تحت الغيم: أيام الصفاء!

تحت الغيم: أيام الصفاء!
  • 02 فبراير 2020
  • لا توجد تعليقات

عبدالباسط شاطرابي

تجمعني مثل كثيرين علاقة وطيدة بالقطط، أقصد القطط العادية المعروفة، ولا علاقة لي بالقطط السمان، كفانا الله وإياكم شرورها وشرور مدلولاتها!
هذه العلاقة لم تبدأ بي، فالأسرة الكبيرة ذات اهتمام ممتد الجذور بهذا الكائن الجميل، وأحسب أن القطط من الحيوانات الأليفة التي تملأ محبيها بالطاقة الإيجابية في مواجهة كآبات الحياة والمحبطات النفسية التي تزنقنا من كل جانب.
والبيوت السودانية عموما ظلت على مدى العقود الطويلة تحتفي بالقطط، فلم يكن ثمة منزل يخلو منها في حضور بعض الماعز وبعض الدجاج وبعض الحمام، حيث لا تتصف قطط المنازل بالعدوانية تجاه مساكنيها، فعينها (مليانة) بنصيبها اليومي الجيد من حليب الماعز المنزلي، كما أنها تجد من بقايا الموائد المنزلية العامرة بالخير ما يغنيها عن التعرض للحمام المنزلي الآمن في أوكاره.

تلك أيام مضت من نعيم الأمس، فلم تعد الماعز أنيسا في المنازل ولم يعد حليبها حاضرا مثلما كان، كما أن الوجبات المنزلية فقدت الكثير من مكوناتها السابقة بل وتقلص عددها اليومي، وتلك أمور أسهمت في جعل النرفزة سمة اجتماعية، وأقلقت الاستقرار الأسري والسياسي، وحفزت القلاقل والاضطرابات، وجعلت الحلم بعودة الأمس غاية الطموح بدلا من التطلع للغد!!
في خضم تلك المتغيرات، بات من العدالة أن لا ننتظر استمرار القطط على صورتها القديمة، حيث لم يعد الحمَام في مأمن من الغارات القططية في أي وقت من النهار والليل، وتنمّرت طباع الكائن الأليف تجاه أي شيء طائر بدءا من الذباب مرورا بالعصافير وانتهاء بالصقور!

وليت الأمر توقف عند ذلك، فالقطط صارت من فرط حنقها تتحرش حتى بكلاب الجيران، فلم نعد نراها تهرب من مواجهة الكلاب كما السابق، بل صارت تتربص بأي كلب، وتفتعل معه المعارك، ولا يهدأ لها بال حتى يعلن الكلب انسحابه من المعركة التي لا مصلحة له فيها من الأساس!

حتى اللصوصية بدأت تتفشى بين القطط بشكل لافت، فمطابخ الجيران فقدت أمانها السابق، وصار من السهل على القطط التسلل إليها، والبحث عن كل ما يمكن أكله أو شربه، وضاعت القيم القططية السابقة المتعلقة بحرمة الجار وضرورة الامتناع عن أي سلوك يؤذيه!

والشوائب لم تستثن علاقة القطة بأصحاب المنزل أنفسهم، فقد شاع بين القطط، فيما يبدو، أن الناس لا يربونها إلا لمصلحتهم في القضاء على الفئران، ولذلك امتنعت الكثير منها عن التعرض لأي فأر، فصارت الفئران تتمخطر في الحيشان بأمان تام، والقط المغبون يتظاهر بالنوم كيدا في أصحاب المنزل وأجندتهم المصلحية!

مع كل الذي سبق، تظل علاقتي بالقطط خالية من أي كراهية، وأحلم بالعدالة في التعامل معها، وأسال أين وجباتنا العامرة التي كانت بالأمس، وأين حليب الماعز الذي كان يملأ أوانينا صباحا ومساء؟!
ألا ليت أيام الصفاء جديدُ، وعذرا أحباءنا قطط الأزمان البهية.

shatarabi@hotmail.com

التعليقات مغلقة.