وداعاً أخي وصديقي وزميلي كمال عبد الوهاب

  • 09 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

لندن: عمّار خالد

بدأت علاقتى بأخى كمال عبدالوهاب سلمان (دكتور الكرة السودانية) كما سماه عمنا الحاج حسن عثمان و (النيحة) كما سماه أقرانه و (بوكو) كما كنا نسميه بمدرسة الأميرية أم درمان ذلك الصرح الذى تشبه مبانيه مبانى البلديات والمبانى الحكومية.

كانت الاميرية في الوسط فى الطابق الاول من المبنى، ورمبيك الثانوية في الطابق الأرضي، وفي الخلف مدرسة ودنوباوى.
كنت اللاعب الوحيد فى فريق المدرسة من الصف الاول – الباقون كانوا من الثالث والرابع، وأميزهم كان كمال عبدالوهاب ومتوكل محمود متوكل.

كان نجم النجوم أستاذنا أمين زكي كابتن فريق الهلال العظيم والأستاذ شهلابى مسؤولي النشاط الرياضى، كانا يقيمون مهرجاناً رياضياً فى نهاية العام الدرسى يأتي فيه كباتن الهلال (سبت دوده وإبراهيم يحيى الكوارتى و نصرالدين جكسا و كل لاعبي الهلال من هذا الجيل ) – يلعبون مبارة ضدنا – طبعاً بالنسبة إليهم المبارة استعراضية، فكانوا يعطوننا الفرصة لنراوغهم، ونحرز الأهداف – كنا نفرح غاية الفرح، وننتظر هذا اليوم بفارق الصبر. زرعت فينا هذه التجربة حباً غير عادى لكرة القدم، وأصبح كل همنا وطموحنا أن نصبح نجوماً مثل هؤلاء النجوم.

التحق كمال بفريق ابوعنجة الدرجة التالتة دوري الشمس الحارة، وكانت المباريات تقام على ملعب دار الرياضة أم درمان، وحينما يشارك كمال فى المبارة تمتليء مدرجات وكراسى الملعب.
بعد فترة وجيزة سمعنا عن صراع محموم بين أندية القمة الثلاثية (المريخ و الهلال و الموردة) لضم اللاعب كمال لكشوفاتهم، وحسم الأمر لصالح المريخ العظيم.

عادة حينما يوقع لاعب جديد فى كشوفات يي فريق يجلس فى دكة البدلاء لفترة حتى يجد الفرصة المناسبة ليدخل التشكيلة، ولكن كمال كان استثناءً، إذ لعب مباشرة في الفريق الأول، ولم يغب بعد ذلك عن تشكيلة الفريق إلى أن اعتزل الملاعب.

حينما وقع كمال لنادى المريخ كان الفريق يضم لاعبين أفذاذاً.. كان الحارس عبدالعزيز والدفاع سليمان وقدورة وكاوندا وحمزة ونوح وحسنين جمعة، والوسط المعلم بشرى وهبة والفارس بشارة ومحسن العطا، والهجوم كمال وسانتو وجاد الله وحمورى الكبير. كان الفريق يضم خمسة وأربعين لاعباً، وباقى اللاعبين كانوا كلهم نجوماً، لكن فرصتهم فى اللعب كانت ضعيفة مع هؤلاء العمالقة. كان التمرين يومياً، ولا يغيب احد عن التمرين حتى لو كان مريضاً.

كانت أم درمان سوداناً مصغراً، وكانت تضج بالآداب والفنون، مثلها وباقى مدن السودان، لكن أم درمان لها خصوصية، حيث كان المسرح القومى يقدم “خطوبة سهير”، والفاضل سعيد وفرقة الأصدقاء وفرقة رضا وغيرهم.

كانت الإذاعة والتلفزيون مليئتين بالبرامج والمنوعات، وكانت الأندية والجمعيات الأدبية (دار فلاح والفنون الشعبية والفرق الموسيقية بجميع انواعها) فى العاصمة المثلثة. كانت سينما النيل الأزرق تعرض أحدث افلام سدنى بوتيه وسينما أم درمان تعرض جانوار ومن أجل أبنائي. كانت قهوة يوسف الفكى تعج بالزوار والمكتبات فى كل مكان، والباعة المتجولون يفرشون الكتب على الأرض، كانت القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ.

كان علي المك يتجول بين دار النشر ونادى المريخ والاذاعة والتلفزيون والصفحات الرياضية، وكان من عشاق فن برعي وكمال و أبوداوود، ينافسه فى الكتابة حاج حسن عثمان و أبوآمنة حامد وابن البان، كان عبدالرحمن الريح ينشد (قالو أهل الحب في الزمان الراح – نشوة الأشواق احلى من الراح)، والجابرى (ارقص وميل يا جميل خلي الشمس تسكب ذهب الأصيل فى النيل، و (البلوم فيفرعو غنا)، وإبراهيم عوض (نفسك أبية وروحك خفيفة وليك جاذبية)، والنعام (الزول الوسيم فى طبعه دائماً هادئ من أوصافه قول اسمعنى هات يا شادى)، وأبوداوود (اجرى يانيل الحياة لولاك ما طابت حياة). وعثمان حسين (ربيع الدنيا).

كانت الحياة رخية ينتفخ صدر النيل و يدفق على الوديان تخضر الأرض وتنبت الخضروات والفواكهه بكل أنواعها، يأكل الإنسان والحيوان (حتى الطير يجيها جيعان من اطراف تقيها شبع) القمري والبلوم وطير الجنة بالوانه الزاهية.
كانت الرياضة في قمتها – كرة القدم – كرة السلة – كرة المضرب (التنس) –أالعاب القوى – الملاكمة وغيرها، ومثلما كان السودان يصدر القطن والصمغ العربى والسمسم، فقد كان يصدر لاعبين، ولم يكن فى السودان أي لاعب أجنبى – الرياضة تمارس في كل أرض السودان، وغير الاندية الرياضية تجد أندية رياضية اجتماعية ثقافية وأندية الجاليات (النادي القبطي والكاثوليكي والأرمني وغيرهم من الجاليات الاخرى)، وكرة القدم بصفتها اللعبة الشعبية فى كل أنحاء العالم فإنها وجدت اهتماماً خاصاً لدى الشعب السودانى. كل الشعب السودانى يهوى كرة القدم، ولأن المزاج السوداني في ذلك الوقت كان عالياً فإنه لم يكن يقبل بانصاف المبدعين.
أتى كمال عبدالوهاب لفريق المريخ وهو يعلم حجم المسؤولية، وكانت له من المقدرات البدنية والنفسية ما يؤهله لكى يكون نجماً يتربع على عرش المستديرة حتى ترك الملاعب. وكمال لم يبحث عن القمة فقد كان يتربع على عرشها ولم يطلب المجد فقد أتاه المجد طائعا مختاراً – عرفته زميلاً صديقاً وفى الحالين كان أحلى وأنضر.

اللهم ارحم كمال واغفر له واسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء والهم آله وذويه الصبر والسلوان.

تعازينا الحارة للاخ سامى عبدالوهاب وجميع أفراد الاسرة، ولزملائه خصوصاً لاعبي المريخ – ولمحبيه وجماهير الرياضة واهل السودان كافة – إنا لله وأنا أليه راجعون.

التعليقات مغلقة.