غربا باتجاه الشرق

في سيرة بابكر عوض الله (1-2)

  • 04 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

مصطفى عبد العزيز البطل

(1)
حملت صحيفتنا (السوداني) قبيل ايام، وتحديداً في تاريخ الجمعة السادس والعشرين من مايو الماضي، ربما في مقام الاحتفاء، او قل التفاعل، مع الذكرى الثامنة والأربعين لانقلاب مايو 1969 مقالاً على قدر كبير من الوسامة والدسامة وجلال المخبر، كتبه الاستاذ محمد صالح فقراى، بعنوان (سياحة في انقلاب مايو: بابكر عوض الله يقول: لولا فاروق حمدنا الله لما كانت مايو).

ورد اسم الرائد (فاروق حمدنا الله) مرة واحدة في العنوان وتسع مرات في متن المقال مرسوماً على ذلك النحو. والحقيقة ان الاسم الصحيح للرجل هو (فاروق عثمان حمد الله). وليس (حمدنا الله). وفارق بين حمد الله وحمدنا الله، وإن كان الرسم الاخير للاسم هو الذي شاع عبر الدهور والحقب وعمّ الورق والأسافير. غير أنه لا يصح ان يقال عن أسماء الناس ان الخطأ المشهور منها افضل من الصواب المغمور.  لذا وجب التصحيح، وها نحن ننهض اليه، نروم التنوير ونطلب الأجر.

(2)
يعرّف تاريخ السودان بابكر عوض الله بأنه الرجل الذي تقلد رئاسة السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية على صعيد واحد في مراحل متعاقبة، فكان رئيسا لأول برلمان يعلن من داخله الاستقلال، ثم رئيسا للقضاء، وتولى بعد انقلاب مايو منصب رئيس الوزراء. وفي علم الكافة ان الرجل لعب أدواراً شديدة الوقع واسعة التأثير في مراحل مفصلية خلال الاعوام السبعين الماضية.

شأنه شأن كثير من القادة السوادنة لم يدون الرجل، الذي بلغ في عامنا الحالى من العمر مائة سنة بتمامها وكمالها. اطال الله عمره وبارك فيه، لم يدون مذكراته. في ذات الوقت فإن قليلين من المهتمين بالشأن العام، المشتغلين بالكتابة والتوثيق، كتبوا عن سيرته. من بين هؤلاء المغفور له المؤلف والكاتب والاستاذ الجامعي الدكتور عبد الماجد على بوب، الذي سطر ونشر سلسلة مطولة ثرية في مورد تقويم وتوثيق سيرته حملت عنوان (الصعود والهبوط في سيرة بابكر عوض الله).

ورغم ان المرحوم بوب كان قياديا شيوعيا، وأن بابكر عوض الله كان حليفا للشيوعيين في غالب سني حياته، إلا ان صورة بابكر عوض في تلك السلسلة لم تكن زاهية أبدا. ومن سوء حظه ان المرحوم عبد الماجد بوب كان من الذين يأخذون مهمة الكتابة والتوثيق بحقها، ولا تأخذهم في التأريخ لومة لائم.

وكان بوب قد تناول بالنقد مواقف لبابكر قدّر أنها مناقضة لروح المناصب التي تولى أمانتها، فضلاً عن مواقف سياسية عديدة شاطحة بعد تقلده رئاسة الوزارة عقب انقلاب 1969.

(3)
ولم أقصّر أنا بدوري إذ تعرضت لسيرة بابكر عوض الله في عدد من كتاباتي المنشورة خلال السنوات الماضية وأخذت عليه مآخذ عديدة. من ذلك أنه عند حضور وكيل وزارة الداخلية المصري للخرطوم، بتكليف من رئيس الوزارء زكريا محي الدين، في احدى أعوام الستينات بغرض الالتقاء والمدارسة مع قادة التنظيم الناصري في السودان، كان بابكر عوض الله من ضمن الذين اجتمعوا به بصفته عضوا قياديا في التنظيم، في حين انه كان يشغل وقتها منصب نائب رئيس القضاء.

وقد أزعجني غاية الازعاج أن يقوم قاضٍ يجلس على منصة العدالة، التي تستلزم الحيدة التامة، بالمشاركة فى تأسيس تنظيم سياسي عقائدي وحضور اجتماعات مع مسئولين من دولة اجنبية معلوم انها ترعى مثل هذه التنظيمات بدوافع ومنطلقات استراتيجية تتصل بطموحاتها السياسية الاقليمية ومقتضيات أمنها القومى، وهو أمر يمس فى تقديرنا مساساً مباشراً أمانة القضاء وشرفه كسلطة وطنية سيادية مستقلة.

وقد سجل القيادي العروبي المغفور له شوقي ملاسي في مذكراته ان بابكر عوض الله كان ناشطا سياسيا في حركة الناصريين اثناء اضطلاعه بالتكليف القضائي واستطرد في ذلك وأفاض. وقد ورد مثل ذلك ايضا في مذكرات المغفور له على أبوسن.

(4)
ومن عجائب ما أورد الراحل شوقي ملاسي في مذكراته واقعة مشادة عارمة دارت بين عضو المحكمة العليا القاضى عبد المجيد أمام ونائب رئيس القضاء بابكر عوض الله قبيل انتفاضة اكتوبر 1964. وسبب المشادة ان بابكر عوض الله كان قد ابدى احتقاره لشعب الجنوب أمام عدد من الناس فى حفل دبلوماسى دُعى له، تطرق فيه الموجودون الى معارك القوات المسلحة الدائره عهدئذٍ مع جيش الانانيا فى جنوبى السودان، فقال: (لو كان الامر بيدى لقمت بإبادة جميع الجنوبيين). وقد غضب القاضى عبد المجيد إمام غضبة مضرية عند سماعه تلك المقولة، التى ما كان لها ان تصدر عن قاضٍ يفترض انه يعرف للعدالة مبناها ومعناها، وكانت هى دافع مشادته مع بابكر. وذكر ملاسى انه، ومعه نقيب المحامين عابدين اسماعيل، بذلا مجهودا مشتركاً لتهدئة ثورة القاضى عبدالمجيد.

(5)
تكمن اهمية مقال الاستاذ محمد صالح فقراي الذي نوهت اليه في المقدمة في حقيقه كونه، اي الكاتب، تحدث مباشرة قبل أيام قلائل، وتحديدا بتاريخ 23 مايو الماضي، مع السيد بابكر عوض الله في مقر اقامته بالعاصمة الايرلندية دبلن، وسمع منه افاداته سماعا مباشرا من غير وسيط. وسنعرض الى هذه الافادات في مقال قادم  بأمر الله.

mustafabatal@msn.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.