فيلمه “ولكن الأرض تدور” فاز بذهبية مهرجان موسكو عام 1979م

السينمائي سليمان إبراهيم: الدولة الوطنية قضت على القطار والسينما وانتصرت للمكسيم

  • 08 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

الخرطوم – التحرير – محمد إسماعيل:


سينما الحلفايا

دخلت السينما السودان في مطلع عشرينيات القرن الماضي عبر القوات البريطانية التي كانت تهدف إلى التوثيق للمحتل، والترويح عن رعاياه، وتم تأسيس نادي السينما، وتشجع عدد من الشباب السودانيين على السفر إلى الخارج لدراسة السينما، منهم: إبراهيم شداد وسامي الصاوي وسليمان محمد إبراهيم ومنار الحلو، وهنا بدأت تظهر سينما جديدة وبداية جادة لسينما تسجيلية، وفى 1970م جاءت عملية الاستيراد والتوزيع، وأنشئت مؤسسة الدولة للسينما ضمن وزارة الإعلام والثقافة، وجرى التركيز في السينما التسجيلية دون الروائية؛ وهناك أفلام قصيرة حازت على جوائز عالمية توضح مدى نجاح هذه الصناعة.
شهدت فترة السبعينيات محاولات حظيت بتقدير كثير من المهرجات الدولية والاقليمية، فقد فاز فيلم “الضريح” للطيب المهدي بذهبية القاهرة للأفلام القصيرة عام 1970م، ونال فيلم “ولكن الأرض تدور” لسليمان محمد إبراهيم بذهبية مهرجان موسكو في عام1979م، وحصل فيلم “الجمل” على جائزة النقاد في مهرجان كان بفرنسا في عام 1986م، وعلى الرغم من نجاح هذه التجارب حدث ما يشبه الانهيار منذ اواخر الثمانينيات.
المخرج السينمائي سليمان محمد إبراهيم يتحدث لـ (التحرير) حول الأسباب التي أدت إلى انهيار السينما في السودان، وغياب دور العرض السنيمائي، فإلى مضابط الحوار.

* ما الأسباب التي أدت إلى غياب السينما في السودان؟
– السينما ليست من صنعنا، جاءتنا مع دخول الاستعمار، وما أنتجه لبناء دولة حديثة؛ السكة الحديد كانت مبتدأ التنوير، لما أدته من دور في بناء مهارات سودانية عاملة، وربطت أنحاء واسعة من البلاد، وإن كان الهدف الرئيس بعد نقل الجنود هو نقل المحاصيل والثروات الزراعية، سكتت بعد حين زخات مدافع المكسيم؛ وبعد ذلك اُلحقت عربة سينما ضمن عربات القطار لتنشر الوعي في محطات كثيرة خلال ترحال القطار.
وتأتى المفارقة لاحقاً حين سحقت الدولة السودانية الوطنية السكك الحديدية رمز التغيير والتنوير، وانتصرت للآلة الحربية فيما شهده ويشهده السودان من حروب أهلية وانقلابات عسكرية، وإعلاء المكسيم (المدفع) على الثقافي، وسحق للسينما.


سينما كلوزيوم

* قبل الثلاثين من يونيو 1989م كان الحديث يدور حول مشكلات السينما السودانية، وليس غياب شامل لها كما هو الآن .
– صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان، ولذلك نحن نحتاج إلى سرد وقائع ما حدث للسينما في السودان؛ مع بداية اليوم الثلاثين من يونيو 1989 صدر قرار حظر التجوال، كل دور العرض السينمائية في البلاد دور صيفية مكشوفة ما عدا سينما قاعة الصداقة، وسينما قصر الشباب؛ المستورد والموزع الوحيد للأفلام السينمائية كانت مؤسسة الدولة للسينما التي تمت تصفيتها في عام 1991م؛ وأصحاب دور العرض السينمائي لم يتخذوا قراراً يقضي بالتوقف عن عرض الأفلام في دورهم، فليس صحيحاً ما ذكره السيد والي الخرطوم السابق. انعقد مؤتمر الثقافة في 1990م، وكانت إحدى توصيات المؤتمر تأسيس الهيئة القومية للسينما بضم مؤسسة الدولة للسينما وإدارة الإنتاج السينمائي وقسم السينما بمصلحة الثقافة في جسم الهيئة المقترح، ولم يحدث شيء، في مايو 1990م صدر قرار بإحالة المخرجين السينمائيين بمؤسسة الدولة للسينما إبراهيم شداد وسليمان محمد إبراهيم للصالح العام. ثم بدأت عمليا خطوات تصفية مؤسسة الدولة للسينما مع نهايات 1991م؛ تم التخلص تدريجياً بالموت السريري من قسم السينما بمصلحة الثقافة، في عام 2006م تم القضاء على إدارة الإنتاج السينمائي، بوصفها كانت إدارة مستقلة، وجرى ضمها للتلفزيون.
مثل عام 2012م حماسة بالغة للسينما بعد تولي الأستاذ السمؤال خلف الله وزارة الثقافة الاتحادية والدكتور محمد عوض البارودي وزارة الثقافة لولاية الخرطوم، الوزيران من الكوادر الشبابية لحزب المؤتمر الوطني. أطلق السمؤال شعار عام 2012 عاماً للسينما، بينما أطلق د. البارودي شعار عودة المشاهدة السينمائية؛ في لقاء لي مع د. البارودي حول مبادرته، سردت له ما حدث من كوابيس للسينما والقرارات التي جعلتها تصبح نسياً منسيا، تساءل السيد الوزير: لماذا حدث ذلك؟ فقلت له عليكم بالإجابة، فأنتم من اتخذ القرارات. انتهت فترة الوزيرين، ولم يحدث شىء. مع نهايات عام 2013 وبدايات عام 2014 أطلقت وزارة الثقافة تحت رعاية السيد والي ولاية الخرطوم السابق مجددا شعار عودة السينما ولا شيء يبشر بشيء، هناك سياسة غير مفصح عنها تجاه السينما، ولكن هناك قرارات تعبر بشكل فصيح عن هذه السياسة.
أحيلك إلى كبسولة بليغة وردت في حوار مع المخرج السينمائي إبراهيم شداد تجيبك عن سؤالك : “أظن أن الحكومة مقرونة بالقطاع الخاص يستوعبان هذا كله، ولكن المصلحة في الطناش والتعتيم؛ لأن تحقيق هذا يستوجب خلخلة القبضة. ولأن أول ما يستوجبه هذا هي الحرية. حرية المبدع، حرية الإبداع وحرية الجماهير المتلقية للإبداع… أري ثمة سينما سودانية ولكن الظلام يحول دون رؤية أفق لها”.

* هل القنوات الفضائية وأندية السينما والمشاهدة تشكل بديلاً لصالات العرض؟
– المسارح تبنى، ولها جمهورها، وصالات الفنون تبنى، ولها جمهورها، ودور الرياضة تبنى، ولها جمهورها، والمتعة الحقيقية هي المشاهدة في الأمكنة الحقيقية المخصصة لذلك، ومع ذلك لا يدعي أحد أن مشاهدة المسرحيات واللوحات ومباريات كرة القدم مكانه التلفزيون. فما زالت دور العرض السينمائية تبنى باستمرار من حيث جاءتنا السينما، أحيلك إلى ما قاله الناقد السينمائي الفرنسي جان ميشيل: “من الواضح أن دور العرض السينمائي لم يعد لها نفس الدور الذي كانت عليه عندما كانت الطريقة الوحيدة لمشاهدة الأفلام منذ زمن بعيد، على مدى الخمسين عاماً الأولى، عندما كنا لا نرى الأفلام سوى في صالات العرض، ثم بدأنا نشاهد الأفلام في التلفزيون، والآن معظم الناس يشاهدون الفيلم أونلاين بتحميله أو بث حي على الإنترنت، وهذا أثر في موقف دور العرض، لكني أعتقد أن دور العرض تظل مهمة جداً؛ لأنها لو اختفت ستختفي السينما، ونأمل الا يحدث ذلك”.

* هناك اتهام لجماعة الفيلم السوداني بأنها ما زالت متوقفة في محطة فيلم “المحطة”؟
– لم نملك صناعة سينما، ولا بنيات على النحو المتعارف عليه، بالكاد تتوافر ميزانية في غاية التواضع وكاميرا وحامل كاميرا وفيلم خام وعواكس إضاءة ومايكرفون لا يكاد يفي بالغرض؛ وكانت هناك محاولات بدأت في مؤسسة الدولة للسينما بإنتاج ثلاثية: فيلم البقعة الذي انتهى تصويره ومونتاجه في 1990م، وأرسل إلى شركة بريطانية لاستكمال تجهيز النسخة النهائية إلى أن فقد نهائياً؛ لأن المؤسسة كان قد تم حلها، ولم تف وزارة المالية بدفع المبلغ المطلوب الذي لم يتجاوز 16 ألف جنيه إسترلينى ، وكانت المؤسسة قد أجازت في خطتها ميزانية الفيلم الروائي “النيل والضفاف”، ما أنتجته الجماعة بعد ذلك هي مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة ذات العلاقة بقضايا التنمية الاجتماعية والتوعية لمنظمات وطنية وعالمية ، فهو اتهام بلا سند ؛ أصابع الاتهام تشير إلى الفيل.

* هناك ما يسمى بالسينما المستقلة … هل هي بديل لصناعة السينما في السودان؟
– اسمح لي بالرجوع قليلا إلى الوراء، وبالاستطراد قليلاً، والاستعانة بأدبيات حول السينما المستقلة. تكللت الجهود في أثناء الحرب العالمية الثانية لتصميم كاميرات سينمائية خفيفة الوزن محمولة، وهذا ما جعل الأمر ميسوراً لكل أمريكي أن يجرب الكتابة والإنتاج والإخراج من دون الحاجة إلى مساعدة استديوهات الإنتاج الرئيسة. ومع ذلك برز مخرجون شقوا طريقهم، دون أن يكون قد تلقوا تعليماً نظامياً، وبدؤوا يستكشفون أساليب وطرائق جديدة لتصوير أفلامهم وإخراجها؛ كانت أفلام ذات ميزانيات منخفضة بعيداً من سياسات وتعقيدات أنظمة الاستديوهات الضخمة، فشرعوا في اجتراح أشكال فنية جديدة خارج سياق كلاسيكيات السرد الهوليودي، وسعوا إلى تحقيق أفلام ذات قيمة فنية أكثر من كونها ترفيهية، وآمن روادها بأن “السينما السائدة قد اختنقت، وفاسدة أخلاقياً، وعتيقة جمالياً، وتيماتها سطحية وإيقاعاتها مملة”، كونت هذه المجموعة تعاونية غير ربحية لصناع الأفلام تدار بواسطة فنانين، وتوزع أفلامهم.
إذن أول نشأة لما يعرف بالسينما المستقلة كانت مرتبطة بسيطرة شركات الإنتاج في هوليود التي تتحكم في كل تفاصيل العمليات الإبداعية، هذا من ناحية، ثم برزت الحاجة، وهي أم الاختراع، إلى كاميرات سينمائية محمولة خفيفة الوزن أقل كلفة للمراسلين الحربيين، ثم أنفتح الباب للتجريب والخروج من تحت عباءة شركات الإنتاج، فتكونت شركات لكسر الاحتكار؛ ولا ننسى تداعي نظام الاستديوهات في الخمسينيات من القرن الماضي الذي أنتج شركات جديدة تفتح أسواق توزيع جديدة ، فكان المخرج أو المنتج الذي يعمل لتمويل فيلمه من جهات أخرى غير الشركات المسيطرة على الإنتاج يعدّ مستقلاً، وحيثما وجد تيار سينما وإنتاج مستقل فهو بالضرورة مستقل عن شركات تنتج أفلاماً، وتسيطر على الفعل السينمائي.
يعني هي أيضا شركات، لكن في الاتجاه المعاكس، مثل: اميريكان إنترناشونال كتشر، وكانون، وأتلانتيك، التي لم تصمد طويلاً، وعصفت بها الأزمات.
فكيف يكون هناك سينما مستقلة في بلد ليس فيه أصلاً سينما، وليس صحيحاً أن الأفلام التي تمولها منظمات الأمم المتحدة أو الجمعيات الطوعية الوطنية هي سينما مستقلة؛ وهي أفلام فيديو تعليمية وإعلامية وإرشادية وتنويرية، وهي أفلام تطلب لأغراض محددة الهدف، والموضوع، والجمهور، وما يحدث عندنا يدخل في باب أفلام الهواة.
نجاهد الآن لعودة الروح لدور العرض السينمائية، ولكي تؤدي الدولة دورها بتأسيس البنيات التحتية اللازمة للإنتاج، وتكف عن العويل بالغزو الثقافي، والعولمة.
لا بد من استعادة المشاهدة السينمائية وإدارة الإنتاج السينمائي التي تمثل الإمكانية لعمل مؤسسي لبدايات جديدة لسينما سودانية، فليتم تنفيذ الأفلام بما يتيسر من تقنية مع الحفاظ على طبيعة ولغة وقواعد الفيلم السينمائي وتميزه وتفرده عن التلفزيوني، ربما يكون مفيداً إدارة حوار من كافة جوانبه الفنية والتقنية حول ما تعنيه السينما، وما يعنيه التلفزيون.

* هل تتوقع نجاحاً لمبادرة إنتاج الفيلم الطويل التي طرحتها جماعة الفيلم السودانى؟
– ثمة أمل مشاغب يختبىء في مكان ما، علينا أن نحقق المزيد من العمل؛ إن عالم الأفلام يستحق ذلك، هكذا علق زميلنا الطيب مهدي، علنا نستحق لقب (المتشائل) وإذا سرنا على نهج قصيدة الفيتوري، نقول: (تحلم الكاميرات بالدفء في أيدى المصورين)، الآمال عراض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*