رحيل عميد السودانيين المغتربين بدولة قطر

  • 15 أغسطس 2020
  • لا توجد تعليقات

د. أحمد إبراهيم أبوشوك

يقول ابن يسير الرياشي: “تَأتِي المكارهُ حين تَأتِي جملةً *** وأرى السُّرورَ يَجيءُ في الفَلَتاتِ”، ومن مكاره هذا الدهر (2020م) أن أفراحه كانت وحداناً وأحزانه زُرافات؛ لما شهده من انقضاء آجال كثير من الخيرين والخيرات من أبناء وبنات السودان، الذين كان رحيلهم رحيلاً مُراً، وفقدهم فقداً جللاً؛ بالنسبة لأولئك الذين رافقوهم في رحلة الحياة الدنيا، أو زاملوهم في سبل كسب العيش بضروبها المتعددة، أو صحبوهم في مجالس العلم والمؤانسة؛ فأعاد الرحيل المُر شريط ذكرياتهم إلى الوراء، وقلَّب مواجع حزنهم، وصعَّد مناسيب زهدهم في البقاء على أديم هذه الأرض. ومن نماذج أولئك الفضلاء الذين عمروا الأرض أينما قطنوا الأستاذ عبد المنعم عبد الله المكي، الذي حدثت وفاته في عصر يوم الثلاثاء الموافق 11 أغسطس 2020م.

كان الأستاذ عبد المنعم المكي يمثل درة تاج الجالية السودانية في دولة قطر، بفضل عطائه المهني المتفرد، وتواصله الاجتماعي المنبسط إلى الناس أجمعين. ولذلك وصفته الصحافية عواطف عبد اللطيف، بعميد “المغتربين السُّودانيين في قطر”؛ لأنه أفلح في جمع شتاتهم باختلاف انتماءاتهم “السياسية، ومستوياتهم الاجتماعية، وبعيداً عن متون السياسة وحبائلها، التي التفت حول رقاب بعضهم، وجعلت منهم عَذراً “لا ينهقون” إلا بها تشرذماً وتناطحناً.” ومن إنجازاته البارزة فكرة احتفال السودانيين بمناسبة عيد الفطر المبارك سنوياً بنادي الغزال بالدوحة.

وفي العام 2012م بلغت هذه السُنَة الحسنة عامها الرابع والعشرين. إذ رسم الأستاذ فيصل حضرة لها صورة بانورامية رائعة، بقوله: “احتفلت المجموعة السودانية بعيد الفطر المبارك في نادي الغزال بالدوحة، 19 أغسطس 2012م، “وسط حضورٍ متميزٍ لأبناء الجالية السودانية، والروابط المهنية، وكل الطيف السياسي، إلى جانب عدد كبير من الضيوف من السودان ودول الخليج، قضى الجميع وقتًا طيبًا، وتبادلوا التهاني والتبريكات في أجواء سودانية خالصة، زينتها الجلابيب والعمائم البيضاء، وألوان قوس قزح، المتمثلة في ثياب السيدات والأطفال، كما اشتمل الحفل على مأدبة عشاء. وألقى الدكتور أسامة حمور، رئيس رابطة الصيادلة، كلمة ضافية … هنأ فيها الجميع بالعيد السعيد، وتمنى أن يعمَّ السلام ربوع الوطن العزيز، وحيا الأستاذ الكبير عبد المنعم المكي، صاحب فكرة “معايدة نادي الغزال”، التي دخلت عامها الـ 24، وحافظ عليها السودانيون.” ولذلك آمل أن تقوم الجالية السودانية بإحياء سُنَة الاحتفال بعيد الفطر المبارك، التي عطلت حبائل الكيد السياسي دورة انعقادها الموسمية في السنوات المنصرمة؛ ليكون في إحيائها تخليد لذكرى الأستاذ عبد المنعم المكي، واحتفاء بشعار ثورة ديسمبر 2018م، القائم على الحرية والسلام والعدالة.
ومن إشراقات الأستاذ عبد المنعم الأخرى عمود “نقطة ضوء”، الذي كان ينُشره بصفة راتبة في صحيفة الراية القطرية، متناولاً المشهد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي في السُّودان، والمشكلات التي تواجه المغتربين السُّودانيين في قطر، وكيفية معالجتها، عملاً برأي الأستاذ عباس محمود العقاد: إنَّ تقدم الشعوب والإفراد يقاس بمدى قدرتهم على فهم التحديات، ووضع الحلول المناسبة لها. فالأستاذ عبد المنعم كان من أصحاب الحلول المناسبة؛ لأنه كان يمتاز بنظرة كليَّة ثاقبة للقضايا الشائكة والمشكلات المعقدة، دون أن يحصر نفسه في زوايا السياسة الضيقة، وإسقاطاتها الحزبية السالبة. لأنه كان يعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ السودان ملك للجميع؛ لذلك يجب ألا تُترك فضاءات العمل العام لأصحاب النزوة الحزبية الإقصائية، بل ينبغي أن تكون هناك مدافعة مستدامة، تثبت أن البقاء سيكون للأصلح الذي ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاءً.


ومن أهم القضايا التي كانت تشغل بال صاحب نقطة ضوء ترقية أداء الجالية السُّودانية في دولة قطر؛ لأنه كان يهتم بشؤونها، ويعتبرها جالية متفردة بفضل قطاعاتها المهنية المتميزة، وتعدد ألوان طيفها السياسي الذي لا يفسد لود أعضائها قضية. يؤكد ذلك قول الصحافي محمد المكي أحمد: كانت فترة قيادة الأستاذ عبد المنعم المكي “للجالية السودانية في الدوحة من أكثر فترات الجالية استقرارًا وتميزًا. كان يدرك بعقله، ووعيه، وسماحة نفسه أنَّ الجالية مظلة للجميع من دون أية تصنيفات سياسية ضيقة”. كما كان يؤمن بديمقراطية العمل الاجتماعي، وتشهد على ذلك إحدى مقالاته التي نشرها في نقطة ضوئه الساطعة بصحيفة الراية القطرية، بعنوان “انتخابات الجالية …

ومهام المرحلة”. وجاء في أحد مقاطع ذلك المقال النابضة بالوفاء: “نكتب اليوم وانتخابات أعضاء الجالية في مراحلها النهائية. فلقد سعدتُ بزيارة مركز الانتخابات مرتين، الأولى للتسجيل، والثانية للاقتراع، حيث لمستُ جوّاً من الثقة، والتعاون، والانضباط، يسود المكان، دليلاً على الوعي والتحضر. ولابد من الإشادة بلجنة الإشراف العليا، ورئيسها الأستاذ أمين سعد. هذه اللجنة التي عملت بتعاون تام مع السفارة، بحضور الأستاذ محمد الحسن، الذي أدى مهمته، كقنصل يرعى شؤون الجميع، بصبر واقتدار. ولاشك في أن لجان الروابط والأشراف والمراقبة والمتابعة كلها كانت على درجة من الوعي والمعرفة، مما سهل استكمال مراحل الانتخابات عن نحو مُشرَّف. وإننا إذ نهيئ الأعضاء الجدد على نيلهم ثقة فئاتهم، فإننا نثق أنهم يدركون واجبهم القومي المتمثل في تأكيد روح التعاون مع السفارة التي لم يفوِّت سعادة السفير إبراهيم فقيري فرصة إلاَّ ودعا إلى الوحدة، والتكاتف، والتضامن، كما أكَّد سماحة وعدالة تعاونه مع الجميع دون تميز أو محاباة.

” لعمري! أنَّ هذا النصَّ يكتنز قيمة معيارية مهمة، يتشكل بُعدها الأفقي في ممارسة أعضاء الجالية لاختيار ممثليهم بطريقة ديمقراطية وأسلوب حضاري، وبُعدها الرأسي في رعاية طاقم الجالية لمبدأ الحياد والشفافية في الإشراف والرقابة على الإجراءات التحضيرية للانتخابات، وبُعدها المرجعي في الدستور الذي ينظم تلك الإجراءات التحضيرية، ويرعى الحقوق والواجبات المناطة بأعضاء الجالية. ولترشيد هذه العلاقة الثلاثية، كتب الأستاذ عبد المنعم المكي خطاباً إلى الأستاذ عمر حيدر، سفير السُّودان بدولة قطر بتاريخ 22 يونيو 2006م، مقترحاً حزمة من المبادئ العامَّة التي كان يرى أنها ستُسهم في صون عمل الجالية، ونذكرها نصاً للتذكير والاقتداء:

أولاً: “إقرار أن يتم اختيار أعضاء الجالية من أشخاص يكون في مقدورهم تقديم ما يفيد مجموعة السُّودانيين.

ثانياً: أن ينبذ أي توجه سياسي، وأن تكون الجالية مكاناً للقاء الجميع ولخدمة الجميع.

ثالثاً: أن ترتفع كل الفئات عن النعرات الضيقة، وأن تتوجه في اختيار ممثليها من أهل الدراية والاستقلال في الرأي.

رابعاً: أن يكون الاختيار من جيل يقدر على العمل والعطاء.

خامساً: ربما يكون من المناسب أن يعدل دستور الجالية، بما يسمح بتكوين مجلس للحكماء، يعاون أعضاء الجالية فيما يَشْكل لديهم من صعوبات، أو يلتمسون لديه النصح.

سادساً: أنني غير سعيد لأي نشاط سياسي للأحزاب والجماعات في بلد كريم مضياف، ربما لا يكون مرتاحاً لهذا التوجه. وعلى الذين يرغبون في ذلك أن يقرروا الوسائل والمكان والزمان المناسب. ذلك أن هذا العمل- داخل الدولة هنا- قد يثير حفيظة الآخرين، ويخلق جواً من النفور والأزمات.”

آمل أن تكون هذه المؤشرات نقطة انطلاق لسفير السودان الجديد لدى دولة قطر سعادة الأستاذ عبد الرحيم الصديق، ليعيد للجالية السودانية سيرتها الأولى في ضوء القيم المعيارية التي حملها خطاب الراحل عبد المنعم المكي، والتي يمكن أن تحكم العلاقة التلازمية بين المحورين الرسمي والشعبي، والمحور المرجعي الثالث (الدستور/ النظام الأساس)، وتوضح أهمية الدور الرسمي في إرساء دعائم الديمقراطية، والحفاظ على المرجعية الدستورية. ويتضح من هذا العرض أن الهدف المقصدي للأستاذ المكي كان يتبلور في ترسيخ دور السفارة الداعي للوحدة، والتكاتف، والتضامن بين أبناء الجالية السُّودانية؛ لأن وحدتهم تضيف رصيداً إيجابياً إلى كل الأطراف، وتصب في معين رصيد نخبهم المهنية المبدعة. وكل ذلك يمكن أن يُوظف لصالح السفارة السُّودانية في دولة قطر، والجالية السُّودانية الرعاية لشؤون المغتربين، والقضايا القومية التي تهم أبناء السُّودان في المهجر، بعيداً عن الصراعات القطاعية الضيقة، وإسقاطاتها السالبة التي تؤثر سلباً على كل أبناء السُّودان، وأغلبتهم غير الحزبية.

ومن زاوية أخرى كان الأستاذ عبد المنعم المكي من أوائل الداعين لقيام مركز ثقافي سوداني في الدوحة، يكون مقراً دائماً للجالية السودانية وأنشطتها الثقافية والاجتماعية. ويبدو أن العمل في بناء المركز قد تعثر بعض الشيء بعد أن صادقت الحكومة القطرية بقطعة الأرض الكائن في منطقة الريان. وبناءً على ذلك، كتب الأستاذ عثمان محجوب مقالاً ، مثمناً فيه جهود الأستاذ عبد المنعم ورفاقه، وحاثاً إياهم على تنفيذ المشروع بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، كما طلب من الأستاذ عبد المنعم شحذه همم السودانيين عبر عموده نقطة ضوء على تنفيذ مشروع المركز في ظل الانفتاح السياسي-النسبي الذي شهده سودان ما بعد نيفاشا. فردَّ عليه الأستاذ عبد المنعم قائلاً: “نشكر الأخ عثمان على متابعته لموضوع المركز الثقافي، وقد كان له شرف المساندة للفكرة عندما طرحناها قبل عدة سنوات، ونحن نقدر دعم الجهات بقطر والسودان لهذه الفكرة الطيبة، والتي من شأنها رفع شأن السودان. أما وإن المطلوب الآن التنفيذ على أرض الواقع، فأنني أقترح تكوين هيئة تأسيسية يوكل إليها التخطيط والتنفيذ بالتعاون مع الجهات الأخرى. ولما كان أمر الثقافة يحتاج لمتخصصين، فأنني اقترح أن يتولى أمر هذه الهيئة الأستاذ عثمان سيدأحمد [البيلي]، ويعاونه الدكتور مصطفى المبارك، وكثيرون غيرهم من أصحاب الكفاءات…. لكن حتى لا يبتعد التفكر عن الجوانب العملية فإن من شأن هؤلاء الإخوة أن يبادروا بضم الكفاءات الأخرى المناسبة لذلك. وإن الأمر تكليف هام وعاجل، ونحن نعلم حرص سعادة السفير واهتمامه أن يرى هذا الصرح المشرق [النور]، وقد اكتملت له كل عناصر النجاح.” الآن فكرة الأستاذ عبد المنعم قد رأت النور، واكتمل صرح المركز الثقافي وافتتاحه عام 2007م؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل المركز يقوم الآن بالدور الذي تصوره له جيل المؤسسين، أم الأمر يحتاج إلى مراجعات، ترتقي بالمركز إلى مصافي الدور المناط به؟ الأمر متروك لأهل الفطنة والزَّكَانَة من أبناء الجالية السودانية وسفير السودان الجديد.

كان الأستاذ عبد المنعم المكي يهتم بتعليم أبناء الجالية السودانية، ويدرك بأن تعليم الأبناء هو أغلى وأفضل وأنبل استثمار، ولذلك أضحى يأخذ حيزاً كبيراً ومتعاظماً من اهتمام الأسر المقيمة في دولة قطر وغيرها، والتي تنفق المال والجهد والاهتمام والرعاية ليحصل ابناؤهم على درجات تؤهلهم لمزيد من التعليم والتخصص. ولذلك عندما كان رئيساً لجنة التعليم بدول الخليج أجهد نفسه في الحوارات مع العميد يوسف بدري، مدير كلية الأحفاد الجامعية آنذاك والبروفيسور ميرغني حمور، مدير جامعة الجزيرة، لتحديد نسب قبول أبناء المغتربين في الجامعات السودانية. وفي هذا يقول: “إن قضية التعليم كانت ولا تزال من صميم اهتماماتنا، وأذكر بالخير والعرفان جهود البروفيسور ميرغني حمور عندما دعم وجهة نظرنا خلال فبراير 1989م، وجاهد أن يرفع الظلم عن أبناء العاملين بالخارج، وقدم اقتراحاً من جامعة الجزيرة لاستيعاب الطلاب طالما توفرت لديهم المستويات التعليمية المطلوبة.”
وإلى جانب ذلك ظل الأستاذ عبد المنعم يحتفى بنجاحات أبناء المغتربين في عموده نقطة ضوء، ونذكر على سبيل المثال عندما أحزرت الطالبة ميساء عبد الحفيظ محمد الحسن نجاحاً باهراً، كتب قائلاً: “اليوم نحتفل نحن أبناء السودان بابنتنا ميساء عبد الحفيظ محمد الحسن الطالبة بمدرسة آمنة بنت وهب لحصولها على الترتيب الأول في الشهادة الثانوية. فقد وضعت على رؤوسنا تيجاناً مرصعة بالفخار والعز والشموخ. وأكدت تميزنا. ولا بأس بالتذكير أن هذه الريادة ليست جديدة علينا، ذلك أن سجل الفخار والتميز قد شمل من أوائل الشهادات خلال فترات متعاقبة، وضم أمل تاج السر، وخالد محمد أحمد عبد الرحمن، وهند يوسف ترير، وأريج مجذوب بابكر، وسوالين هاشم عبد اللطيف وغيرهم، مما لا تسعفني الذاكرة على حصر أسمائهم، ولكنهم كوكبة رائعة، عطروا أيامنا ومنازلنا ببهجة النجاح. وإذا كان الفرح قد عمَّ الجميع وهم يتناقلون تفوق ميساء، فإنَّ فرحتي مزدوجة، ذلك أنني تشرفت برئاسة لجنة التعليم لدول الخليج في وقت عصيب وشاق، وأحسست بمرارة الأسر، وهي تكابد كي يواصل أبناؤها التعليم الجامعي. هذا التجربة الشخصية هي التي عمَّقت إحساسي بحلاوة النجاح، والذي استأثر على مشاعري في زاوية اليوم رغم هموم الوطن والمواطن.”

هكذا كان الأستاذ عبد المنعم يفرح بأفراح الجالية السودانية في دولة قطر، ويحزن لأتراحها. والدليل على ذلك نعيه الحزين إلى زميله الأستاذ جعفر حسن عباس، بتاريخ 18نوفمبر 2006م، حيث كتب قائلاً: “في رحاب الله …. جعفر أبا وضاح

كان يوم السبت قد أسدل حزنه على جموع السودانيين. فقد تجمعوا داخل وخارج منزل عهدناه دائماً منزلاً للضيوف، وبيت الندوة والفكر، منزل يحج إليه من يحتاج إلى سكينة البال أو قضاء حوائج الدنيا، أو الباحث عن الرأي السديد، أو التوجيه الصائب. توفي جعفر حسن عباس، رجل القانون، الذي لم يمتهن العدالة كمدخل للمال أو السلطان، بل حرصاً منه على إشباع رغبة الحرص على الوقوف إلى جانب الملهوف والضعيف، وقناعة منه للمشاركة الفاعلة في تطوير مفاهيم المجتمع، والأخذ برفعته إلى الدرجات العليا من الرفعة السؤدد.” رحم الله أبا وضاحاً وغفر له، وأثاب أبا أحمداً (عبد المنعم) بجزيل ثوابه ومغفرته.

هذه مجرد شذرات من سيرة الأستاذ عبد المنعم المكي الذي فقدناه في يوم ثلاثاء حزين، حيث أرتحل عنا في صمتٍ، بعد معاناة طويلة مع المرض، ورحل يحمل معه ذكريات ممتدة وخبرات متنوعة. تبدأ بمسقط رأسه بقرية بقنتي، عند منحنى النيل بالولاية الشمالية. تلك القرية التي كانت تقوم حياة أهلها على البساطة، وتكافل المعاش، وتواصل الأرحام الذي يبسط الرزق ويمد العمر بالصحة. بدأ عبد المنعم المكي مسيرته التعليمية بمدرسة كورتي الأولية، ثم مدرسة القُولد الوسطى، ثم مدرسة وادي سيدنا الثانوية. وبعدها آثر الهجرة إلى قاهرة المعز، حيث درس القانون في جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقاً). وبعد تخرجه عاد إلى السودان في خمسينيات القرن العشرين، حيث بدأ حياته العملية بمكتب المحامي أمين قرنفلي بالخرطوم، وبعد انقضاء فترة التدريب فتح مكتباً للمحاماة باسمه في الخرطوم. وفي سبعينيات القرن العشرين هاجر إلى الجماهيرية الليبية، وعمل مستشاراً قانونياً لشركة النفط الليبية، وفي بداية الثمانينيات حط رحاله بالدوحة، حيث عمل مستشاراً قانونياً بشركة قطر للبترول، ثم مؤسسة قطر التعليمية.

كان الأستاذ عبد المنعم يحتفي بكل الزمالات والصداقات والمعارف التي أسسها على طول مسار حياته الممتد، وظل يكنّ لها وداً واحتراماً مستداماً ومتبادلاً مع الآخرين. ويتجلى ذلك في قول الأديب الراحل الطيب صالح “تركتُ قطر أواخر عام ثمانين. أحسست أن مهمتي قد انتهت، وعليَّ أن أبدل أرضاً بأرضٍ، وأفقاً بأفقٍ. وأشهد أنني لم أفارقهم عن قلبي، ولا هم فرّطوا فيَّ عن ملالةٍ. وإنما هو ذلك الداء القديم الذي عكّر على أبي الطيب صفوه، داءُ الرحيل.” وفي مناخ الدوحة البديع، عشتُ “في كنف إخوتي وأصدقائي بشير محمد صالح، وعبد المنعم المكي، وعثمان سيدأحمد، وإبراهيم الصلحي”. فلا عجب في أن كل هؤلاء المضيئون كالنجوم، واللامعون كالأحجار الكريمة قد رحلوا عند هذه الدنيا الفانية، بعد أن تركوا بصماتهم واضحة في المجتمعات التي عاشوا بين ظهرانيها. فالأستاذ عبد المنعم من هؤلاء الأفاضل الذين فيهم نُعزي وفيهم نُعزى. نُعزي أهلنا القولداب بقنتي، وآل العمدة سليمان ود جانقبة بكوري، وآل طمبل بأمدرمان؛ ونُعزي أرملة الفقيد المكلومة ماريا طمبل، وابناءه الحَزَانى المهندس أحمد، والدكتورة طاهرة، والدكتور طلال، والدكتور أمجد، وصهرهم الدكتور عبد الرحمن دقق؛ وكما نعزي أبناء وبنات الجالية السودانية بدولة قطر. و نسأل الله العلي القدير أن يجعل الأستاذ عبد المنعم ود عبد الله ود المكي ود مسيكة بنت سليمان جانقبة من أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ، وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ. ويكرمه بجنة الفردوس الأعلى مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ويغرس البركة في ذريته وعقبه، ويلزم آله الصبر الجميل والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*