تشييع الإمام … ضربة موجعة في “الانكل”

  • 30 نوفمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

عادل عبد الرحمن عمر

                                   -١-

كورونا حبست حشوداً ضخمة من وداع الإمام، رغم عن ذلك فاضت سوح أم درمان عن سعتها لمقابلة التزاحم البشري العفوي، لا أظن أن كل هذه الانفاس تنتمي إلى طائفة الأنصار وحزب الأمه، بل تتجاوزها إلى كثير من الفئات المجتمع السوداني الواسع العريض، ليرسل بهذا الإجماع رسائل بالغة الأهمية لجهات كثيرة في هذا وقت حساس

                             -٢-

لا أُضيف على كُتّاب كُثر تناولوا الفقد العظيم من وجهات نظر مختلفة لكن أركز على تلك الجنازة الضخمة في معانيها وأسرارها.

أنا في شرخ الصبا، أسكن في منزل لا يفصلني من سكن السيد الصادق إلا خطوات معدودة في شارع “الدوما” الشهير بأمدرمان، حيث يبدأ الشارع بمنزل الراحل الصادق عبدالله عبد الماجد، مروراً بمنازل آل “شاخور” القطب المريخي الكبير، ويتوسطه منزل الإمام، حيث كانت تسكن السيدة “حفية” زوجته، وينتهي هذا الشارع المزدحم بمشاهير الشعراء والمجتمع و السياسة بمنزل الراحل مولانا دفع الله الحاج يوسف، شارع واحد في أمدرمان يحتوي على كل الزخم من النسب الرفيع إلى العبقرية في الفن و الشعر والطرفة اللاذعة، حيث يوجد منزل الراحل موسى ود نفاش.

                                -٣-

رأينا الامام من صبانا الباكر، وشهدنا أحداث الاعتداء على مسجد الأنصار، ومن ثم أحداث يوليو ١٩٧٦م، ونحن في مرحلة الثانوية العامة.

كل هذا الزمان كان الإمام يشبه مزاج الناس السودانيين من اعتدال ووسطية ونفور مطّرد من التطرف والعدوان، رغم مرارة الظلم في كثير من الأحيان، تسامح نبيل يفوق الوصف، هذا ما عهدناه من الإمام الصادق، وهذا بعض ما أتى إليه للناس في مثواه الأخير، حيث رحل من الدنيا الفانية والبلاد أشد حوجه إلى تجربته وخبرته وسماحته ومعالجته للقضايا.

                             -٤-

بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٩ انتمى حزب الامة إلى قوى الحرية والتغيير، التي جمعت طائفة واسعة من أحزاب اليسار التي لا وجود لها في الشارع السوداني، فكانت كفة الإمام هي الأثقل، بينما كانت كفة أحزاب اليسار هي الأنشط في تدمير الشعارات الثورية ” حرية، سلام، وعدالة”.

بعد الانهيار الكارثي لحكومة الثورة وفشل معالجتها الاقتصادية والخدمية بشكل مريع غير الضرر المتعمد لأحزاب اليسار في نفث سموم الكراهية والتفشي، لم يتحمل الامام تلك الطريقة الفظة لبناء الأمم، وتصحيح الرؤيا لمشروع وطني جديد.

                               -٥-

من الأقوال المشهورة للراحل الإمام “منْ فش غبينتو خرّب مدينتو” هذه الرؤية التي تحقق العدالة أفسدتها بعض قوى الحرية والتغيير، فأورثوا فترة الانتقال حتى اللحظة تدمير ممنهج للحياة الاجتماعية السودانية، ومحاولة استثنائية لتكسير قيّم سودانية مثال علاقة الجار، واحترام الكبير، والعطف على الصغير، واحتواء الفتيات من غير تطاول، و الحفاظ على خفرهن من غير حرج أو جرح.

                                -٦-

طائفة كبيرة من الناس التي خرجت لوداع الامام… جزعين بلهفة بالغة على ضياع تلك القيّم، ومجموعة الاخلاق التي امتاز بها كثير من السودانيين.

ثمة رسالة أخرى من تشييع الإمام، وهي أن جذر الاسلام ضارب في التربة السودانية عميقاً وأصيلا ًوراسخاً رغم كل الهجمات ومحاولات الهدم، فالقباب والمساجد والخلاوي والزوايا منتشرة مثل التراب، ورمل الصحاري والنخيل والنيل.

                              -أخيراً-

لم يترك الراحل الصادق الشباب في مفترق الطريق لوحدهم لليسار يحشوهم باسم الثورة بالحقد والكراهية، فالجموع الحاشدة التي ودعت الإمام لمثواه الاخير أرسلت رسالة مهمة أنهم اقسموا بقوة لبرنامج الاعتدال والوسطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*