سِيتِيزِين .. بَنِي كَجة

  • 06 سبتمبر 2021
  • لا توجد تعليقات

تاج السر الملك


وفدت إلى الولايات المتحدة، ضمن أفواج اللاجئين، قادمة من بلد أفريقي شقيق، إمرأة في منتصف العمر، ولمّا يزل في شمع حسنها و أنوثتها ذُبالة، مُنحت اللجوء، هي وإبنتيها و إبن بِكر، إستقرّ بهم المَقام حين نفذت أيام الدهشة الأولى، ففاجأتها فواتير المقام المستحقّة السّداد تباعاً، دفعت بالبنيات والولد إلى الجامعات والمدارس العليا، وشمّرت عن ساعد أفريقي يرفض التبطّل والعطالة، ومدت أياد تعف عن التسول وذلّه، عملت على طهي الطعام وبيعه، أعدّت القهوة و الشاي، فعادها و(زابَنَها) أبناء بلدها، يتمطّقون بما تصنع أياديها البيض، ويؤتونها فوق ما تطلب (البقشيش)، كبر العيال ومضت الحياة، برغم شقوتها، أفضل حالا،ً من الحياة في البلد البعيد، عدا أنها رتيبة، وبلا طعم، في أحايين كثيرة ، تبدأ بالعمل، وتنتهي بالعمل، وفي عطلة نهاية الأسبوع، يخرج الإبن و البنتين، لملاقاة أصدقائهم، فتبقى وحيدة، أسيرة الحوائط، ونوافذ الزجاج السميك، لا جار يؤنس وحشتها، ولا برامج التلفاز، التي لا تشبه في ألغاز اللغة الجديدة، ما اعتادت عليه، حنت إلى دفء العواطف، وشهدت في المرآة، شبابها يذوي، وسحرها يتبدد، وتأسّفت على جسدها، يناضل في صبر وعناد، لا يعترف معهما، بزهد في الحياة، يتوق إلى يد تذيب ثلوج السطح، حتى تدرك غور النار، التي ترقد ساكنة في أطواءه.
ثم جاء اليوم الذي ظهر فيه عامل الصيانة (جو).
فارع، (واثق الخطوة يمشي ملكا)، فتحت له أبواب عزلتها، فولجها مثل فارس أسطوري، فرغ من عمله، واصلح المواسير، وحينما هم بالمغادرة، إستبقته للطعام، فاستحسن الطعام، وقال مممم، فالأمريكيون يعجبون باى طعام كان، ما عوافين وكده، وسقته القهوة، فانتشى وتهلل، وبعد زمن من التزاور، ومزابنة الطعام، ألفته وألفها، وتطور الأمر بينهما، حتى أدركا فصل (شمالك يا راغي… يمينك يا راغي)، فقام ( جو) بكسر (البلية)، ومن يومها، وهو زائر دائم، يؤانسها كلما خلت إلى نفسها، تنفست فيه، شوقها وحنينها، إلى حياة قضت عليها، قسوة الكفاح وغلظة المنافحة، تآلفت شجيراتهما، فأخصب تربتها، أتاها بالهدايا والتذكارات الصغيرة العذبة، أخذها في شاحنته (الدودج) العتيقة، إلى حيث ينبت الشجر، وتتلون الأزاهير، ويجري الماء، مثلما جرى في (الدناكل).
ثم جاء يوم، أصابها فيه إعياء وغثيان، جزعت البنيات، فأخذها الصبي البكر، إلى الطبيب، وجلس ينتظر نتيجة الكشف في عصبية وقلق، يا حاجة، تكوني أتعبتي روحك في الشغل، وقبيل أن يبلغ القلق، غايته ومنتهاه ، إستعاد الصبي فرحته، حينما أتاه الطبيب متهللا:
مبروك، الوالدة حامل!!!
ضحك الصبي في سره، على سذاجة الطبيب، الذي أكد له، ما يقوله الناس، عن غباء الأطباء في أمريكا، ما انقضى النهار، إلا وكان قد طاف بها مع إخواته، على كل أجناس الأطباء، صينيون وأفغان، طالبان وغير طالبان، شوام ، طوارق ، فيليبينيون
ونتيجة التشخيص واحدة

الوالدة حامل…مبروك.
عادوا جميعهم، بقلب كسير وحرج عظيم، تباكوا من الحيرة والحسرة، ومن خوف فضيحة، أجمعوا أمرهم وعادوا إلى سرير الوالدة، المنطرحة من إعياء، وبصوت واحد هتفوا، في أذنها الطرشاء:
ماما، ما عندك طريقة غير تنزلي الجنا ده
سكتت الأم فترة مضت في بطئها مثل دهر من الصوم
ثم وبصوت رقيق، يائس، ملىء بشوق، وقلق، وعنت، وتوسل أجابت:
يا اخوانا الزول كان الله أداه (سيتيزن) بعد العمر ده، يرميهو كيف؟

التعليقات مغلقة.