ماذا فعل المتأسلمون بإرثنا الحضاري؟

  • 13 سبتمبر 2018
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي إبراهيم

الغابة والصحراء نموذجا

بعد استيلائهم على الدولة السودانية عن طريق الانقلاب استولى المتأسلمون ليس فقط على ذهب البلاد ونفطها وما يدخل خزائنها من ضرائب ومكوس بل كان بين غنائمهم تراثها الفكري والفني الذي شاده مفكروها ومبدعوها في مرحلة ما بعد الاستقلال، وهو تراث شديد الغنى والتنوع شمل كل جوانب الحياة العصرية الجديدة من صحف وإذاعة وتلفزة وفنون في المعمار وتخطيط المدن وتوسيعها ونظم الادارة، كما شمل الجوانب الفكرية حيث بحثت الاجيال الجديدة في تاريخها فنقحته قدر المستطاع، ونشرت مآثرها الوطنية وسير رجالاتها ونظر ساستها واقتصادييها في وسائل تنمية مقدراتها، والافادة منها في تقدم الشعب و”ترفيه عيشه” كما يقول العطبراوي.

ومع ذلك وبعد أكثر من ربع قرن من حكمهم الغليظ لم يتغير الإطار العام للحياة على النحو الذي خططوا لفرضه على البلاد لإعادة صياغتها باسم المشروع الحضاري، ورغم التعديلات القاسية التي نجحوا في فرضها، فإن السودان ظل في مجمله شديد الشبه بالسودان القديم.

صحيح انهم مثل بقية رفاقهم في العالم المسلم شنوا حرباً بشعة على النساء اطاحت بالكثير من آمالهن في الحرية والمساواة، وصحيح انهم أغلقلوا ابواب الاجتهاد في المسائل الدينية، وعلقوا على المشنقة إمام التجديد والاجتهاد في السودان الشيخ محمود محمد طه، وقلصوا مساحة السودان من أكبر دول القارة إلى واحد من أقلها شأنا في موازين القوى وأكثرها هواناً على الناس، وعلى بشاعة تلك الخطايا وهولها لم يكتفوا بها ومدوا ايديهم إلى تراثنا الفكري بالتشويه والتحريف خاصة وقد آلت اليهم كل منابر النشر الثقافي في البلاد، بما في ذلك نتاجات التطور الرقمي التي مكنت متموليهم من امتلاك محطات التلفزة ومحطات الاذاعة وغزو شبكة الانترنت العالمية بما ينتجون من برامج وحوارات، كما آلت اليهم كودائع كل سجلات تاريخنا فتعرضت للإهمال الشنيع كما هو حادث في دار الوثائق المركزية التي اخذ مقرها بالانهيار، وغير معروف ما حدث لمجموعات الأشرطة والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية المحفوظة لدى مكتبات الإذاعة والتلفزيون، وما تداولته الأقلام والأنباء مؤخراً عن مصير وحدة افلام السودان التي يقوم على خدمتها موظفان شيخان في منزل قديم خرب بامدرمان، ويستغيثان باسمها في كل الاتجاهات ولا مغيث، ثم هنالك تراثنا القانوني الذي تضافرت خيرة العقول الحقوقية على رصده وتسجيله وصقله وإفراغه في القوالب الحديثة، وسهرت مجلتنا القانونية ومكتبها الفني على تدوينه وجمع سوابقه القضائية، ثم جاء حكم المتأسلمين ليشطبه ويلغيه من الوجود بجرة قلم، ويستبدله بأقوال فقهاء القرون الوسطى وقضاتها دون تحديد لنظام وقواعد ذلك الإبدال والإحلال، وفي تلك الفوضى الجائحة ضاعت تلك الجهود التي قامت بها محاكمنا وباحثونا في استنطاق تجربة الشعب وحكمته، فجمعوا وحللوا أعرافنا التي حكمت قوانين الأراضي الزراعية في بلادنا، وعرفتنا على مفاهيم المرن والقصاد والشكل القانوني السوداني لحقوق الارتفاق والشفعة، وما ينظم الوصول الى الماء في أعراف شعبنا المتوارثة. والواقع أن الاغتراب القانوني أو غربة الفكر عن الواقع هو ما أوصلنا إليه المتأسلمون حين افترضوا أن أبو يوسف وأبو ثور أقرب إلى وجداننا القانوني مما أبدعه أو قضى به أبو رنات ورصفاؤه من اهل النظر.

كل ذلك قضايا غاية في الاهمية وذكرها على وجه الإجمال لا يعني تقديم مسائل الهوية عليها، وكل ما هنالك أنها تحتاج إلى البحث المتخصص العميق، بينما قضايا الهوية مشاعة ومبذولة للجميع، ومن الصعب العثور على قلم سوداني لم يخض فيها على نحو من الانحاء وقد اخترناها مثالاً افتتاحياً لذلك الاعتبار دون سواه، واختصصنا الغابة والصحراء لكونها أولى وأقدم جهود الباحثين السودانيين في قضايا الهوية، وأحببنا أن نوضح بمثالها بعض ما أصاب تلك الجهود من التحريف والاستغلال .

حركة الغابة والصحراء في أصلها محاولة لاستكشاف شجرة نسب الحضارة السودانية إثباتا للإسهام الإفريقي في صنعها دون أن يعني ذلك تأليهاً لها او افتتاناً بتفاصيلها، ولكنها كانت محاولة للعودة إلى الجذور الإفريقية ومظاهرها الأقرب إلى روح العصر من شريكتها العربية التي رأيناها-فيما بعد- تدخل في صراع يائس مع الغرب لتخسر كل الجولات، وتتعرض للتشهير والاستهزاء الذي يبرع فيه الغرب بصورة منفرة .

كانت الحركة الأفروعروبية الأسبق إلى الظهور وابتدار البحث عن الجذور بطريقة تركت كثيراً من ساسة السودان فاغري الأفواه أمام ذلك “الكفر” الجديد الذي يشكك في عروبة السودان وانتمائه المباشر الى طييء وعبس وتميم، وحتى لو كانت الحركة خالية من أي فضيلة أو نفع فلا مجال لإنكار فضيلتها الكبرى في فتح أبواب المناقشة حول جذور السودان الحديث ومسارات انتمائه الحضاري، وكان ذلك بنية سليمة للإفراج عن المشتركات بين الجزء الشمالي بمجموعه والجزء الجنوبي للوطن، ولكن بعض الجهات استكثرت علينا تلك المبادرات فهوجمنا من أكثر من ناحية، ولكن لاضير، فالذي حدث بعد ذلك كان أفدح وأبعد خطراً إذ إن مروجي الأسلمة واعتذارييها اتخذوا من اكتشافنا لسنار تكأة لصبغها بالصبغة الإسلامية بوصفها الرد السوداني على سقوط الأندلس، وهو ضلال لاشك فيه فقراءاتنا في الثقافة السنارية لم يرد فيها دليل واحد أو شبه دليل على أن السناريين سمعوا بالأندلس، أو تأثروا لسقوطها، ناهيك عن قيامهم بإسقاط الدويلات النوبية رداً على الفرنجة في الأندلس، وهو نوع من التهافت الرخيص الذي يؤكد استسهال المتأسلمين للكذب كما يبدي قلة احتفال الفكر العربي بهم وبمزاعمهم بعدم تصديه لهم بالتفنيد، أو مطلق التصحيح، وقد نبغ في تلك الامور واحد منهم اتخذ إفريقيا مسرحاً لمزاعمه الباطلة، فقد اطلق على تيبو- تيب- أكبر النخاسين في إفريقيا -اطلق عليه صفة “المجاهد”، وهو نخاس ينحدر من أب عماني وأم إفريقية وكان الى ذلك من أوائل من أدخلوا الاستعمار إلى قلب القارة، فقد عمل مرشداً لاستانلي في رحلته الشهيرة بحثاً عن الرحالة والمبشر لفنغستون، ولم يجد “المجاهد” الكبير أي غضاضة في التقدم بشكوى ضد ستانلي؛ لأن الأخير قد “ملحه” كما نعبر بلهجتنا السودانية، ولم يدفع له المبالغ المستحقة له نظير إرشاده إلى الطريق إلى لفنجستون، وكان ذلك المجاهد يقتنص ضحاياه من قلب القارة من الكونغو ومنطقة البحيرات الكبرى ويحملهم بأسنان الفيلة، ويجعلهم يمشون راجلين إلى الشاطيء الشرقي لإفريقيا في زنزبار حيث لا تزال موجودة المغارات التي كان يخزن فيها ضحاياه، وهي معروضة لكل زوار الجزيرة للتفرج عليها في موقع يعرف بما يمكن ترجمته من السواحيلية إلى “العرب جوكم”.

وواقع الحال أن الغابة والصحراء او الآفرو عروبية كانت محاولة لموازنة معتدلة بين العنصر والثقافة- بين عنصرنا الإفريقي الذي وسمنا بميسمه الأبدي والثقافة العربية التي أعطتنا لغة لم نجد منها فكاكاً، وعقيدة لم نرفع ضدها أي شكل من أشكال النبذ متمسكين بأن تجاوزاتها مكتفين بقول إنها ليست من الإسلام “الصحيح” في شيء، إلا أنها تحت نظام عربسلامي كهذا الذي يحكمنا اليوم تتخلى عن حدود الاعتدال، وتتحول إلى عمل معادٍ لتطلعاتنا في الوحدة والاندغام في الجسم الإفريقي الواحد الذي مضى يحرز اإجازاته ونجاحاته ورويداً رويداً، راح يضعنا في ذيل قائمة التخلف، ويجردنا من دعاوى القيادة التي كنا ندعيها لأنفسنا، ويفضح المقولة الباكية التي تعللنا بها وهي زعمنا أنه كان بوسعنا أن نكون أفضل الأفارقة فاخترنا أن نكون أسوأ العرب، فالواقع اننا قد صرنا أسوأ الافارقة وأسوأ العرب معاً the worst of the lot ونحن البيضة الخايسة التي تطفو إلى سطح ماء الاختبار، وتظل تطفو سواء اذا أجريت التجربة في شمال خط الاستواء أو في جنوبه.

وبسبب التحريف الذي أدخله المتأسلمون على وضعيتنا الثقافية انصرف معطم القراء والكتاب إلى الموقف المناهض لتلك التحريفات، وقد لحظنا في هذه الأيام إنكارا متواتراً وكاملاً للدور العربي في ثقافتنا، وعداءً واضحاً لكل ما يمت إلى العروبة بصلة، على عكس ما قوبلت به المدرسة الافروعروبية من ترحاب أول ظهورها في السودان، وقبل أن يجري كل ذلك التخليط.

ومن ايامه المشهودة برنامج قدمه أحد الاسلاميين المعروفين مع الفنان الراحل سيد خليفة فأجبره على تحريف اغنيته الشهيرة “يا سقاة الكأس من عهد الرشيد”ليحرفها إلى”رواة الشعر”، وهو تحريف لا يقدم ولايؤخر ويخلو من الذوق، كما يخلو من المعنى، ولكنه يندرج في سياق عام هو سياق التحريف والاعتداء على مقتنياتنا الثقافية، وقد غدا أمراً متواتراً منذ أن صاح صائحهم “الطاغية الأمريكان ليكم تسلحنا” سلخا ًعن قولة المتصوفة السودانيين :”ساداتنا الأوليا بيكم توسلنا” بلحنها وإيقاعها الصوفي المعروف.

و لا يقتصر الأمر على شجرة نسبنا الحضاري وحدها بل يتجاوزها إلى مختلف نواحي حياتنا الفكرية، كالغناء والموسيقى والتشكيل، ونحتاج فيها إلى آراء متخصصين، ولكي لا يتكرر هذا السخف نأمل أن يستعرض كل مختص في مجاله ما تعرضت له الحقيقة من تزوير وتصحيف، وليس هنالك ما هو أفضل من سردها من قبل أهلها والواطئين على جمرها، والصابرين على بلاويها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.