروننا إليه بينما كان أشرف وعوض يتحدثان مع المسؤولين من القوة الامنية، وعندما التفتنا رأينهما قد اعتقلا في احدى السيارات، وتقدمت عدد سيارات الأمن نحونا وامرونا بالركوب ملوحين بالعنف، قلنا لهم نحن صحفيون عزل لا داعي لهذه التصرفات، لكنهم استمروا في طريقتهم المستفزة، حاولوا حشرنا جميعا في “بوكس” واحد صحفيين وصحفيات، لكن العدد كبيرا وبدأنا في التبرم والاحتجاح خاصة وأن الزميل الصحفي ماجد القوني كان يعاني من اصابة في الرجل لا يستطيع بسببها الجلوس وعقلها، تم انزال الصحفيات إلى سيارة اخرى، وكذلك بعض الزملاء الصحفيين، وتحركوا بنا اولا نحو السوق العربي حيث تتمركز قوة من الأمن في تقاطع شارع القصر مع البلدية بالقرب من أبو جنزير، سرعان ما أتت تعليمات بالتحرك وعدم انزال اي شخص وتجميعنا عند القوة المرتكزة، هكذا فسرنا الأمر، واتجهوا بنا ناحية بحري بكبري المك نمر حتى وصلنا مباني إدارة الأمن السياسي لجهاز الأمن. في الطريق كانت عناصر الأمن “الملثمة” يأمروننا بالجلوس على ظهر البوكس بالطريقة المهينة التي تشاهدونها بينما يجلسون هم على حافة الصندوق الخلفي، قلت لهم أنني أعاني من آلام في الظهر ولا استطيع الجلوس الا مستقيما على الحافة، كان التفاهم معهم صعبا، وبعد اصرار مني قال أحدهم اتركوه يجلس كما يريد، وقد كان حتى وصلنا.

# بمجرد وصولنا ودخولنا إلى مقر إدارة الأمن السياسي، رأينا ما يقارب الخمسين معتقلا من الشباب اغلبهم في العشرينات والثلاثينات من العمر، وهم جلوس في نجيلة يبدو عليهم الاعياء ويقف عليهم حملة الهراوات والخراطيش بلا رحمة، بعدها امرونا بالنزول والوقف في صف واحد على أن يضع كل يده في كتف الآخر على طريقة الاسرى حين يتم اقتيادهم مقيدين بالجنازير، مع هياج وتعامل بقسوة لفظية، ليأتي صوت قادم من اتجاه الشباب المعتقلين هاتفا #يسقط_بس حاولنا كتم ضحكاتنا وقمعها بقوة خاصة وأن المكان مدعاة للقمع والكتم، وقد اصبنا نجاحا نسبيا في ذلك، اتى أحدهم بورقة كتب فيها أسمائنا، وهو ما تكرر لاحقا أكثر من مرة من عدة اشخاص حتى لحظة خروجنا لاحقا، بدأ عناصر الأمن بالتحلق حولنا بتعامل جاف جدا وتعسف في طريقة التعاطي، قادونا نحو مكان مغبر ومتسخ وامرونا بالوقوف متجهين نحو الحائط بعد احتجاجنا على احتجاج الزميلات الصحفيات العشرة بتركهن داخل سيارة تحت الشمس بلا تهوية، الأمر الذي لم يعجبهم، ثم امرونا بالجلوس ووجوهنا نحو الحائط في موقف “باركينج” السيارات، حيث وضعت ظهري على صدام احدى السيارات وانا جالسا باتجاه الحائط في مكان متسخ بالغبار، وصاح أحدهم بالا أفعل ذلك قلت له انني أعاني من آلام في الظهر، لكن لا حياة من تنادي، وقبلها اتى احدهم اسمعنا فاصلا من الاساءات بوصفنا بالكذابين، وبياعين الكلام، وبعد انتهاء فاصل الاساءات سألنا أحدهم ما إذا كان قد اخذت منا هواتفنا، وكرر حديثه قائلا: “فيكم اي زول شالوا منو تلفونو قبل ما افراد القوة الجابتكم دي تتحرك من هنا؟”.

# فجأة تغيرت اللهجة والمعاملة، طلبوا منا التوجه نحو مبنى مكون من اربعة طوابق تقريبا، لم يشترطوا علينا السير بوضعية الأسرى هذه المرة، ادخلونا إلى الطابق الثاني واجلسونا في ممر طولي تتوزع على جنباته مكاتب ينتصفه مدخل السلم حيث كنا نجلس، واحضروا لنا ماء وكراسي، وجاء أحدهم كتب الاسماء والعناوين من جديد في ورقة مجدولة بذلك. الملثمون الذين كانوا يعاملوننا بعسف عند اعتقالنا كشف بعضهم عن وجوههم وتغيرت معاملتهم الفظة وكذلك الذين استقبلونا بالشتائم والسب، اتى احدهم يسأل ما اذا كان هناك صحفيا قد اصيب اثناء الاعتقال، فقد بدأنا نشكل ورطة بالنسبة لهم خاصة وأن عدد الصحفيين المعتقلين كبير، سألت احدهم متى نخرج من هنا؟، قال لي متهكما “دخول الحمام ما زي طلعو”، قلت له يعني هنا حمامات وتعترفون بذلك، فسقط في يده وآثر الذهاب بدون رد، فجأة صعد أحد ضباط الأمن وهو يسألنا عن زميل له قائلا: اين عبد اللطيف؟، قلت له “نحن معتقلين”، فضحك الجميع وضحك هو الآخر وكان كلما يمر بنا يبتسم، فشر البلية ما يضحك كما يقولون, المؤسف جدا كان معنا شاب اتى به الطريق لم نتعرف عليه تم اعتقاله معنا من شارع المك نمر ، اظنه كان يقول أنه يعمل سائقا وكان وجهه مصابا بكدمات وجروح صغيرة، كان غاضبا وممتلئ بالقهر، عرفت بعدها أنه تم اعتقاله بالخطأ وكان يريد شراء دواء من صيدلية مجاورة، فاخذوه منا بعدها لجهة لا نعلمها.

# كنا جلوس أنا و اشرف وحيدر خير الله وعوض محمد عوض وبهرام عبد المنعم قبالة السلم مباشرة وامامنا نافذة تفتح على النجيلة التي كان يجلس فيها الشباب المعتقلين، بينما يتناوب عليهم عناصر الأمن بالتعذيب بطريقة وحشية بالخراطيش والهراوات، كنا نرى ونتابع اجبار المعتقلين على الاستدارة بوضعية مستقيمة على الأرض “دردقة”، بينما ينهال عناصر الأمن بالضرب على ظهورهم وكافة ارجاء الجسم بلا رحمة وبلا ادنى شعور، في المقابل كان صمود الشباب صمود الجبال الراكزة داخل الأرض، يكتمون الآهات ويتحملون الألم في شجاعة منقطعة النظير، إنها جسارة وشجاعة تشبه السودانيين الأحرار تماما لدرجة أنهم لا يتملمون ولا يستجدون الجلادين بالتوقف عن الضرب وهم معفرين بالتراب، وبدأنا نتحدث مع اشرف وحيدر خير الله عن جسارة وشجاعة الشباب في الشارع اثناء المظاهرات، فالشئ بالشئ يذكر، واستمر حفل شواء التعذيب حتى خروجنا لاحقا حيث رأينا شابين منهم ممددان على النجيلة وقد انهكمها التعذيب من شدة الضرب والتعب، كان منظرهم مهيبا يحكي عن كثرة غلبت الشجاعة بينما يجلس عناصر الأمن بالقرب منهم فاقدين للاحساس والإنسانية.

# المكان الذي كنا نجلس فيه قبالة السلم يمكننا من رؤية النازل والطالع، وبعد الفينة والاخرى يأتي عنصر أمن يقود احد الشباب بخطى مثقلة تبدو عليهم آثار التعذيب والاعياء والانهاك، نزولا او طلوعا من وإلى الطابق الأعلى، عرفنا أنه مخصص للطلاب بينما يختص طابقنا باصحاب المهن المختلفة، ورغم التعذيب وآثار التعب إلا أنهم كانوا متماسكين وصامدين صمود يشبه شبابهم النضر تماما، يا إلهي انهم شجعان الشارع المدججين بالهتاف السلمي المرعب #تسقط_بس، ممتلؤن بالغضب والإصرار والشجاعة، لا ترى فيهم انكسار النفس في الجسد المثقل بالتعذيب والانهاك الممنهج لدفعهم للانهيار وفقدان رباطة الجأش، لقد كانت نفوسهم هادئة وقلوبهم ثابتة ثبات غريب.
تعرف الزملاء الصحفيين على عدد من عناصر الأمن الذين يشكلون حضورا في المناسبات والفعاليات الصحفية والعامة، علاوة على التعرف على بعضهم من الذين ظهرت صورهم ورصدهم في وسائل التواصل الاجتماعي، كما لاحظنا وجود “فتيات أمن”، من اعمار مختلفة وبازياء مختلفة، نقاب، حجاب بعبائة، اسكيرت وبلوزه بطرحه على الرأس، بعضهن يحمل مفاتيح سيارة، يبدو عليهن برتبة ضابط والبعض الآخر منهن يأتي ويخرج اما مفرغا معلومات أو حاملا تعليمات.
احد عناصر الأمن اتى يتجاذب أطراف الحديث معنا عندما عرف اننا صحفيين، في نهاية حديثه قال لنا مستدركا “لكن حتى الاطفال في الشارع بقو يقولو تسقط بس”.

# في نهاية اليوم عند الساعة الخامسة الا ربع، حضر رئيس اتحاد الصحفيين، الصادق الرزيقي برفقة صلاح عمر الشيخ والمستشار القانوني للاتحاد، كنت مستلقيا في سجادة للصلاة بعد جلوس ممل لساعات طويلة، اجتمع مع ضباط الأمن قرابة نصف الساعة في مكتب مجاور، وعندما اتى خارج المكتب اخرجت بطاقة الاتحاد وقلت له هذه البطاقة لا قيمة لها يا الصادق، لكن تظاهر بعدم الاستماع، بينما نظر إلي ضباط الأمن بدهشة، وطلب مني الزميل بهرام بالا اتحدث قائلا “ما وقتو يا محمد”، بعدها تم الافراج عن جميع الصحفيين، وعرفنا قبلها ان القنوات ووكالات الانباء تناولت خبر اعتقالنا وشكل الأمر ضغطا على الحكومة، تأخر الزميل ماجد القوني داخل المبنى، قالت احدى الزميلات انهم احتجزوه بالداخل بعد أن احتد معه احد افراد الأمن محتجا على تبرمه والقهر من مواقف الاتحاد، ومن أن رئيس الاتحاد الصادق الرزيقي جاء وكأنه له شرف اطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، لكن احد الضباط أمر بانزاله فورا، وخرجنا جميعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*