البيت الكبير

  • 13 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

عبدالإله زمراوي

حلم افرح في حياتي فرحتي يوم أن بنيت البيت الذي ولدتُ فيه، وتربيت فيه مع عشرة من الإخوة والاخوات تنازلوا لي طواعيةً وحباً عن هذا البيت العتيق؛ أُسوةً بالمقدس النوبي الذي يورث أصغر الأولاد فيه بيت أبيه الكبير.


كما تركه أبي وامي، البيت ما زال يعانق النخيل والنيل، وتحفه الخضرة اليانعة من كل جانب فيه. تستضيف الأشجار بالدار آلاف الطيور، وتعيش الزرازير والقماري وود ابرق وجميع أنواع الطيور الأخرى فوقها وفوق النخيل المشرئبة نحو النيل، مع حنان أشجار اللبخ وفروعها الظليلة المُكيفة، هي تلك الشجرة المهيبة الحنونة المليئة بالأعشاش مستقرٌ وسكنٌ ومنامٌ للطيور والحمام والمبنية على الإبداع إبداع خالق مبدع، الله خالق الأكوان ورازق ورزاق عباده من الجن والانس، ورازق كل دابة في الأرض وهذه الطيور على غصون الأشجار والنخيل تْسبح الخالق وتشكره على نعمائه غير جاحدين بفضله كما يفعل بعض البشر .

قِبل أعوامٍ خمسة جاء تراكتورٌ كبير وهدم كل ركن في البيت، الذي دُفنت فيه صُرّاتنا التي أرَتنا إياها أُمنا رحمها الله ورحم جميع أمهاتنا وأبائنا وإخواننا وأخواتنا رحمة واسعة ورحمكم جميعاً.
هدم المقاول ابن أخي البيت العتيق ذي المئة عام أو يزيد، كي تُضخُ الحياة فيه مرة أخرى. ثمّ ليأتي من بعدنا أبناؤنا ليعيدوا أيضاًً الحياة الجديدة له.

لستُ وحدي من يعشق الأرض في السودان، في اقصى الشمال أعشق مني وكذلك في غرب البلاد وشرقها ووسطها وجنوبها وكل اقليمي مثلي جاء للخرطوم يتمنى العودة لقريته أو مدينته أو بلدته الصغيرة.

نحن جميع السودانيين نعشق البيت الكبير ونحنّْ؛ لأنه كانت فيه صرختنا الأولى، وكان مستقراً ونزلاً لنا ولآبائنا ولأجدادنا أيضاً. كان لهم موئلاً لكل معاني المحبة الصادقة والحنان الفطري.

إنه بيتٌ بسيط كما ترونه في الصور، على قدر الحال، وانه لبيتُ بُني وسُبِّل (في سبيل الله) لكل عابر سبيلٍ ولكل من يطلبه
من أهلي وإخوتي وأصدقائي، وهو على بُعدِ “كيلومترين” تقريباً من “الدفوفة قصر بعنخي” ومن بعده ابنه المحارب تهارقا وعلى مقربة من متحف كرمة الأثري.

كما تعلمون جميعاً، فقد قامت في كرمة حضارةٌ عظيمة في عصور ما قِبل التاريخ، وقد توصلت البعثات الاستكشافية حديثاً على قِدم حضارة كرمة التي تُعدّ من أقدم العواصم الحضرية في العالم، وورد ذلك كثيراً على اعظم أثري، وهو شارلي بونيه الذي يعيش بيننا منذ عقود طويلة، وهو عالم آثارٍ سويسري يعشق السودان.

ومن كرمة ايضاً، انطلقت خيول بعنخي وتهارقا “لأرض الكنانة مصر” ليحتلها السودانيون (الفراعنة السود) لقرون. وهي الاسرة ١٦ من بين الأسر الفرعونية؛ التي بقيت خالية من بين ملوك الأُسر الفرعونية حتى الان.

هم من سلالة كوش حكموا أجزاء ً كبيرة من العالم ووصلوا شمالاً لفلسطين، وهزموا إمبراطوريات كبيرة في ذلك الوقت، وصارت اميراتها الكنداكات ملكات عظيمات يرسلن الجيوش للحرب، وكانت تُظلل هاماتهن تاج مملكة كوش.

إنه تاريخ السودان القديم الذي تظهر ملامحه في نبل شعبنا؛ كأحد أقدم شعوب الأرض.

إنها لدعوةٌ صادقة بقلبٍ سليم ونداء لكل أهل القرى والبوادي والحضر للعودة للقرى وللجذور ما استطاعوا إليه سبيلاً، ودعوة لتنفروا خفافاً وثقالا لإحيائها من جديد بعد أن خبا بريق المدن الحجرية القاسية والعودة للزراعة والاستمتاع بخضرة الارض وصفاء السماء وعذوبة النيل.

التعليقات مغلقة.