محمد خان نجح في محاكمة “السلطة والمجتمع”

الحريف: “ملعون أبو الفقر”

  • 03 نوفمبر 2017
  • لا توجد تعليقات


محمد خان

“ملعون أبو الفقر” جملة ترد على لسان “فارس” بطل فيلم (الحريف) للنجم المصري عادل إمام. جملة مخنوقة، تخرج في لحظة تأمل مأساوي وتُنطق وكأنها “منولوج داخلي” زاحم صدر المتكلم حتى يعانق العلن. في هذا الفيلم يُقدم (الفقر) في شكل صور مبعثرة تبدو ظاهريا كأنها في غير ترابط، أو كأن الإتيان بها لم يكن مقصوداً في حد ذاته إنما أوجدته مقتضيات على هامش تسلسل الحدث الفيلمي، وهنا – في رأيي – تكمن عبقرية المخرج محمد خان، إذ إن المشاهدة الأولية للفيلم ستحيل مباشرة إلى حكاية لاعب كرة القدم في الملاعب الشعبية “فارس” ومشكلاته الحياتية المتأزمة مع زوجته، وفي مقر عمله، ومع سماسرة الكرة، مشكلان قد تجد تفسيرها في طبيعة الشخصية الإشكالية لفارس نفسه. هذا وجه أولي للفيلم – حدوتة فارس – بينما يمثل الفقر الوجه الآخر الأكثر عمقاً وغوراً ومعنى.

تتخلق جملة “ملعون أبو الفقر” في لحظة ذروة تراجيدية من مسار أحداث الفيلم، وهي تلك التي يسهم فيها “فارس” في إنقاذ أسرة جاره من تهديده بقتلهم بعد اتهامه بقتل جارتهم العجوز بهدف السرقة؛ يتنفس “فارس” جملته التلخيصية وهو في مواجهة أسرة جاره المذعورة “الأم وطفلاها”، وهي ذات اللحظة التي يقفز خلالها الجار من أعلى العمارة منتحراً بعد أن حاصرته الشرطة، وأصبح أمر القبض عليه مسألة وقت ليس أكثر. لم ترد مفردة “الفقر” بذات الحمولة المكثفة مرة أخرى في حوارات الفيلم وإلى نهايته، لكنها ظهرت مبعثرة ومضمنة – كصورة و(ثيمة) – في كل مشهد من مشاهد الفيلم، تؤكد ذات المضمون وتدفع بذات اللعنة.

بذكاء مخرج عبقري يستعرض المخرج محمد خان وقائع الفقر في إحدى الحارات المصرية، ودون توجيه إدانات ميلودرامية مكشوفة ينجح في محاكمة “السلطة والمجتمع” للذين يسهمان على الدوام في إنماء وتفريخ الفقر، وربما حتى رعايته كى يظل (حالة) ثابتة يدور في مدارها الفقراء إلى أبد الأبدين. فالتفكك الأسري، والعنف الأسري، والجرائم الصغيرة التافهة التي تقود إلى جرائم كبرى مثل القتل، واستغلال الفاسدين لظروف البسطاء وحاجتهم، والتدافع الاستهلاكي الذي يجر الكل صوب “التحلل”؛ كل هذا نجد تفسيره في هذا الفقر، الملعون.

الموسيقى التصويرية في هذا الفيلم واحدة من إشراقات السينما المصرية، فعلى الرغم من أنها تتداخل بشكل متقطع وخافت في كثير من مشاهد فيلم (الحريف) وذلك لعلو الواقعية السمعية المنتهجة في الإخراج، إلا أنها في هذه الدخولات القصيرة تغذي مفاصل الفيلم بمعاني شجنية نادرة تتطابق تماما مع البعد “التبصيري” الذي أراده المخرج العظيم محمد خان.
فيلم الحريف، من إنتاج 1983، إخراج محمد خان، وبطولة عادل إمام ونجاح الموجي وفردوس عبدالحميد. التصوير لمحمد الشيمي، والموسيقى للموسيقار هاني شنودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*