4 اسئلة.. معتز صباحي أفضل من كابلي ووردي

عثمان عجبين: الأغنية الأمدرمانية شبعت “موت”

  • 17 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

الرياض- التحرير:


وردي

عثمان عجبين، ناقد وموسيقي متخصص، له كثير من الإسهامات النقدية في الصحف والمجلات داخل السودان وخارجه، إضافة إلى مواقع الإنترنت وحساباته الشخصية بمواقع التواصل.
قدم عجبين في عدة مقالات متتابعة نقداً عنيفاً للأغنية الأمدرمانية، بالتركيز في نماذج من كبار فنانيها، وهذا ما أثار جدلاً واسعاً، وكانت بعض الآراء مع طرحه وأخرى ضده.
درس عثمان الموسيقى في كلية الموسيقى والدراما، وفصل قبل إكمال سنواته الدراسية بسبب مقالاته الناقدة في الصحف اليومية.
وجهنا إليه 4 أسئلة عن مشروعه النقدي وحدوده:

* مشروعك النقدي يسعى إلى نسف الأغنية السودانية «الأمدرمانية»؟

أغنية أمدرمان بالشرط التاريخي ماتت وشبعت موت، لكن هناك قوم يحرسون رفاتها عبر بثها/ بعثها بصورتها القديمة، أو عبر إعادة إنتاجها ببعض الزخرفات.
هي أغنية بسيطة من ناحيتي المحتوى الموسيقي، والبساطة هنا تعني السذاجة. أغنية دائرية كما يسمونها، تدور حول فكرة لحنية واحدة غالباً، أغنية ذات قالب لحني واحد، ماعون واحد للجميع.

تبدأ الأغنية الأمدرمانية بمقدمة موسيقية، ثم يغني المغني، وتتخلل غناءه لازمات موسيقية هذا هو “قالبها”.

داخل هذا القالب توجد أساليب، وهي لا تمس القالب نفسه، بل هي جزء منه، أصحاب الأساليب الغنائية مجبرون على أن يميزوا أنفسهم داخل القالب/السجن، فيلجأ المغني إلى المهارات، وإلى الحرفنة؛ والحرفنة هي “الجدعة” بلغة الشارع، يبحث المغني عن جدعته، وبعد أن يجدها يستخدمها ردحاً من الزمن، ويتكسب منها، ويشتهر، ثم يُرمى هو وجدعته إلى سلة المهملات؛ لأن الجدعة صارت متوقعة، ويبدأ المستمع انتظار جدعة جديدة وهكذا؛ لذلك هم مغنيون موسميون، والذي يستمر منهم وقتاً طويلاً تأكد أن ما/من يطيل عمره ليست الأغنية نفسها، بل عوامل أخرى أولها “حراس الزمن الجميل”، وهم قوم يريدون تأبيد الماضي.

أغنية أمدرمان ماتت؛ لأنها أصلا لم تهتم بالموسيقى، لم تهتم باللحن الذي ينسج الكلمات، اهتمت فقط بالكلمات، وأعطتها الأفضلية، والأغنية ليست كلمات والسلام، هي علاقة بين الكلمة واللحن والأداء، علاقة تحاور وليس تجاور.

أقطاب الأغنية الثلاثة يتكلمون مع بعضهم ليسوا متخاصمين، لكن في أغنية أمدرمان من يتكلم هو دكتاتور “الكلمات”.

مهمة اللحن في الأغنية هي أن يضع طاقة إضافية للكلمات، يرفعها مسافة من على سطح الورقة، ثم يأتي المغني؛ لينشر بصوته مشاعر الكلمة واللحن معاً، كل هذا يتم بحوار رصين بين الأقطاب الثلاثة، غياب أي واحد منهم يصنف ما نسمعه “ليس أغنية”، بل أي شيء آخر شبيه.

بهذا المعنى يمكن تصنيف أغنية الحقيبة وأغنية أمدرمان الحالية بـ”أشباه الغناء”، كادت أن تكون أغنية لكن منعها “حراس الزمن الجميل”.. من هم؟ من هم حراس الزمن الجميل؟ القيم الاجتماعية، والإذاعة والتلفزيون، وكبار السن، هؤلاء هم “الشياطين الثلاثة “.

* إلى ماذا ترمي من نقدك العنيف لكبار الفنانين “الكابلي، سيد خليفة، وردي، محمد الأمين”؟
قصدي هو تنبيه المغنيين الجدد إلى مجموعة أمور عليهم أن يتفادوها؛ لننهض بالأغنية، وألا يسلموا تسليم الأعمى بأن تاريخنا هو “تاريخ جميل” كله، ولكي لا ينخدعوا بما يسمى بالعصر الذهبي الذي يرسخه الشياطين الثلاثة؛ فالكابلي كما كتبت عنه من قبل هو من أسس مدرسة اللامبالاة في الغناء السوداني، هو مغنٍ غير مبالٍ بصوته وعزفه ولحنه، غير ذلك هو يغني في القالب الأمدرماني الصمدي نفسه.

إذا أمعنت النظر ستجد أن لا فرق بين كابلي ووردي، غير اختلاف الأسلوب ولون الصوت، لكن القالب هو نفسه، لكن ما يميز وردي هو أنه شخص مبالٍ بالغناء، كان بإمكان وردي أن يوظف قالب النوبة، لكنه اختار أن يدخل فخ أغنية أمدرمان، وبدلاً أن يكون رائداً صار تابعاً، أما سيد خليفة قلت عنه سابقا إنه يغني بصوت “التثاؤب”، وهو فعل ذلك ليميز نفسه داخل القالب، ماذا يفعل؟ كادت أن تنفد الأساليب بسبب التكالب على ماعون واحد لا يكفي، أما محمد الأمين فقلت عنه” إنه موسيقي وليس مغنياً، هو يهتم بالمصاحبة الموسيقية أكثر من صوته، ليس ماهرا في التعبير بصوته، محمد الأمين اختار أن يحول نفسه إلى آلة ضمن فرقته.


سيد خليفة

* ماذا عن معتز صباحي والفنانين الجدد؟
معتز صباحي علامة فارقة في “تاريخ” الأغنية السودانية، لأنه يملك ما لم يملكه أحد قبله، معتز أضاف عاملاً مهماً إلى الأغنية هو “التعبير”، أبرز العيوب المزمنة لأغنية أمدرمان هو ضعف/غياب “التعبيرية” فيها، والسبب يعود إلى ما قلته سابقاً (تقديس الكلمة، وإهمال باقي مكونات الأغنية)، وجميع مغنيي أمدرمان عندما ينوون التعبير يعبرون بوجوههم، وليس بصوتهم، يظهرون الأعراض فقط (مثل إغماض العينين، تقطيب الوجه.. إلخ)، لكن معتز يعرف كيف يعبر بصوته، يعرف كيف يطوعه ويلونه بحسب الحاجة التعبيرية، زد إلى ذلك أن معتز صاحب ذاكرة لحنية متنوعة، هو ليس أمدرماني المشرب فقط، هو يملك أكتر من قالب في عقله وفي صوته، صوت معتز قادر على أن يكون ما يريد؛ لذلك عندما تسمعه وتسمع بقية المغنيين ترى محدودية أدائهم واضحة كالشمس، والسبب أنهم يعرفون طريقاً واحداً وهو الطريق (الشاقيهو الترام).

حتى اليوم إذا أراد المغني الأمدرماني أن يعبر عن الحب بصوته لا يستطيع، وكذلك الحزن، البكاء، الندم.. إلخ، كل المشاعر الإنسانية مجمدة داخل الأغنية الأمدرمانية، لكن معتز صباحي استطاع وببراعة مدهشة.

مصطفى سيد أحمد (يمين) معتز الصباحي (يسار)

* تحدثت من قبل عن الشعر المغنى، والترتيل المغنى، ما الفرق وماذا تقصد؟

لأن أغنية أمدرمان تقدس الكلمات فهي تخاف منها، هذا الخوف يشمل الملحن نفسه، فعندما يجلس لتلحين أغنية يجلس بخوف ومراعاة وتواضع، هذا السلوك لا يصنع أغنية بل يصنع “ترتيلة”، والمرتلات هي ألحان رتيبة تحرص على إبراز الكلمات، لكن الغناء شيء مختلف تماماً، الغناء يحتاج من الملحن إلى سيطرة على الكلمات لتطويعها، لكن الخائف لا يسيطر بطبيعة الحال، الأغنية تحتاج إلى شجاعة، أغنية أمدرمان جبانة بهذا المعنى.

أما عن الشعر المغنى مثل غناء مصطفى سيد أحمد الأخير وأغاني فرقة ساورا وبعض الشباب الذين يحذون حذوهم، هذا الضرب من الأغنيات هو تمادٍ في سوء أغنية أمدرمان، هو تقديس مضاعف للكلمات، هو ترتيل مرتل، إن كان في أغنية أمدرمان ملمح لأغنية، فأغنية هؤلاء لا يمكن حتى تسميتها بأغنية، لأنهم يضعون حواشي موسيقية للكلمات عن قصد؛ لأنهم يريدون إيصال “رسالة” ليست موسيقية، رسالة تكمن في النص الشعري، لذلك هم يرتلون الشعر ترتيلاً بموسيقى مصاحبة.

التعليقات مغلقة.