الإمام المهدي .. كاريزما القلم في صناعة الثورة (٢من٣ )

  • 28 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

د. محمد المصطفى موسى

 

حتم  تسارع وتيرة انتصارات الثورة المهدية علي قوي الحكم التركي في السودان .. واقعاً تاريخياً و جيو سياسياً جديداً أفضي الي تورط بريطانيا وتدخلها المباشر لقمع الثورة السودانية حفاظاً علي مصالحها في المنطقة . وعلي إثر ذلك احتدمت المواجهات العسكرية بين المهدية وجيوش بريطانية عتيدة ومنها جيش حملة الانقاذ البريطانية الذي أرسلته الملكة فكتوريا لإنقاذ الجنرال تشارلز غردون والذي حاصرته قوات الثورة بمدينة الخرطوم وقطعت عنه الإمداد و وسائل الاتصال بالعالم الخارجي .

في ظل تلك الأجواء المتوترة يسهل علي القارئ إستقراء طبيعة ذاك المناخ الملتهب والذي تشكلت تبعاً لأجوائه سلسلة من مراسلات مطولة  بين الإمام المهدي والجنرال غردون . لقد كانت مراسلات المهدي كقائد لتلك الثورة السودانية مع غردون .. هي أبلغ مثال لكاريزما القائد و مقدرته علي توظيف الكلمة المكتوبة من أجل  الإنتصار  للثورة وفقاً لرأي عدد مقدر من المؤرخين الغربيين المعاصرين  .

ولعل كل ما خطه قلم محمد أحمد المهدي من مراسلات مع غردون .. يتباين متنه ومحتواه بوضوح علي حسب ما تمليه الظروف الموضوعية المُشكلة لمراحل تطور الصراع بين الثورة والقوي الإستعمارية  التي واجهتها .. ويتبدي ما سبق جلياً عندما كتب غردون أولي رسائله للمهدي مخاطبا إياه بفخر الأولياء الصالحين و عارضاً عليه ان ينصبه سلطاناً علي كردفان . .. ذاك العرض الذي رفضه المهدي في إباء وترفع . وقد وصف المؤرخ البريطاني فيرغس نيكول كلمات المهدي في رفض عرض غردون بخصوص سلطنة كردفان بالإباء الصارم او ” Stern dignity” .. كما تحدث نيكول محللاً  مضمون رد المهدي لغردون مشيراً  الي انه احتوي علي استفاضة مكررة لنقاط متتابعة رأي محمد احمد انها تشكل سوء فهم أساسي و متأصل في ثنايا حجج الضابط البريطاني التي أنبنت عليها دعائم خطابه ..( نيكول: مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ) ..

عَنْوَن المهدي خطابه لغردون بعنوان دبلوماسي وإن أعقب ذلك بكلمات توحي بسخرية واضحة من مقاصد غردون الحقيقية -وبقدر اكثر تحديداً من شفقته المصطنعة- التي أبداها تجاه المسلمين و هو القائد الذي سبقه صيته الذائع الي السودان بتخصصه في قمع ثورات الشعوب علي بريطانيا الاستعمارية فيما وراء البحار وقد جاء فيما كتب المهدي :

” الحمدلله الوالي الكريم والصلاة علي سيدنا محمد وآله مع التسليم ، اما بعد فمن عبد ربه محمد المهدي بن عبدالله الي عزيز بريطانيا والخديوية ، غردون باشا فقد بلغنا جوابك وفهمنا ما فيه ، والحال انك تزعم ارادة إصلاح حال المسلمين وفتح الطريق لزيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم واتصال المودة فيما بيننا وبينكم وحل المأسورين من النصاري والمسلمانين وان تجعلنا سلطاناً  علي كردفان” ..وفي ذلك الإطار تبقي زمرة من التساؤلات بلا إجابة قاطعة عما اذا كان المهدي قد اطلع علي تصريحات غردون المعبرة عن نواياه الحقيقية تجاه ثورته والتي تسربت الي صحافة مصر قبل قدومه الي السودان ومنها قوله محذراً من مغبة التهاون مع الثورة السودانية :

” سيسود المدن المصرية جميعاً شعور بأن في وسعهم ان يفعلوا مثلما فعل المهدي وأن يطردوا الدخلاء والخونة كما طردهم وليست إنجلترا وحدها هي التي ستواجه هذا الخطر ، فإن نجاح المهدي أهاج غلياناً خطيرا في بلاد العرب و سوريا ” ..( شلبي : الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني و دعوته ) .. وتبقي تلك الفرضية قائمة ويُعضّد صحتها ما أوردته المصادر المختلفة عن العيون والجواسيس الذين جندتهم الثورة المهدية بمصر لنقل اخبار صحافتها و احوالها عموماً .

ولكن بالعودة علي ما ابتدأناه من إشارة الي كلمات خطاب المهدي فإننا نلحظ هنا انه مال الي سرد ملخص خطاب غردون السابق اليه حتي يسهل عليه تجميع النقاط التي طرقها للرد عليها الواحدة تلو الأخري وتلك ايضا واحدة من سمات أسلوبه في الكتابة ألا وهي ترتيب الردود بحسب السياق التراتيبي الذي ورد في خطابات خصومه . أما بخصوص عرض سلطنة كردفان فقد تميزت كلماته بالحزم اللفظي الذي لا يقبل أي لبس او مزيد من التفاوض حين قال : ” لا أريد  ملكاً ولا جاهاً  ولا مالاً  وإنما انا عبد مسكين أحب المسكنة والمساكين اكره الفخر وتفخر السلاطين لما جبلوا عليه من حب المال والبنين وهذا هو الذي صدهم عن صلاحهم و أخذ نصيبهم من ربهم فاخذوا الفاني وتركوا الباقي واشتغلوا بما لا يكون إلا من الفانيات “.. ( ابوسليم : الاثار الكاملة )

 

ويحلل كل ٌ من البروفيسور الامريكي ريتشارد ديكميجيان استاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا و زميلته الباحثة مارغريت وزروموسكي، جوانب كاريزما القيادة في ردود المهدي علي خطابات غردون .. في سفرهما القيم بعنوان ( كاريزما القيادة في الاسلام ، مهدي السودان ) حين يقول : ” في الواقع ، في ظل أجواء مناخ ثوري متفجر كتلك التي كانت في العام 1884 لا يمكن إعتبار  غردون صنواً كارزمياً للمهدي .. فبأي حال من الأحوال لم يمتلك غردون المقدرة علي السيطرة او التأثير علي روح الاخلاص والتجرد للثورة التي صنعها خصمه الكاريزمي ( المهدي ) بين الجماهير السودانية .لقد إتسمت  السياسية البريطانية بالتردد تجاه السودان تماماً  كما إتسمت  تحركات غردون في هذا الشأن بعدم الكفأة (incompetence )  ما أسهم  كثيراً  في سوء فهم متكامل تكون لدي هؤلاء عن طبيعة الثورة المهدية .

ومن الممكن رؤية ذلك بوضوح في عرض غردون سلطنة كردفان علي المهدي. ذلك العرض الذي قابله الأخير بالرفض الفوري . لقد كان رد المهدي علي خطاب غردون تجسيداً لسمة أساسية من سمات القيادة الكاريزمية التي لا تطلب لنفسها موقعا رسميا حكوميا ( السلطنة مثالا) .. بل هو يتحدث عن موقع قيادي لشخصه خارج إطار منظومة القوي القائمة آنذاك ” .. ( دكيجيمان و وزورموسكي : كاريزما القيادة في الاسلام – مهدي السودان ).

لقد تميزت رسائل المهدي المتكررة لغردون – عند إحكام  قبضته علي المدينة من خلال الحصار – تميزت بمحتوي واحد ألا و هو الضغط علي الأخير بشتي السبل لتسليم الخرطوم حقناً  لدماء المدنيين .. وذلك علي نحو رسالته المؤرخة بأواخر اكتوبر 1884 والتي جاء فيها :

”  كن علي يقين أنني علي علم بحضور عساكر الانجليز بجهة دنقلا ولكن لست مبالٍ بهم ولا بغيرهم بفضل الله ” إلى أن يقول .. ” ولولا مراعاة حسم دماء المسلمين لضربت صفحا عن مخاطبتك وبادرتك بالهجومات التي لا أشك في نجاحها . فسلم تسلم انت ومن معك ، وقد نصحتك وأنصحك وإلا فالحرب بعد ذلك والسلام علي من اتبع الهدي ” .. ثم تتوالي رسائل المهدي لغردون بذات المضمون مع تصاعد سقف التطمينات الكافية و المتكررة والتي بذلها المهدي لخصمه بخصوص سلامته الشخصية الي درجة الوصول بتلك التطمينات الي مشارف عرض سخي بإيصاله ( اي غردون ) آمناً مطمئنا الي حملة الانقاذ البريطانية  إن هو آثر التسليم وحقن دماء الناس وذلك علي نحو :

” إن أراد الله سعادتك وقبلت نصحي ودخلت في أماننا وضمانا فهو المطلوب، وان أردت ان تجتمع علي الانجليز نوصلك اليهم “.. ثم يجدد المهدي ندائه له بالرجوع الي وطنه فيقول : ” وسنكتب لك آية واحدة من كتاب الله عسي الله  أن ييسر هدايتك ، فطالما كاتبناك لترجع لوطنك ( ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) .. وقد بلغني في جوابك الذي أرسلته إلينا ان الانجليز يريدون ان يفدوك وحدك بعشرين الف جنيه ، ونحن نعلم أن الناس يتقولون من البطال كلاما كثيرا ليس فينا ولا يعلم نفيه الا من اجتمع بنا . وانت إن قبلت نصحنا فبها ونعمت وان أردت ان تجتمع بالإنجليز فبدون خمسة فضة نرسلك اليهم ” .. ( ابوشامة : من أبا الي تسلهاي ) ..

وفي نص أخر  ينقل الامام المهدي لغردون المعزول بداخل الخرطوم .. وقائع مواجهات قوات الثورة المهدية الضارية مع جيش حملة الإنقاذ البريطاني في الشمال والتي سدت الطريق أمام  البريطانيين تماماً ..

” إن الجردة التي تعتمدونها ما لها من وجهٍ بوصولها لكم بسبب سد الانصار الطرق . فإن سلمت فقد عفونا عنك واكرمناك و سامحناك فيما جري وإن أبيت فلا قدرة لك علي نقض ما اراد الله .. وقد بلغني في جوابك الذي أرسلته إلينا ان الانجليز يريدون ان يفدوك وحدك بعشرين الف جنيه .. إن أردت ان تجتمع بالإنجليز فبدون خمسة فضة نرسلك اليهم” .. تلك كانت عروض سخية متتالية رفضها غردون بصلفٍ انجليزي ملك عليه نفسه ليزج بالمدينة في أتون حرب دامية ظل المهدي يعمل علي تجنب تبعاتها من خلال حصار مطول للمدينة قارب العشرة  أشهر زمنياً وهو ذات ما عبر عنه المؤرخ البريطاني فيرغس نيكول حينما سرد مجهودات المهدي لحقن الدماء و ومحاولة إقناع غردون بتسليم المدينة فقال : ” لقد شرع محمد احمد المهدي في حملة مراسلات مطولة امتدت لزهاء العشرة أشهر لإقناع غردون بالعودة الي بلاده مكرماً بدلا من إزهاق باقي عمره في الدفاع عن ما لا فائدة في الدفاع عنه ! ” .. وقد أقر نيكول بمصير مختلف للمدينة وخسائر أقل في صفوف مدنييها إن اختار غردون الاستجابة لتلك النداءات وتسليم الخرطوم حين قال :

” لقد كان المهدي رجل عند كلمته ( The Mahdi was a man of his word ) .. ولم يُعرف عنه الفتك بالمدنيين او الجنود الذين استسلموا له ” .. ( نيكول : مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ). وفي ذات الصدد يستفيض المفكر المصري الراحل الدكتور عبد الودود شلبي في دراسة مراسلات المهدي مع غردون.. قبل أن يخلص الي رؤيته المستمدة من التمحيص في تلك الوثائق والتي قال فيها :

” هذا هو المهدي في تفكيره و دعوته ، وذلك هو غردون في عناده وتصلبه . إن القائد الذي لا يُقهر و لا يهُزم لا يريد ان يعترف بقائد اخر لا يُهزم ولا يُقهر فلا يزال غردون أسير أمجاده السابقة وأحلامه . ماذا عليه لو حقن الدماء و أوقف الحرب ؟ إنه غرور العظمة و ميراث الصليبية و كبرياء رجل يري الافارقة والمسلمين عبيدا و وحوشا مفترسة. الحروب لا تدبر بمثل هذه العقلية . فالحروب كَر و فر و عقل وفن ، وإعداد وتخطيط ، والقائد الحكيم هو الذي يزن الأمور بتجرد كامل من هوي النفس. غردون لم يكن حكيما ، كان كما يصفه اللورد كرومر – مندفعاً متهوراً ، ونادراً ما كان يصير علي رأي ويبدو انه كان خلواً من اي موهبة عظيمة القيمة ” .. ( شلبي : الأصول الفكرية للمهدي السوداني ) .

ويتفق المؤرخ الوطني الدكتور أحمد ابراهيم ابوشوك مع ما سبق الإشارة اليه من تعنتٍ جلي إتسمت به مواقف غردون من خلال مراسلاته مع المهدي تجاه الأحداث التي سبقت تحرير الخرطوم وما ترتب علي ذلك من نتائج . و يُرجع ابوشوك تحول الثورة من سياسة الحصار لاستراتيجية المواجهة العسكرية مع غردون لتعنت الأخير وتهديده المستمر بقدوم حملة الانقاذ الانجليزية من الشمال . كما يري ابوشوك :

” أن استراتيجية المهدي العسكرية لم يكن هدفها الأوحد تدمير قوات العدو او الإنتقام  من الأعداء بل كانت تسعي لفرض وضع عسكري يهئ لها النصر اما بهزيمة العدو حربا او استسلاماً ” .. ( ابوشوك : الاستراتيجية العسكرية للامام المهدي )

وفي الجانب الاخر.. و علي المستوي الشعبي تحديداً.. أسال المهدي الكثير من المداد.. مستميلاً به الي جانبه تأييداً شعبياً كاسحاً داخل المدينة المحاصرة مما انتقل بغردون الي أجواء من العزلة عززها المزاج الشعبي الملتهب بفضل الخطاب التعبوي الجماهيري الناجح للإمام  المهدي من خلال حركة المنشورات النشطة آنذاك .. فعرفت الخرطوم لأول مرة ثقافة المنشورات السرية حتي قبل أن تعرف غيرها من المدن في المنطقة تلك الثقافة .. وفي ذات المعني يقول ابوشوك :

” شرع المهدي في حرب المنشورات المتبادلة مع تشارلز غردون إذ كتب منشورا الي أهالي الخرطوم.. استنسخ الكُتاب نسخاً منه ثم أعطوها لأحد الجواسيس فوضعها في إناء من صفيح علي شكل إبريق وعبر به النيل الابيض سباحة بالليل و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها وألقي بالمنشورات بالازقة والطرقات وقذف بها للمنازل “.. وترتب علي ذلك أضعاف الروح المعنوية لسكان الخرطوم وتأليب الرأي العام ضد غردون ووقوف بعض أعيان وعلماء الخرطوم موقفاً معارضاً له كأحمد العوام .. ممهدين الطريق لإنجاح سياسة الحصار والانهيار من الداخل .. ( ابوشوك : نفسه).

و إستكمالاً  لما سبق من تداعيات بإصرار غردون علي مواصلة المواجهة مع قوي الثورة .. فقد فُرض علي قلم محمد احمد المهدي التصدي لجملة من التحديات المترتبة علي ما يتوقع حدوثه من تجاوزات عندما تجتاح جيوش الثوار المدن وذلك من خلال منشورات متتابعة وسمها- كدأبه دوما في مخاطبة الجماهير- بميسم البساطة والمباشرة ، فيعمل القائد بحزمٍ شديد علي تحقيق مقاصد الثورة قدر ما استطاع ومن ذلك منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم مباشرة :

” ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد أحببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من أصحابنا وأحبابنا ان يتزوج منهن .. فذوات الأزواج يسلمن لازواجهن وكل من لا زوج لها تكون لدي امين مأمون( المقصود شخص محرم ) ويجري راحتهن.. فالحذر من التزويج لأحد من نساء ألقياقر المذكورة صغيرة او كبيرة .. ثيباً او بكراً ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام “.. وكان المهدي قد استبق معركة التحرير الحاسمة لعاصمة البلاد بمنشوره لقوات الثورة الداعي لإكرام المدنيين الهاربين من جحيم الحصار داخل المدينة وتأليفهم بحسن معاملتهم حين يقول ؛ ” فألفوا عباد الله الذين يخرجون مُسّلمين ومنقادين بأنواع التأليف وتلقوهم بالإكرام والتشريف .. ولا تتلقوا احداً من المنقادين بتعنيف ” .. وفي ذات المنشور المطول يشدد قائلاً : ” واكرموا الذين يأتون مُسّلمين وخصوصاً العلماء ومن كانوا من أهل الوظائف الكبار ، وبالأخص نحو الأمين الضرير ” .. ( ابوسليم : الاثار الكاملة للأمام المهدي ) .

ولم يقف سيل منشورات المهدي بهذا الخصوص عند ما سبق من أوامر ادارية بل جنح الي الخروج بما كتب الي حيّز التطبيق الواقعي لما نادي به من أدبيات  وبالأخص حينما حاد بعض المتفلتين عما ورد سابقاً فمال بعضهم للتعدي علي بعض النساء ، عندها لم يتأخر قلم المهدي عن اصدار نص عقوبات تعزيرية صارمة تصل الي السجن لمدة شهر والجلد اليومي لكل من تثبت ادانته بتلك الانتهاكات ففي 1885 كتب للخليفة عبدالله قائلا :

” لا يخفي حبيبي ، اننا نبهنا من أول  الامر أن نساء الققرة( ققرة الخرطوم) من لها زوج منهن تسلم اليه ولا يعارضه فيها احد . وقد بلغني ان بعض الانصار يقولون ان أمر المهدي لا يلزم العمل به . وقد وقف علي ذلك بعض الاخوان الصادقين ، ومن ذلك بلغني ان علي ود الجاركوك أخذت منه امرأته التي تسمي العازة بنت نائل وهربت منهم واتت اليّ مستغيثة ممن حبسها و أراد ان يخرجها عن زوجها وكذلك احمد أخذت منه زوجته فاطمة بنت موسي . ولما كان يحصل التجاسر علي خرق امرنا و مخالفته هكذا مع ان امرنا ناشئ مع المشورة المسنونة فكيف يجوز تركه والتهاون به ، ومع ان أمراء  الدنيا سابقاً لو امر ( باشتهم) بترك المصالح وحرق المدافع يطيعونه حالاً وينفذون أمره بلا تهاون كسعيد باشا ومثل غردون يسكر ويقول كسروا هذا فيكسره بدون تهاون . فكيف لا يقوم الأنصار  إن كانوا أنصارا حقاً بأمرنا حالاً ؟ وما أظن الذين يفعلون هذا إلا عائقون عن سبيل الله صادون عباد الله عن طاعة الله اتباعاً لأهوائهم . فأفحص يا صديقي هذا انت ومن معك من الخلفاء والأنصار الصادقين وانه من يفعل مثل هذا او غيره من ترك الأوامر تحبسوه شهرا وكل يوم يُضرب أربعين سوطا كفارة له وعبرة لغيره لينزجروا عما يورث الهلاك لهم وللأمة ، والسلام ..

 

تحشية: وكذلك من يمسك امرأة بدون أن يأمنونه عليها ولا يحفظها ولا يوصلها محل الي الأمانة المعد لها كأمين بيت المال ومن امرهم فلازم ان يحصل عليهم الزجر الكافي والتهديد الشافي . وما مثل هذا الا افعال الجبابرة الذين لا خِلاق لهم ، فيهتكون الحريم والأبكار .. وفي ذلك عذاب النار ، فلازم الاهتمام بهذا الأمر الذي أمرض قلبي وأنالني هماً والسلام “.. ( ابوسليم :الاثار الكاملة للأمام المهدي )..

 

وكما نري هنا يستخدم المهدي التحشية للتأكيد والتذكير بما كتب وهو عموما لا يستخدمها كثيراً إلا عندما ينتوي التشديد علي مضمون ما ذكره في نص المنشور . فالمهدي لا يستنكف أن يكتب مصححاً ومقوماً كلما رأي الرسم البياني المتصاعد للثورة يحيد عن ما ارتأه من قيم ومنظومة اخلاق بل و يتبع ذلك بإصدار القوانين الزاجرة لما يراه من ” افعال الجبابرة الذين لا خِلاق لهم ” . فحتي بعد انتصاره العسكري الحاسم علي القوي الاستعمارية بتحرير الخرطوم .. نجده يكتب بقلم المحارب الذي لا يزال محتفظاً بسلاحه لردع مظاهر الانفلات الثوري التي عادة ما تصحب الهبات الجماهيرية المسلحة . وفي نفس المعني أيضاً كتب الامام المهدي في أعقاب تحرير الخرطوم للأمير محمد عبدالكريم وجيشه المحاصر لسنار مشيداً بقوات حمدان ابوعنجة لإنصباطها وحسن مسلكها مع المدنيين :

” وجزي الله الحبيب حمدان ابوعنجة عنا وعن دينه خيراً فقد بلغنا عنه ما سرنا من الاستقامة ومنع الأصحاب من أخذ حقوق العباد واذيتهم ” .. ( ابوسليم : نفسه ) ..

وكان المهدي علي دراية  تامة بما يصاحب حروب التحرير من فوضي يثيرها المندسون في صفوف الثوار واصحاب المصالح الأخري الذين تتعارض مقاصدهم مع مقاصد الثورة الحقيقية ، فكتب من قبل ذلك الي عامله عبدالله عوض الكريم أبوسن واصفاً هؤلاء ب ” بكلاب الدنيا الذين يتداخلون مع أنصارنا ” ..قبل أن  يوجهه بحزم بردعهم قائلاً : “فلنفوض الامر لله مع الإجتهاد في ازالة كل سوء ” .. ( د. عبدالرحمن الغالي : المهدية ، قراءة في أطروحة رواية شوق الدرويش  )

 

وفي هذا الصدد يقرر كل من ريتشارد دكيمجيان و مارغريت وزموريسكي اللذان قاما بدراسة منشورات المهدي بإستفاضة  من خلال ” كاريزما القيادة في الاسلام – مهدي السودان “.. يقرران.. بأن مرحلة حصار و تحرير الخرطوم تميزت بنضج واكتمال ملامح القائد الكاريزمي عند المهدي في أوضح صورها وذلك من خلال تمتين العلاقة الكاريزمية للقائد مع الجماهير بالإستناد الى منظومة من القيم والاخلاق الثورية النابعة من القائد الكاريزمي نفسه .. مما يبقي على الأثر النفسي المطلوب بين الجماهير لتحقيق اهداف الثورة. وتندرج تلك المعاني وفق التراتيبية التصاعدية لكاريزما القائد و ذلك في إطار المرحلة الثالثة فيما يعرف أكاديمياً بمقياس Weber لكاريزما القيادة. وتجدر الإشارة هنا الي أن مقياس Weber لكاريزما القيادة يُعد من اهم الوسائل العلمية لتحديد قوة الكاريزما في علم الاجتماع السياسي المعاصر وينسب الي الباحث الألماني الشهير Max Weber.

 

ويتماهى ما ذكره كلٌ من دكيمجيان و وزومويسكي مع تيار تصاعد مّده لمراجعة الأسلوب الدعائي الرامي لتشويه تاريخ الثورة المهدية والذي أرست دعائمه كتابات سلاطين  و اوهروايلدر وما شاكلها  لخلقنة وتبرير عملية إعادة إحتلال  السودان بواسطة بريطانيا .

ولعل تقادم الزمن قد أسهم في الانتقال بمرارات البريطانيين من هزائمهم الأولى علي يد قوات المهدية الي مربع يدعو لعقلنة التقييم السابق لما إختطه قلم المهدي – وبالأخص بعد وفاته – من خلال التمحيص الحيادي فيما كتب من منشورات و وضعها بميزانٍ يستصحب معه إختلاف القيم الثقافية والحضارية والسياقات الزمانية والمكانية .. إيفاءً للكيل وتحرياً لإستقامة قسطاس التاريخ .

وفي المضمون نفسه يقول البروفسور هولت أستاذ التاريخ البريطاني المرموق : ” يجب أن لا نغفل الكيفية التي نمت بها ونضجت الأفكار المتواترة عن المهدية ، إذ انها لم تكن مجرد أفكار محلية او متوارثة بل جاءت نتيجة تأثرها بالحكم الانجليزي وما نشره من اتجاهات علي مدي خمسين عاماً او يزيد . وقد هاجم معظم الكتاب الأوائل من الأوربيين المهدي ولكن الموقف تغير عقب وفاته إذ دوفع عن ذكراه حتي من اعدائه و تغيرت النظرة اليه باعتباره رجلاً تعالي في تدينه وتفاني من اجل عقيدته “… ( بيتر هولت: المهدية في السودان ترجمة د. جميل عبيد ، انظر ايضا د. عبدالرحمن الغالي : مصدر سابق).

 

المصادر :

١) مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون، لفيرغس نيكول ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة ، ٢٠٠٤.

٢)   الآثار  الكاملة  للإمام  المهدي ، بروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، الخرطوم ، ١٩٩٢.

٣)  ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي : كاريزما القيادة في الإسلام  : مهدي السودان ، جامعة نيوريورك ،نيويورك ،  الولايات المتحدة، ١٩٧٢.

٤) من ابا الي تسلهاي ، للأستاذ عبدالمحمود أبو شامة ، الخرطوم، 1986   .

٥) الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي في السودان (1881-1885) ، للدكتور أحمد إبراهيم  أبو شوك  ، مجلة أسطور- العدد ٢ ، بتاريخ يوليو / تموز ٢٠١٥ ، نسخة إلكترونية بنفس التاريخ  .

٦)  الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني و دعوته ، الدكتور عبدالودود شلبي ، الناشر : مكتبة الآداب ، القاهرة ، الطبعة الثانية  ، ٢٠٠١ .

٧) المهدية  : قراءة في أطروحة رواية  شوق الدرويش ، للدكتور عبدالرحمن الغالي ، دار المصورات للنشر ، الخرطوم ، السودان ، ٢٠١٦ .

 

أضف تعليقاً