السلام والاحترام للمعتصمين في نيرتتي

السلام والاحترام للمعتصمين في نيرتتي
  • 07 يوليو 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

رغم اعتصامهم في ظل ظرف صحي لا مجاملة معه، الا ان ما يمكن أن يحققه اعتصام نيرتتي قد يفوق كثيرا ما تحققه بندقية كل الحركات المسلحة ، الاعتصام رسالة محبة بينما الطلقة رسالة كراهية وعداوة، ما فعلته صور وفيديوهات التكاتف والسماحة والوحدة من اعتصام نيرتتي في أيام قليلة في قلوب كل السودانيين من محبة ووحدة لم ولن تفعله حروب الحركات المسلحة ولو استمرت لآلاف السنين ، انه الفرق بين الوسائل السلمية والبندقية، القوة الناعمة أصدق وأقوى واشد تاثيرا .

ألبرت اينشتاين في رسالته التاريخية الى سيغموند فرويد قبل الحرب العالمية الثانية التي كانت نواقيسها تدق في اوربا ، و التي أسماها ( لماذا الحرب ) قال ( كل حرب تضيف حلقة إلى سلسلة الشر، الذي يعيق تقدم الانسانية ، لم تكن الجماهير أبدا ترغب في الحرب ، طالما أنها لم تُسَمَّم عن طريق الدعاية ، لابد من تلقيحها ضد هذه الأخيرة ، لابد من تلقيح أبنائنا ضد التجنيد ، بتربيتهم في روح السلام ، يتمثل بؤس أوروبا في كون الشعوب رُبِّيت بأهداف خاطئة ، تمجد كتبنا المدرسية الحرب وتغطي وحشيتها ، يحشون الأطفال بالكراهية ، أريد أن أُعَلِّم السلام عوض الكراهية، الحب عوض الحرب ) . رسالة السلام هي الرسالة التي انقذت اوربا، رغم أنها اختبرت حربين عالميتين قتلت الملايين الا ان أوربا سريعا استبدلت طلقة الحرب بزهرة السلام ، علمت ان الحرب خاسرة ولو انتصرت ، والسلام ينتصر فيه الجميع .

هل سمعتم قريبا بحرب اهلية داخل أميركا ؟ هل سمعتم بنزاع مسلح لعشرات السنوات داخل فرنسا ؟ هل سمعتم بمعارك من أجل قسمة السلطة و الثروة في جبال الألب ؟ هل سمعتم بصراع الهامش و المركز في المانيا ؟هل سمعتم بطعن و لعن ومولوتوف داخل جامعات بريطانيا ؟ لم تسمعوا و لن تسمعوا ، هؤلاء الناس علموا أن الحرب والعنف والكراهية تجارة خاسرة ، انتهت عندهم عهود ( الفتوة ) و ( الشفتنة ) ، وسادت عهود العلم والابتكار والصراع السياسي المدني .

هل السياسيون السودانيون يعلمون ذلك؟ هل يعلمون أن تكلفة الحرب ، التي استمرت خلال الحكومات الشمولية والديمقراطية ، كانت السبب الاساسي في انهيار البلاد؟! الحرب في الجنوب وحرب دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان اهدرت اكثر من ٦٠% من اجمالي دخل السودان القومي منذ الاستقلال ! لو تم استخدام ٤٠% فقط من هذا الدخل القومي المهدر في الصحة والتعليم ، لكان لنا اليوم شأن آخر .

حرب الجنوب الأولى ( ١٩٥٥ – ١٩٧٢ ) راح ضحيتها أكثر من ( نصف مليون ) شخص في وقت كان تعداد السكان لا يتعدى عشرة مليون شخص ، تلك فترة كان من بين كل خمسة سودانيين هناك سودانيا واحدا يحمل سلاحا ! شعب كامل يقاتل بعضه بعضا!! حرب الجنوب الثانية (١٩٨٣ – ٢٠٠٥) راح ضحيتها أكثر من ( ٢ مليون ) شخص ، و هي أكبر نسبة قتلى في العالم في حرب واحدة منذ الحرب العالمية الثانية ! معظم القتلى كانوا من الأبرياء و المقاتلين الصغار وليس من القادة ، القادة لا يموتون ، في عهد الحروب الثمن يدفعه الأبرياء !

في الحرب يدفع المواطن الثمن اما موتا و اما غلاءا و انهيارا اقتصاديا ! جنرالات الحرب بغض النظر عن أسباب حملهم السلاح ،استمرارهم حاملين للسلاح في ظل الأنظمة الديمقراطية والاوتوقراطية أثبت أن المطامع عندهم اهم من القضايا الموضوعية ، زمنا طويلا سالت نفسي في الماضي لماذا لا يدفع القادة الثمن عبر استخدامهم الصراع السياسي المدني بدل الحرب التي يدفع ثمنها مواطنين ابرياء لا يعلمون لماذا تضربهم الطائرات ولماذا يتم تهجيرهم ولماذا يموتون ولأي هدف ؟ تسالت عمرا كاملا لماذا لا يدفع مالك عقار والحلو وعرمان وعبدالواحد و غيرهم ثمن شعاراتهم من خلال نضال سياسي مدني من داخل الخرطوم ؟ هل هم ارفع قيمة من مارتن لوثر كينغ الذي دفع روحه ثمنا لما يؤمن به و لكنه لم يستثمر البسطاء في حرب عبثية ؟ هل هم اعظم من مانديلا الذي دخل السجن لمدة ٢٨ عاما ثمنا لما يؤمن به ، رافضا دفع المواطنين الأبرياء ارواحهم ثمنا لافكاره من خلال تجنيدهم للحرب ؟ ماذا خسر حزب الامة أو الحزب الشيوعي او حزب البعث أو المؤتمر السوداني ، و هم يقودون نضالا مدنيا سياسيا في قلب الخرطوم من أجل ما يؤمنون به؟
هل منعتهم السجون وزنازين الانظمة الشمولية من الاستمرار أو الحياة؟! بل ظلوا دوما في ساحات النضال المدني أسودا ارهقت الطغاة وظهورا لا تنحني اتعبت جلاديها .

بالحساب النضال السياسي المدني في السودان حقق نتائج افضل من النضال بالحرب والبندقية ، إستطاع النضال المدني السياسي السوداني أن يفجر ثلاث ثورات شعبية من اجل شعارات الحرية و الديمقراطية في اكتوبر ١٩٦٤ و ابريل ١٩٨٥ وديسمبر ٢٠١٨ ، بينما كل ما استطاعت أن تحققه البندقية هو اتفاقات سلام هشة وكارثية مع انظمة مستبدة، اتفاقية السلام الاولى كانت مع نميري و الثانية مع البشير الاولى انهارت بسرعة والثانية قادت إلى أسوأ نتيجة يمكن أن تنتهي إليها حرب الوطن الواحد وهي الانفصال .

اعتصام نيرتتي لوحة للسلام ضد الحرب ، نافذة للوحدة ضد التفرقة ، انهم يمنحوننا الطاقة الإيجابية في الوطن الواحد . سلام على الاهل والأحباب في نيرتتي على الأطفال الزغب تعلو محياهم ابتسامة المستقبل ، على نساء نيرتتي العزيزات يحملن الطعام والماء والأمل والحياة، على رجال نيرتتي وهم يرسمون تاريخا جديدا لوطن من السلام والمحبة كأنهم يرددون مع بنجامين فرانكلين ( لم تكن أبدا هناك حرب جيدة ، ولم يكن هناك أبدا سلام سيء ) .


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.