علمانية الحلو المرفوضة (٢ )

علمانية الحلو المرفوضة (٢ )
  • 02 يونيو 2021
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

قبل أن تنطلق مفاوضات السلام مع الحلو انتشرت في الأسافير بيانات وتصريحات الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقية جوبا للسلام وهي تشكو عدم تطبيق بنود الاتفاق وخاصة بند الترتيبات الامنية، هذا الفشل الذي بدأ يظهر في هذا الملف يرسل رسائل غير مبشرة للتفاوض مع الحلو، كما يثبت حديث كثير من الأحزاب السياسية وعلى رأسها الأمة والشيوعي والذين قالوا بالفم المليان أيام التفاوض في جوبا بأن هذه الحوارات لن تقود إلى سلام، وأنها مجرد اتفاقيات ثنائية تشبه اتفاقيات الانقاذ، وأن الحل في مؤتمر جامع للسلام لعلاج جميع مشاكل الحرب دفعة واحدة وبوجود الجميع اهتداءا بوحدة الشعب السوداني في ثورة ديسمبر واعترافا لسيادة الشعب، ولكن لم يسمعهم احد.

حركة عبدالواحد محمد نور قدمت مقترحا مشابها بالدعوة لانعقاد مؤتمر للسلام في الخرطوم بحضور الجميع، من أجل مخاطبة جذور المشكل السوداني بين السودانيين جميعا وداخل السودان، ولكن صيت مبادرتهم ذهب ادراج الرياح، ولا أعلم هل مازالت حركة عبدالواحد متمسكة بهذا الطرح ام انها تستعد لحوار ثنائي مع الحكومة الانتقالية شبيه بما حدث في جوبا مع الجبهة الثورية ويحدث الآن مع الحلو، لتنضم الى ركب الاتفاقيات الثنائية التي لا يعلم احد كيف سيتم تركيبها في بعضها البعض في الحكم وكيف (تحوق) فيهم جميعا كيكة السلطة والثروة في ظل وضع اقتصادي يشكو فيه المواطن لطوب الارض من الفقر والجوع، وهو ما سيغرقهم في نهاية المطاف في مجرد حوارات ثنائية غير مجمع على مخرجاتها ومسارها معروف ومحفوظ للشعب منذ عهد الانقاذ: (مفاوضات ثنائية، ثم اتفاق سلام، ثم تقاسم الكيكة، ثم الخلافات، ثم تجدد الحرب، ثم تدور الدائرة الجهنمية نفسها من جديد بعد حين سواء مع حكم شمولي او ديمقراطي لا يفرق مع الحركات فهي حركات حرب وليس حركات بناء وطن، والشعب هو الوحيد الذي يدفع الثمن.

الحوار الذي يدور الآن في جوبا لا توجد فيه القوى السياسية صاحبة الأغلبية الجماهيرية والمتوقع سيطرتها على الحكم الانتخابي في المستقبل (الامة، الاتحادي، الاسلاميين)، بل حتى الحزب الشيوعي رابع الأعمدة التاريخية غير موجود في هذا الحوار، كما لا توجد فيه قواعد وقوى المجتمع التقليدي والحديث (الإدارات الاهلية، القوى الصوفية، النقابات المنتخبة)، هذا الحوار مجرد حوار ثنائي بين حركة مسلحة وحكومة ظرفية طارئة ومؤقتة، فكيف يناقشون قضايا الوطن العليا؟! من أين جاءهم التفويض؟ سؤال التفويض هذا ليس سؤالا عبثيا وإنما سؤالا مصيريا، الذي لا يملك تفويضا جماهيريا عبر صندوق الانتخابات فهو غير جدير بتمثيل الشعب، غير جدير بمناقشة قضايا دستورية على مستوى عالي من الحساسية، وإن فعل فهو مجرد مختطف لحق الشعب ومزور لإرادته. 

القضايا العليا مصيرها الدستور، والدستور لا يكتب في مفاوضات سلام ثنائية بين حركة مسلحة وحكومة انتقالية، وإنما تعقد له هيئة تأسيسية ينتخب فيها ممثلين عن كل مكونات المجتمع السياسية والمجتمعية، مما يجعل التوافق حول بنوده عظيما وشاملا، فالدستور غير المتوافق حوله هو مجرد ورقة بلا قيمة سيتم رميها في اقرب زبالة عند اول تغيير منتخب، لذلك على وفد الحكومة الانتقالية وهو وفد ناقص التفويض غير منتخب وغير مسنود بمجلس تشريعي ان لا يتخطى حدوده، وأن يحيل قضايا الهوية والدستور الحساسة من قبيل العلمانية والمناهج إلى المؤتمر الدستوري، ودعوة هذه الحركات نفسها للمشاركة فيه، ليكون لهذا المؤتمر القول الفصل الواجب احترامه من الجميع.

يوسف السندي
sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.