عشرة محطات في الذكرى الأولى لثورة ديسمبر

  • 19 ديسمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

كل سوداني في هذا اليوم يشعر بالفخر و المجد و هو يستقبل الذكرى الأولى لثورة ديسمبر ، الثورة التي شارك فيها جميع السودانيون باختلاف اعراقهم و اديانهم و أعمارهم، و شكلوا عبرها لوحة تاريخية سيظل يذكرها التاريخ السوداني إلى الأبد ، و على أعتاب هذه الذكرى من المهم أن نقف في بعض المحطات البارزة عبر مسار الثورة الزماني .

المحطة الاولى البارزة كانت هي حريق مبنى حزب المؤتمر الوطني بعطبرة في ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ ، انتشار صورة حريق هذا المبنى الفخم عبر الوسائط الإلكترونية أسقط أخر كبرياء و هيبة لهذا الحزب ، بينما كان انتصار جماهير عطبرة و سيطرتها على المدينة أخر مسمار دق في نعش حكومة المخلوع .

المحطة البارزة الثانية كانت هي ظهور تجمع المهنيين و تبنيه رسميا قيادة هذه الثورة عبر صفحته الرسمية في الفيس بوك ، و قد توافرت في هذه القيادة صفة الحياد السياسي و هي العلامة التي كان يتوق اليها الشعب السوداني في قيادته الثورية في ظل تشاكس الساسة ، و هكذا في وقت وجيز سيطر التجمع على قمة الثورة ، و لما بدأت الحرب المضادة عليه بانه تجمع لكائنات فضائية او لمهاجرين خارج السودان ، خرج الدكتور الأصم في مخاطبة مباشرة عبر الصفحة و من داخل السودان ليصيب الحرب الإعلامية الكيزانية بقيادة الطاهر حسن التوم و غيره من ابواق النظام في مقتل ، و كان لظهور الأصم و هو شاب سوداني في مقتبل العمر فعل السحر في الشباب السوداني حيث كانت الطرقات تمتليء بالشباب الثائر استجابة لأي موكب يعلنه تجمع المهنيين . بالطبع لم يصبر نظام المخلوع و قام باعتقال الأصم و لكن بعد فوات الأوان ، بعد أن أصبحت الثورة في قلب كل شاب .

المحطة البارزة الثالثة كان هو الخروج الواسع للثوار في كل أنحاء السودان ، إذ كانت المواكب التي يعلنها تجمع المهنيين في تمام الواحدة ظهرا تجد استجابة في الشمال و الشرق و الغرب و الوسط و الجنوب، و كان هذا مرهقا جدا للاجهزة الامنية و مكلفا جدا لأعصاب و صبر أنصار النظام ، إذ لم تعد الخرطوم وحدها هي من تخرج و لا مدني و لا بورتسودان و لا الأبيض و لا عطبرة بل كل مدن السودان الكبيرة و الصغيرة كانت تخرج في هبات مفاجئة للكل حتى للجماهير ، لم يتوقف الأمر عند المدن بل حتى القرى خرجت بانتظام العقدة المغاربة و بيكة و خدر و مئات القرى الأخرى في مختلف السودان.

المحطة الرابعة هي طلاب الجامعات ، النظام البائد لجا الى اغلاق الجامعات الحكومية مباشرة بعد انطلاق الثورة ، و لكن الجامعات الخاصة لقنته درسا بليغا في الوطنية و التضحية للدرجة التي قدمت فيها شهيدها الطالب مجحوب التاج ، أما جامعة الأحفاد للبنات فقد كانت لوحدها صداع مستمر للنظام و امنجيته.

المحطة الخامسة هي دور الأطباء في الثورة إذ قامت لجنة اطباء السودان المركزية بدورها كاملا في موازنة كل الإعلام الكيزاني ، و كانت الوكالات العالمية تعتبرها المصدر الأكثر موثوقية لأخبار القتلى و الجرحى في الثورة ، هذا غير تغطية الأطباء للمواكب و توجههم لتغطية كل المستشفيات التي تمر بها المواكب من أجل إنقاذ حياة المتظاهرين في ظل استمرار النظام في مواجهة المواكب بالرصاص الحي ، و قدم الأطباء في ذلك الشهيد دكتور بابكر الذي اغتيل أثناء اداءه لواجب إسعاف الجرحى في جريمة إنسانية هزت ضمير الامة السودانية .

المحطة السادسة هي شعارات الثورة نفسها و التي حمل بعضها معاني و قيم عظيمة مثل شعار ( حرية سلام و عدالة ) و شعار ( يا عنصري و مغرور كل البلد دارفور ) بينما كانت هناك شعارات مؤلمة نفسيا للكيزان و مدمرة لهم اجتماعيا مثل شعار ( سلمية سلمية ضد الحرامية ) و شعار ( أي كوز ندوسو دوس ) ، و مازالت هذه الشعارات تواصل سطوتها في الشارع السوداني حتى الآن .

المحطة السابعة هي موكب ٦ أبريل و التحول الرهيب الذي أحدثه هذا الموكب باقتحامه للقيادة العامة للجيش بعد شهور من المواكب المتواصلة و التي لم تفلح في إسقاط النظام ، و هنا يجدر ذكر الضباط و الجنود الذين دافعوا عن اعتصام ٦ أبريل الضابط حامد و الضابط محمد صديق و من معهما و مواقفهما البطولية التي كانت من أبرز أسباب انتصار الثورة .

المحطة الثامنة هي اعتصام القيادة العامة و اللوحات و العالم المثالي الذي اوجده الثوار داخله ، إذ شكل هذا الاعتصام و الذي استمر لقرابة الشهرين وجدانا سودانيا جديدا مسح خلال فترة وجوده من ذهن السودانيين كل الصور السالبة للشخصية السودانية و للثقافة السودانية التي تولدت أثناء حكم نظام الانقاذ ، ثم جاءت مذبحة الاعتصام لتكون أحدي المحطات المؤلمة و الصادمة في تاريخ الثورة ، إذ حدثت أمام قيادة الجيش و بمشاركة من كان يفترض انهم شركاء في الثورة و انتصارها ، و مازالت تداعيات هذه المذبحة موجودة لن ينهيها الا القصاص العادل من كل الذين أمروا و نفذوا هذه الجريمة .

المحطة التاسعة هي مليونية ٣٠ يونيو ، و التي جاءت بعد هزيمة نفسية و صدمة مدنية مؤلمة للجماهير و الثوار المدنيين في أعقاب فض الاعتصام و قطع الإنترنت و سيطرة المجلس العسكري على السلطة و محاولاته إيجاد حاضنة سياسية منفصلة عن قوى الحرية و التغيير، و لكن هذه المليونية أعادت ضبط الوضع مجددا بإعادة المجلس العسكري إلى صوابه و جلوسه للتفاوض و التسليم بأن قدر هذه الثورة هو الانتصار و اقامة المدنية لا شيء سواها .

المحطة العاشرة هي الوثيقة الدستورية و تشكيل حكومة حمدوك و بداية ظهور بعض التصدعات في جسد الثوار الموحد طيلة فترة الثورة ، و ذلك نتيجة اختلاف الرؤى حول المناصب و حول أولويات المرحلة و خاصة قضايا السلام و العدالة ، و هذا الوضع أحدث بعض الربكة و التراجع الثوري نفذ منه خلاله أصحاب مسيرة الزحف الاخضر و لكن ما ظهر لي من المشاهدات حتى لحظة كتابة هذا المقال من مواكب ثورية خرجت في مدن السودان المختلفة احتفالا بذكرى الثورة الأولى يثبت أن هذه الثورة محروسة و منتصرة و خلفها جماهير عظيمة و باسلة .


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.