” التحرير” تنشر كتاب”موعد في القاهرة” الحلقة( 6)

ذكرياتي مع الفريق فتحي وعمر نور الدائم والتجاني الطيب والطيب صالح والفيتوري وقدور

  • 02 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

حسن أحمد الحسن

الفريق أول فتحي أحمد على.. الانضباط والقيم:

احتضنت القاهرة في حقبة التسعينات شخصيات سودانية فريدة في نوعها، جسدت في تواضع أبعاد الشخصية السودانية بكل خصوصيتها من المدنيين والعسكريين.  كان الفريق أول فتحي أحمد على القائد العام للقوات المسلحة السودانية واحدا منها، ولم يكن شخصا عادياً، ففضلا عن الانضباط في التصرف والسلوك والحركة والسكون والمأكل والملبس وانتقاء عبارات الخطاب المهذب مع الآخر، كان إنساناً مرهفا، ويمثل مدرسة خاصة في العسكرية السودانية تمزج بين الحزم والعزم والإيمان بالديمقراطية والمشاعر الإنسانية المتدفقة ، كان قائدا إنسانا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني . والغريب أنه ورغم تأثر المدرسة العسكرية السودانية بالعقيدة الشمولية التي حاولت فرضها الأنظمة الشمولية المتعاقبة في تفاصيل بنيتها إلا أن الإيمان بالديمقراطية الذي حمله فتحي ورفاقه ظل يشكل بارقة أمل تقفز كالشعاع في بناء قوات مسلحة قومية تحمي الدستور والنظام الديمقراطي وتساهم في حماية الموارد وتنميتها مثلما يحدث في النظم الديمقراطية التي تحترم شعوبها وهو حلم مات بموته .

كثيرون هم أولئك الذين تناولوا سيرة الفريق أول فتحي بالتقدير والاحترام ، ولعل شهادة السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء المنتخب عنه بوصف  فتحي القائد العام في تلك الفترة الحرجة من عمر الديمقراطية الثالثة تعكس مدى التقدير، وهو يتناول وقائع وظروف وملابسات مذكرة القوات المسلحة التي قدمها له الضباط وسلوك الفريق فتحي إزائها كقائد عام للقوات المسلحة يدرك أن واجبه حماية الدستور لا تقويضه.

“قال السيد الصادق المهدي في ذكرى تأبين الراحل الفريق فتحي أحمد على كقائد عام أسبق للقوات المسلحة ورئيس لتنظيم القيادة الشرعية في التجمع ”

” إنه أثناء مذكرة القوات المسلحة وهي مذكرة لها ظروفها، لابد أن نشهد بأن الفريق فتحي وقف موقفاً ثابتاً لم ينصع لرأي المتآمرين الذين كانوا يريدون استغلال الفرصة للإطاحة بالديمقراطية. وإنما كان حريصاً على طول الخلاف والاختلاف والنقاش الذي دار أن يحافظ على الشرعية الدستورية حتى نجتاز تلك الظروف العصيبة دون أن نعطي الفرصة لمتآمرين، ولكنهم فكروا وقدروا وفعلوا ما فعلوا بعد ذلك ولكن على كل حال فإن الفريق فتحي (وكثير من زملائه) التزم بأن تحل الأزمة في إطار الشرعية الدستورية.”

أما الراحل الأستاذ التجاني الطيب فقال   “حتى بعد انقلاب 30 يونيو كان بوسعه أن يرضى بالامتيازات المقررة لقائد الجيش المتقاعد ولكنه اختار طريق المقاومة الشريف، راكلاً تلك الامتيازات وتاركاً مقتنياته ومقتنيات أسرته كإنسان وضابط، وهي مقتنيات كانت عزيزة عليه وقد صادرها زبانية النظام فيما صادروا. وذلك موقف لم يكن غريباً على رجل له تاريخ فتحي أحمد علي الذي لم يكتف برفض العقلية الانقلابية، بل شارك في معارضة  دكتاتورية نميري وقاوم بالفعل انقلاب الجبهة ليلة 30 يونيو”

” ويضيف رفض الفريق أول فتحي أحمد علي باقتناع فكري ونفسي كامل قيادة انقلاب عسكري كان الرأي العام الشعبي قد صار مستعداً لتقبله. وقد ناقشته في ذلك أكثر من مرة، وكان يرد، وابتسامة مريرة ترف على وجهه الصبوح، بأنه لو عاد التاريخ القهقرى لأختار أن يعمل على سد الثغرات التي صاحبت تقديم المذكرة لا القيام بانقلاب كان ومازال يرفضه.”

في هيثرو
في شتاء عام  1996 مطلع نوفمبر من ذات العام التقيت الفريق فتحي على متن الطائرة المصرية المغادرة إلي لندن من مطار القاهرة في يوم من أيام نوفمبر صادف السادس والعشرين منه من عام 96 وإلى جانبه الأستاذ التجاني الطيب بابكر عضو هيئة قيادة التجمع عن الحزب الشيوعي وهما في طريقهما للمشاركة في الندوة التي ينظمها مجلس اللوردات البريطاني ، لتوحيد فصيلي الحركة الشعبية وتوحيد الخطاب الجنوبي وإعطاء دفعة للمعارضة السودانية بعد انجاز برنامجها في أسمرة عام 95 . وقد لعب الدكتور عمر نور الدائم ومبارك المهدي والبارونة كوكس وجون آبينر الألماني الأصل وهما صديقان للدكتور عمر لعبا دورا أساسيا في إنجاحها وحشد عدد من اللوردات وأعضاء من مجلس العموم والوزراء للمساهمة فيها  .

بعد وصولنا إلي مطار هيثرو جاء من استقبل الأستاذ التجاني الطيب فيما أصرّ الفريق فتحي أن أرافقه إلى مقر إقامته وطلب من مستقبلنا الأخ العميد بشرى الفاضل  ممثل مكتب القيادة الشرعية في لندن أن يتصل بالأخوين الدكتور عمر نور الدائم ومبارك المهدي ليبلغهما بوجودي معه في الفندق وهما من كان علىّ انتظارهما في المطار، توجهنا  إلي فندق صغير وسط لندن ، قال لي الفريق فتحي إنه اعتاد الإقامة في هذا الفندق كلما قدم إلى لندن وهو فندق  (لندن هاوس) وتربطه صداقة بملاكه من اليهود البريطانيين المتدينين منذ سنوات عديدة جعلته زبونا من الدرجة الأولي ومن ذوي الخصوصية عند حله وترحاله.

الزميل حسن مع الفريق فتحي

بعد قسط قصير من الراحة التقينا في بهو الفندق حيث اقترح علىّ الفريق أن نتمشى قليلا، كان حكيه ينم عن إحساس عميق بعمق وجسامة المسؤولية الملقاة على كاهله من الصعيدين العسكري والسياسي .

نفس هذا الإحساس بالمسؤولية كنت ألحظه حتى في تلك الساعات القليلة التي كنت أزوره فيها ومساعده اللواء الهادي بشرى في شقتيهما المتجاورتين  بالإسكندرية المدينة التي اتخذها الفريق مقرا وكأن علاقته وهو القائد البحار بالبحر لا انفصام فيها في مختلف الظروف . كان دائما ما يعبر عن امتنانه وتقديره لدور حزب الأمة في القاهرة الذي ظل لصيقا بهم رغم بعض الملاحظات التي يبديها في شجاعة وأدب جم ربما حول بعض التصرفات على سلوك بعض القوى السياسية في التجمع ومن بينها حزب الأمة نفسه .

كان وجود قادة التجمع الوطني وفي مقدمتهم الفريق اول فتحي احمد علي سب المشاركة في الندوة السياسية التي نظمت بمبنى مجلس اللوردات البريطاني .

في مبني ملحق بمحيط مجلس اللوردات البريطاني في الرويال إريه  بويست منستر في قلب لندن كان مقر تلك الندوة التي عقدت في قاعة متوسطة الحجم . كانت منظمة الندوة البارونة كوكس تملأ المكان جيئة وذهابا وهي تسعي للتنسيق بين الفصائل المشاركة، بينما آثار الخلاف بين فصيلي الحركة الشعبية لا تزال ماثلة في تعاطي الفصيلين بين بعضهما البعض. شارك في تلك الندوة من قيادات المعارضة، عدد من ممثلي الفصائل منهم باقان أموم ، رياك مشار، د عمر نور الدائم ، جعفر أحمد عبد الله ، محمد طاهر ، فاروق أبوعيسى ، تجاني الطيب، الفريق فتحي أحمد على ،مبارك المهدي ، د لام أكول وعدد من أعضاء تلك الوفود.

كان أهم أهداف الندوة هو تأكيد العلاقة السياسية بين مبادرة الإيقاد ومقررات أسمرة 95. إلا أن موضوع وحدة فصائل الحركة الشعبية والمعارضة قد غلب على اتجاه الندوة. وبعد مباحثات ثنائية بين الأطراف استغرقت معظم الوقت أيد الانفصاليون بقيادة مشار مقررات أسمرة كأساس للبحث عن حل عادل . كما أبدوا رغبتهم في الانضمام للتجمع الوطني  كـفصيل مستقل .

على هامش ندوة مجلس اللوردات تعددت اللقاءات بين الفصائل السياسية لتقريب وجهات النظر، حيث كانت مجموعة رياك تري في فصائل التجمع حليفا لقرنق علي حساب علاقاتها بالفصائل الجنوبية الأخرى في هذه الأجواء حرص حزب الأمة علي إحداث نوع من التوازن في علاقاته مع الجنوبيين وقد كان الدكتور عمر نور الدائم حريصا بدوره من خلال مشاركاته ولقاءاته بالقوي الأخرى علي التعبير عن هذا التوازن منذ خروجه مستشفيا من السودان بعد الأفراج عنه في بداية التسعينات .

وفي اطار تلطيف العلاقات مع مجموعة فصيل رياك مشار دعا حزب الأمة مجموعة مشار إلى عشاء عمل  بمطعم الباشا بشارع كنغستون بلندن كان الحضور من جانب حزب الأمة عمر نور الدائم – مبارك الفاضل المهدي – حسن أحمد الحسن – عبدالله الصادق فيما لبي دعوة الأمة الدكتور مشار ومدير مكتبه في المانيا وعدد من أعضاء وفده لكن كان من الملاحظ أن أهم تحفظات رياك مشار كانت منصبة في أن لحزب الأمة خصوصية في التعامل مع قرنق دون غيره من سائر القوي الجنوبية وأن قرنق يراوغ لكسب الوقت واستغلال الجميع لمصلحته وأن من المصلحة أن تتعامل القوي الشمالية مع الجنوبيين جميعهم دون تمييز. وساعد اللقاء بين الجانبين في إعادة قدر من الثقة في إمكانية التعامل علي أسس واضحة مع جميع الأطراف الجنوبية لاسيما حركة استقلال السودان التي يقودها مشار . ويأتي هذا اللقاء بين مجموعة الناصر وبعض فصائل التجمع التي باركت محاولات رأب الصدع بين الفصيلين الجنوبيين في أعقاب الصراع الدامي بينهما بعد أن أصبح من الواضح إن بعض الدوائر الخارجية المتعاطفة مع الحركة تريد أن تري نوعا من التنسيق بين الفصائل الجنوبية لخطط تكشفت فيما بعد .

لقد أتاحت مثل تلك المناسبات بين لندن والقاهرة وأسمرة فرصا جيدة للحوار السياسي والاجتماعي والصحفي مع الفريق فتحي والاستماع إلى رؤاه واكتشاف جيناته الديمقراطية وسلوكه الحضاري بل وإيمانه العميق بضرورة استعادة الديمقراطية وبناء قوات مسلحة قوية وقادرة تأهيلا وتدريبا وعتادا لحماية النظام الديمقراطي وسد منافذ الاختراق السياسي إلى جسم القوات المسلحة بكل حزم .

ثم تواترت اللقاءات بين القاهرة والإسكندرية وأديس وأسمرة منذ بدايات إعلان تنظيم “القيادة الشرعية” وحتى رحيل الفريق لتؤكد على حقيقة عمق الرجل وطيب معدنه ونفاذ بصيرته وصلابة مواقفه واختياره الذي دفع حياته ثمنا له .

بدايات الحدث

سيرة الفريق فتحي مع العمل المعارض بدأت منذ استيلاء الانقلابيين على السلطة ،حيث سبق تكوين القيادة الشرعية للقوات المسلحة برئاسة الفريق فتحي تحضيرات ومشاورات واتصالات بين القاهرة وابوظبي ولندن والخرطوم لعب فيها المرحوم الفاتح محمد سلمان ممثلا لحزب الأمة دور الجندي المجهول، وهي شخصية يعرفها عدد من أفراد القادة من العسكريين وفي مقدمتهم الفريق أول فتحي والفريق عبد الرحمن سعيد والهادي بشرى والعمداء الرشيد عبدالله والسر العطا وعصام ميرغني ومجاهد حسن طه وعبد الرحمن خوجلي والشهيد جعفر رابح  ومحمد الفكي الشهير بود الريح وغيرهم من السابقين. وكان مسؤول حزب الأمة في الخليج الاستاذ محمد عبد الباقي يتوالى التنسيق مع أخرين من موقعه وهو الدور الذي مهد السبيل لحوار عميق أفضى إلى إعلان تنظيم القيادة الشرعية في خاتمة المطاف من اديس ابابا في حشد اعلامي نظمه حزبه في العاصمة الأثيوبية ودعا له صحافيين مصريين وأجانب .

ومن سيناريو تحضيرات ذلك المشهد تهيأ لي موعد في يوم من تلك الأيام الباكرة من عام 90 باللواء الهادي بشرى في داخل فندق القوات المسلحة بالدقي حيث كان حزب الأمة في تنسيق مستمر مع القيادة الشرعية حول ترتيبات إعلان تنظيم القيادة والذي كان مقررا له أن يتم من أديس أبابا .

رحب بي الهادي في غرفته بالفندق وأبلغته ما كان بحوزتي من رسالة ، كان حينها يواصل الاتصال بمقر القيادة العامة في السودان ببعض الضباط الذين لا يزالون في الخدمة في محاولة لتأمين وتسهيل مهمة سفر أسرة الفريق فتحي إلى القاهرة وهي المهمة التي تمت بنجاح في اليوم التالي لذلك اللقاء بفضل العناصر الوطنية داخل القيادة العامة خوفا من أن تتعرض أسرة الفريق لأي رد انتقامي من قبل النظام ليتحدد بعد ذلك إعلان القيادة الشرعية  .

وكنت شاهدا أن حزب الأمة قام بجهد كبير ومنظم مع جميع الفصائل التي تنادت على ساحة المعارضة بل أنه أعان تلك المجموعات حتى اشتد ساعدها . وهو نفس الجهد الذي امتد منذ بدايات تكوين التجمع الوطني ليشمل بناء مؤسساته وتنظيم نشاطه ومن أهم هذه الأدوار المساهمة الفعالة في بناء تنظيم القيادة الشرعية لقوات المسلحة ، وانضمام الحركة الشعبية للتجمع الوطني .

وكان ايضا يحرص على أن يتخطى دوره الصبغة الحزبية إلى رحابة العمل القومي لاسيما في مساندة قادة القوات المسلحة الشرفاء الذين أعلنوا وقوفهم إلى جانب شعبهم وزهدوا في كل المغريات التي كانت تحت أقدامهم وهو دور يدرك تفاصيله كل شهود تلك الفترة رغم ان ذلك الاتجاه سبب له كثيرا من المتاعب من قبل خصومه في النظام ومنافسيه في المعارضة فما كان ينجو من سهام سوء الظن بين الفينة والفينة رغم أن ما يبادر به ويعارضه منافسوه سرعان ما يجمعون عليه بعد حين وهناك شواهد كثيرة على ذلك . أما دوره في مساندة القيادة الشرعية للقوات المسلحة فقد كان أحد اهم المعالم البارزة في ذلك الحراك .

يقول العميد عبد الرحمن خوجلي أحد القادة البارزين في القيادة الشرعية في تعليقه على كتاب الأستاذ فتحي الضو ( مابعد سقوط الأقنعة )  مؤكدا ماذهبت اليه حول دور حزب الأمة المحوري في هذا الحدث :

” تكونت القيادة الشرعية في الإسكندرية بقيادة الفريق أول فتحي احمد علي وتم إعلان أول بيان لها في إذاعة الحركة الشعبية في 25 سبتمبر عام 1990 وأسهمت في تكوينها جميع القوي السياسة وعلي الأخص لعب حزب الأمة الدور الرئيسي في تكوينها بما في ذلك فكرة العسكريين في الخارج وكل الدعم المالي في البداية قدمه حزب الأمة ولولا ذلك لما تكونت القيادة الشرعية . كان وجود القيادة الشرعية إضافة ايجابية للعمل المعارض في الخارج ولقد وجدت ترحيبا حار ا من كل القوي السياسية وكان ذلك أكثر وضوحا في مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وعندما رشح قائد الحركة الشعبية د. جون قرنق الفريق فتحي احمد علي مسؤولا عن العمل العسكري وقال عندها ” لا يمكن أن أكون قائدا للعمل العسكري والقائد العام السابق فتحي محمد علي هنا “وفي نفس مؤتمر القضايا المصيرية عام 1995 المشار إليه انتخب الفريق أول فتحي احمد علي نائبا لرئيس التجمع.

لكن هذا الدور لم يمض في سلام لأنه كان مثار غيرة القوى المنافسة سياسيا لحزب الأمة لاسيما غيرة بعض الانفعاليين داخل هذه القوى والذي بلغ أوجه بإعلان تنظيم القيادة الشرعية في أديس أبابا ،وهو الإعلان الذي دعا حزب الأمة إلى حضوره عدد من الصحافيين المصريين والأجانب كما أسلفت فضلا عن قادة التجمع أثار ذلك  غيرة القوى السياسية داخل التجمع نفسه حيث بدأ البعض يشكك في حيادية القيادة الشرعية وصلة قادتها بحزب الأمة والبعض الآخر يتحدث عن سيناريوهات وهمية فما كان من الفريق أول فتحي إلا أن طلب  عقد اجتماع لقيادة التجمع  لوضع النقاط على الحروف.

عقد الاجتماع بمنزل الأستاذ فاروق ابو عيسى بقاردن سيتي بحضور =قادة التجمع حيث خاطب الفريق فتحي الاجتماع في شجاعة وشفافية قائلا : ”

( لقد بادر حزب الأمة للاتصال بنا لتأكيد دور القوات المسلحة القومي وضرورة وقوفها إلى جانب الشعب السوداني ممثلة في قيادتها الشرعية واتصلت اللقاءات والحوارات بيننا بعلم جميع القوى السياسية حتى تم تكوين وإعلان التنظيم ومنذ أول اتصال وحتى هذا الاجتماع قدم لنا حزب الأمة الدعم الكامل ماديا ومعنويا وسخر لنا إمكانيات جميع مكاتبه وقنواته في العواصم المختلفة وداخل السودان وهو أمر نقدره ونشكره عليه رغم أن ذلك  من واجبه إذا نظرنا للأمر بشفافية .

أما الآن وبعد كل الذي سمعناه فأنا أعلن لكم أننا سنتوقف تماما عن تلقى أي دعم من حزب الأمة بشرط أن تقوموا انتم مجتمعين كتجمع بدوركم في الالتزام  بتلبية احتياجاتنا الأساسية كفصيل عسكري بنفس الكفاءة التي يتطلبها الدور والواجب الذي نتصدى له باسمكم وباسم الشعب السوداني بدلا عن حزب الأمة إذا كان ذلك يرضيكم مع شكرنا وتقديرنا لكل ما قام به عطاء .)

لم يكن من قول بعد قول الفريق الفصل حيث تعاظم الضباب في مساحات العلاقات بين قوى وفصائل التجمع التي عجزت كمؤسسة معارضة عن تقديم البديل الناجز حيث اصبح التجمع في خصومة تارة مستترة وتارة معلنة بين رئاسته وأمانته العامة الأمر الذي انعكس في شكل ضغوط نفسية وسياسية على تكوين وهيكل تنظيم القيادة الشرعية فيما بعد فتفرقت بين الفصائل .

وظلت تداعيات ذلك الحدث عباً جثم على صدر الفريق فتحي حتى بلغ مداه بتعاظم السهام من حوله تارة من عدو مستتر وآخر ظاهر وتارة من منافسي القيادة الشرعية من تنظيم قوات التحالف الذي كان يتزعمه العميد عبد العزيز خالد حيث تداخلت الخطوط المحلية والإقليمية والدولية فضلا عن حالة الإحباط السياسي الذي أفرزه سوء أداء التجمع وتجاذب أطرافه ثوب القيادة بين رئاسته وأمانته العامة .

المشوار الأخير

كانت رحلة الفريق فتحي إلي مدينة (ياي) بجنوب السودان مشواره الأخير بعد توليه رئاسة هيئة القيادة المشتركة لقوات المعارضة ، لتفقد أسرى القوات المسلحة الذين دفعت بهم الحكومة إلى ساحات الحرب في الجنوب دون عتاد أو زاد فأصبحوا أسرى لدى الحركة بعد أن وافقت الحركة على إطلاق سراحهم بطلب من الفريق وقبول من العقيد جون قرنق وهي مجموعة من الضباط والجنود عاشوا في أقسى الظروف وأمرها بعد أن فقدوا زملاءهم في أسوأ حرب كارثية عبثية سجلت وقائعها المريرة على أشرطة الفيديو .

رافق الفريق فتحي في تلك الرحلة عدد من القادة من عقداء وعمداء القيادة الشرعية وممثلي الفصائل العسكرية منهم العمداء أبوشرا والمالكي وآخرون ولعل ما شهده الفريق في ياي من مأساة ومشاهد تحكى سوء الخطط والتقديرات العسكرية التي أودت بأرواح آلاف الجنود والضباط من أفراد القوات المسلحة وما ماثلهم من ضحايا قوات الحركة الشعبية والأبرياء من المواطنين فضلا عن حالة البؤس التي صورتها أعين الأسرى من ضباط وجنود عاشوا لسنوات طويلة في أسوأ الأوضاع وما صحبها من سوء تغذية وأمراض فتاكة لعل كل ذلك ترك جرحا داميا في قلب القائد فعاد حزينا يقطر قلبه دما بعد أن رأى ضباطه وجنوده في مشهد لا يقوى قائد حر أن يراه .  عاد الفريق فتحي إلى الإسكندرية محطته الأخيرة وجاءت وفاته المفاجئة لتترك ظلالا من التساؤلات وأدوات الاستفهام كتلك التى رافقت أو ترددت بعد وفاة القائد الفلسطيني ياسر عرفات وهى اتهامات وتساؤلات  رددها زملاؤه وأصدقاؤه حول سبب وفاته وما إذا كان موتا طبيعيا أو بفعل فاعل لاسيما في تلك الظروف التي سادت فيها ثقافة سوء الظن السياسي بين الفرقاء، ومهما كانت الأسباب فإن حقيقة الموت واحدة ، وهي رحيل الفريق أول فتحي أحمد علي أنبل القادة الذين أنجبتهم القوات المسلحة السودانية.

عمر نور الدائم – نجم المنافي وشمس الوطن

  عمر نور الدائم

بين أم درمان والقاهرة وأسمرة ولندن تمددت حبال الوصال بيننا لا أزال أذكر أيامه الخضراء المورقة المثمرة الأنيقة ومنها  يوم أضفى وجوده على لندن نكهة خاصة على المدينة بعد أن انتصف عقد التسعينات. فكانت صداقة عمر نور الدائم  الحميمة للكاتب الصحافي الأستاذ محمد الحسن أحمد أحد كبار الكتاب بصحيفة الشرق الأوسط  مناسبة سعيدة تجمع نخبة مميزة في منزل الأستاذ محمد الحسن أحمد ضمت الأديب والروائي الكبير الطيب صالح ، والباقر أحمد عبد الله مدير عام جريدة الخرطوم  ، ومبارك المهدي أمين عام التجمع الوطني ، وغيرهم من الأصدقاء . كان كثيرا ما ينصرف النقاش  إلي الوضع في السودان وتداعياته الإقليمية والدولية . وكثيرا ما تضفي اشراقات الطيب صالح وتأملاته ومشاغباته لنور الدائم ، وسخرية وطرفة نور الدائم رونقا على تلك الأمسيات من أيام لندن .

نور الدائم .. بين هندسة الحقول وهندسة السياسة

كان نور الدائم مغرم بالمكتبات والتجوال بين أضابيرها خاصة كلما رأى فرعا لمكتبة بوردرز وسط مدينة لندن وكان يحب التجوال مشيا على الأقدام كنت أصحبه برفقة  الأخوين أحمد عقيل ، وعبد الله الصادق . وكان كثيرا ما ينصحنا من خلال تعليقاته الساخرة بالمداومة على قراءة مجلة الإيكونوميست لتعلم اللغة الانجليزية الرصينة . وهو من مدمني القراءة رغم عدم ميله للكتابة حيث كانت تمتلئ  غرفتيه في لندن واسمرا بمئات الكتب والمجلات معظمها أعداد من مجلة إيكونوميست . نور الدائم من الشخصيات النادرة وهو يشبه الأنواع النادرة من العصافير التي تزدهي بها الأمكنة المخضرة وتهتز بها اللحظات وتنبت من كل المفردات الطيبة .

رجل حداثي يحمل أرفع الدرجات العلمية في جلباب وعمامة وجوهر نادر الإنسانية والشفافية . ولد نور الدائم في قرية نعيمة القريبة من مدينة الدويم، التي ترقد على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، في عام 1934. والتحق بجامعة الخرطوم وحصل العام 1957 علي درجة البكالوريورس في علوم الزراعة. وعمل بعد تخرجه مفتشاً زراعياً في مشروع تنمية الزراعة الآلية في منطقة الدالي والمزموم ومنقطة خشم القربة لمدة عام واحد.

وابتعث الي ألمانيا الديمقراطية العام 1958 حيث حصل علي درجتي الماجستير والدكتوراة في هندسة الزراعة الآلية عام 1963. وشغل الدكتور عمر نور الدائم منصب وزير الزراعة خلال الفترة الديمقراطية من 1966 الي 1967 حين تولي صديق عمره السيد الصادق المهدي رئاسة الحكومة للمرة الأولي. وكان نورالدائم أحد أبرز رموز المعارضة في “الجبهة الوطنية” التي ناهضت حكم مايو. وظل معارضاً في الخارج ثماني سنوات، وعاد مع المهدي عقب المصالحة الوطنية مع نظام نميري العام 1977.

وبعد الإطاحة بنظام نميري، وعودة الحياة الديمقراطية بعد سنة الانتقال التي ترأسها المشير عبد الرحمن سوار الذهب، خاض الدكتور الراحل الانتخابات النيابية وانتخب العام 1986 عضواً في البرلمان، واختير في حكومات السيد الصادق المهدي في الديموقراطية الثالثة وزيراً للزراعة ثم وزيراً للمال حتى العام 1988. وعقب انقلاب الرئيس عمر البشير العام 1989 حظرت حكومة الإنقاذ على نور الدائم مغادرة البلاد بعد ان مكث في السجن قدرا من الزمن حتى سمح له في منتصف التسعينات بالسفر للعلاج في لندن التي استقر بها لبعض الوقت وأيضا في القاهرة واسمرا معارضاً حيث ساهم في هذه الفترة في بناء التجمع الوطني الديمقراطي والتمهيد لاتفاقات شقدوم ونيروبي واسمرا الأولى واسمرا الثانية عام95 وبعد توقيع حزب الأمة اتفاق “نداء الوطن” مع الحكومة في جيبوتي عاد للوطن عام 2000 وانتخب نور الدائم عقب عودته نائباً لرئيس حزب الأمة للمرة الثانية بعدما كان طوال فترة رفقته مع السيد الصادق المهدي أمينا عاماً للحزب.

صرح نور الدائم قبيل عودته من إريتريا بأنه أضحي عازفاً عن الحياة السياسية، ولن يتولى منصباً وزارياً، وأن غاية مناه أن يعود الي منطقة نعيمة في النيل الأبيض ليمارس الزراعة الآلية، وليشرف علي مشروع طموح للمطالبة بتعميم التيار الكهربائي علي قري ريف النيل الأبيض. وظل نور الدائم طيلة حياته شخصية سياسية فذة، ما ضاق صدره بالتيارات الأخرى رغم الخلافات السياسية والمناكفات الحزبية والمماحكات التنظيمية، واجمع علي ذلك كافة القيادات السياسية.

كان دائما ينحاز للمستضعفين ، كان عابرا في كلمات وحكايات وأقاصيص استهوت كل رفاقه على الطريق يسير ساخرا من لغة القمع والوصاية وهو يردد مادحا ومدندنا بوجدان شاعر المهدية أحمد ود سعد

انصارك المنصورة جمالن باطن ماصورة

حازوا الجنات وقصورا وفي الخيام مقصورة

ذلك الحضور العطر لهذه الشخص النادرة التي تشكل مفرداتها  ما يسمى بالشخصية السودانية بكل مخزونها القيمي كثيرا ما تعيد الناظر إليها لاسترجاع  عبارات محمود درويش  التي تشبه عمر وتمثل زهده وتعبر عن غاياته.

ايها المارون في الكلمات العابرة

احملوا أسما ء كم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
إنكم لن تعرفوا  كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء
وعلينا ،نحن، أن نحرس ورد الشهداء
و علينا ،نحن، أن نحيا كما نحن نشاء.

حينما تسترق النظر إلي عمر نور الدائم  في معسكرات هايكوتا الاريترية وشوارع اسمرة  تجده أنضر شبابا وأجمل رونقا  وأكثر بهاءا  سائرا بين التفاصيل ،يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويرتاد المقاهي الشعبية. كثيرون عبروا عن حبهم وفقدهم لهذا الرجل من اختلفوا ومن اتفقوا معه من رافقوه في منحيات العمر ومن التقوه في مناسبات مختلفة، شهد الناس لعمر كشخص متفرد ومميز ،فقد لعب أدورا مفتاحيه في العديد من القضايا التي  فرقت بين أصحاب الرؤى وأصحاب الهوى فكان قاسما مشتركا بين خصومه ومؤيديه.

في فترة اعتقاله في عهد نظام نميري عام 1982 التي استغرقت ما يقارب العامين في سجن كوبر جمعتنا مساحات ضيقة ، كان عمر من خلالها مصدر أمل وتفاؤل بالنسبة لكثير من المعتقلين من كبار السن والمرضى الذين زج بهم نظام نميري في السجن . كان كثيرا ما يبشرهم  بقرب الإفراج عنهم. وهو يري في ذلك نوع من الأمل ورتق المعنويات قد يزيح كثيرا من عناء السجن لدى هؤلاء الشيوخ والمرضي الذين كانوا يرون فيه مصدر بشر وأمل . ونور الدائم صاحب خصوصية في تعاملاته مع الناس على المستويات كافة وهو ما حفظ له حب الناس حتى مع من اختلف معه . وما يمكن أن تلاحظه عبر سيرة هذا الإنسان أنه ترك بصماته الخاصة على العديد من المدن والمواقع التى وطأتها أقدامه

ورغم تنقله من موقع إلي آخر في مهجره  إلا أن اختياره للعاصمة الإريترية اسمرة كمقر دائم لا يخلو من معنى ومن زهد فعند اندلاع الحرب الاريترية – الأثيوبية  غادر عدد من قيادات المعارضة السودانية أسمرا إلي القاهرة . لكن نور الدائم رفض أن يغادر مقره الذي لا يبعد كثيرا عن مطار أسمرة الذي كان يتعرض لقصف الطائرات الأثيوبية في تلك الأحداث . قلت له يا دكتور إن سلامتك تهمنا جميعا في محاولة لا قناعه بتغيير مكانه او عودته إلى القاهرة لكنه كان يرد في اباء  أن من أقل مظاهر التضامن مع الشعب الاريتري الذي ساند نضال السودانيين وشاركهم قوته هو الوقوف إلي جانبهم في هذه اللحظات الحرجة لا تركهم لاعتبارات تتعلق بالسلامة الشخصية.

وقد حفظ الاريتريون هذه المواقف لعمر فكان محل تقدير وحفاوة في كل شارع يمر عبره في العاصمة الاريترية من أناس عاديين في تلك الظروف الصعبة قبل تقدير الموقف الرسمي له.

كان مقدمه الي القاهرة عائدا من أسمرة يضفي كثيرا من البهجة على مجتمع السودانيين فيها فيتسابقون لزيارته والاستماع إلي تحليلاته للموقف السياسي . وكانت لسخريته في التعليق وصراحته في نقد مواقف الزعامات المعارضة والمواقف السياسية وقعا خاصا ومقبولا لدى مستمعيه في المنتديات والاجتماعات حتى من خصومه السياسيين المفترضين .

وهو إنساني في تعاطيه مع الآخرين ولا يفّرق في ذلك بين من ينتمي إلي حزبه أو إلي حزب آخر . وقد شهد له بذلك عدد من الناشطين السياسيين الذين لجأوا إليه في مقر إقامته في أسمرة أو القاهرة  من الذين ضيقت عليهم أحزابهم أو مارست عليهم نوعا من الحصار لأسباب تتعلق بعلاقاتهم المتوترة مع قادتهم أو نتيجة اختلافهم معهم في التقييم أو أسلوب العمل . وفي أوج الخلاف بين حزب الأمة في الخارج وبين الحزب الاتحادي الديمقراطي بسبب تباين وجهات النظر حول عمل التجمع الوطني . كانت العلاقة بين د عمر نور الدائم والسيد الميرغنى بعيدة عن التوتر أو التغير، تتسم بالخصوصية والدفء والاحترام المتبادل بل تلعب دورها في تلطيف الأجواء وإزالة الاحتقان وتطبيع المسار بين الحزبين .

وهو سوداني عروبي من المتحمسين لتوطيد العلاقات المصرية السودانية وإعطائها أبعادا خاصة على المستويات الفكرية والسياسية الاجتماعية والثقافية كافة وكان أسلوبه في التعاطي مع الآخرين جاذبا لكثير من الأشقاء المصريين الذين يتحلقون حوله عند مقدمه من مقره في أسمرة إلي القاهرة عابرا أو زائرا ومن أهم السمات التي طبعت شخصيته بين الجميع ما عرف عنه من صراحة سواء في  أوساط القوى السياسية السودانية وقياداتها أو بين المسؤولين المصريين على كافة المستويات من الذين تعاملوا معه .

وقد شهدت لقاءاته واجتماعاته في إطار هيئة قيادة التجمع الوطني التي كانت تعقد برئاسة السيد محمد عثمان الميرغني في أسمرا والقاهرة كثيرا من مواجهات الصراحة والوضوح. كان يسمي الأشياء بأسمائها.  ورغم اختلاف قيادات التجمع مع حزب الأمة في تلك الفترة المتوترة من عمل المعارضة في الخارج إلا أنهم يقدرون لعمر صراحته وشجاعته في مواجهته لهم داخل تلك الاجتماعات.

أجمل برهات عمر واستراحاته كمحارب أنيق أن  يصحبنا إلي مقاهي الحسين عند قدومه إلى القاهرة حتى أصبحت أيامه بيننا في مصر مناسبة للتغيير من عنت الاستهلاك السياسي اليومي وسيادة لغة المعارضة على تفاصيل حياتنا الخاصة .

وهو شرقي تشده أجواء الحسين والغورية ومصر القديمة يندمج في حياة البسطاء ويمل من قيود السلوك الأرستقراطي في بعض المناسبات التي يعتبرها ثقيلة الدم على نفسه . تستهويه زيارة التاريخ ، مستقويا بقليل من الاسترخاء على معاناة سياسية شغلت معظم مساحات حياته .

غادرنا نور الدائم إلى رحلة ابدية غرة رمضان  الموافق 26 اكتوبر 2003م  فلم تعد الأحوال كما الأحوال ولا الأيام كما هي لكنه ترك فينا ذكريات تكتسي بابتسامته التي لا تغيب رغم رحيله المتعجل . لكن ستبقى بصمات نور الدائم في كل مقابض الأبواب ورمل الطرقات وفضاءات المدن تؤرخ لسعيه الدؤوب نحو الحرية والديمقراطية واستعداده في كل وقت لدفع استحقاقات ذلك في غير من أو أذى بل في زهد صوفي لو أدركه المتصوفة لاستيقنوه بأنفسهم. رجل اختار أن يصنف نفسه دوما في خانة المستضعفين والبسطاء الذين يؤثرهم على نفسه ولو كان به خصاصة.

على أبو سن

كتب الأديب والدبلوماسي الراحل على أبو سن في كتابه ” المجذوب والذكريات ” وهو يحكي وقائع لقائه بالأديبة اللبنانية غادة السمان حول حوارات غادة السمان مع المدن التي تزورها أو تتأثر بها وقال أبو سن إن السمان قالت له في حوار ردد صداه شارع Ladbroke في منطقة Notting Hill Gate  في لندن وهي المنطقة التي شهدت مصادمات عنصرية في الستينات ” أنت تصادق المدن تعرفها وتسبر غورها ، حينما تشرح لي معاني بعض المعالم أشعر أنك لا تكلمني أنت،  تتكلم هذه المدينة ، هي تفهمك وأنت تفهمها وبينكما اتفاق أن تبوح لك هي بأسرارها وأن تتولى أنت بث الروح في أوصالها وإعادتها إلى الحياة أمام زوارها .”

غادة السمان

فإن كانت غادة السمان تتفاعل مع الأمكنة بحس الأديبة المرهف فثمة قاسم مشترك يربط بين على أبو سن والسمان وهو عشق المدن فقد عشق أبو سن القاهرة واختار شقة في شارع فوزي رماح بمدينة المهندسين ارتبط بها لسنوات حتى قبيل رحيله إلى مدينة الإسكندرية وقبيل انقلاب الإنقاذ اختار أبوسن القاهرة التي تشكل له عالمه الخاص بعد أن ترك بصماته في لندن وباريس ومدن  أوروبية عديدة.

والسودان  الذي انجب على ابوسن وطن يذخر بنوع نادر من الرجال والنساء قلما تجد شبيها لهم لكنهم يمضون في تواضع كالأنجم بعد أن يهدوا الناس طريقا للعبور إلى غاياتهم .دائما ما يكون رحيلهم في صمت إلا من ضجيج الحزن وجلبة الفقد ومأساة فراقهم لمن سعد بصحبتهم وعشق لحظاتهم النادرة ونال من خصوصيتهم المتفردة . ومنهم من لا يزالون أحياء يتجددون من خلال اعمالهم وآثارهم كالشمس في كل صباح تتفاوت درجات دفئهم وإشعاعهم لكنهم يظلون دوما كل في مجاله مصدرا للفكر والإبداع ووقودا نوويا للخلق والتميز تضاء بهم دروب المعرفة وتزدهي بهم الساحات . ورغم تكاثف الضباب يظلون أنجما في سماء هذا الوطن تسهر على هدأته وضياءا ينساب بين حناياه ، من مضى منهم يظل حاضرا ومن بقي يظل مؤثرا في التفاصيل .  كان على أبوسن نجما ساهرا وكأنه قد قطع العهد على نفسه أن يظل كذلك حتى ينعم الوطن بالصباح ثم يمضي ،لكن ضبابا كثيفا باعد بينه وبين غايته حتى حان ميقات الرحيل  .

ابلغني عند مطلع التسعينات عن مشروعه الذي كان يجهد نفسه لإنجازه ( المجذوب والذكريات ) رغم ضغوط الحالة السياسية وهو أديب مرهف الحس وراوية للشعر ومنحاز لتراث أهله الشكريه، شعرا وأدبا ومركزا اجتماعيا  في قبلية أنيقة تحترم كل أبناء السودان . ربطتني به سنوات القاهرة أيما رباط وهي السنوات التي أعطت العمل المعارض الذي انطلق سياسيا وإعلاميا وثقافيا من مصر مذاقا خاصا ووجوها متعددة .

ورغم هجره للعمل السياسي فيما بعد زهدا في المشهد الذي كان ماثلا في تلك الفترة على مستوى حزبه والساحة بأكملها إلا أن وقوع انقلاب يونيو عام 89 قد منحه حافزا وطنيا هاما لمواصلة دوره الوطني منذ الأيام الأولى عندما كان وجود الناشطين السياسيين في القاهرة ممن تصدوا لعمل المعارضة في ظروف حرجة لا يتجاوز العشرة أشخاص كان أبوسن واحدا منهم .

جعل أبوسن من شقته في شارع فوزي رماح المتفرع من شارع خان يونس بمدينة المهندسين حاضنة وطنية لمهام لجنة الصياغة التى شكلها أول اجتماع للتجمع في بداياته والتى كانت تتكون من على أبوسن، حسن احمد الحسن والواثق كمير قبل أن يتم توسيع اللجنة الاعلامية لتضم عدد من الشخصيات الناشطة من صحافيين وكتاب فيما بعد  .

كنا نجتمع في شقته الأنيقة لصياغة بيانات ومذكرات المعارضة وإعلانها ومتابعة المهام التى توكل للجنة وهي أوقات كانت تتسع لمناقشة قضايا عديدة منها ما هو جاد وما هو يتسم بالطرفة أو السخرية من الأشياء والأحداث . كنت أداعبه وانا أنظر إلى عصافير معلقة داخل قفص مذهب عند مدخل بلكونة الشقة وأقول له يا استاذنا كيف نصيغ بيانا نطالب فيه بإطلاق سراح المعتقلين من سجون الانقاذ وأنت تعتقل العصافير في أقفاص بشرفتك  ؟

فكان يستغرق في الضحك قبل أن يرمي بتعليقه الساخر. ثم احتوتنا بعد ذلك لجنة التضامن السودانية المصرية والتي كانت  نتاجا للجنتين السودانية والمصرية للتضامن برئاسة الاستاذ احمد حمروش . ولعل اهتماماتنا بشان ضرورة تطور العلاقات المصرية السودانية التى تلاقت قد حفزتنا جميعا على جعل هدف توطيد هذه العلاقات ضمن قائمة اهم الأهداف لاسيما وأن وجودنا في مصر كان يتيح لنا مثل هذه الفرصة .

كانت اللجنة تضم من الجانب السوداني كأعضاء مؤسسين في بدايتها السادة عبدلله عبيد ،طه ابراهيم المحامي ، على أبوسن ، مهدي داود ، حسن احمد الحسن ، تجاني الطيب ،أحمد السيد حمد ، عابدون أقاو ، وتجاني السيسي ، ابو الحسن فرح فضلا عن الجانب المصري برئاسة الأستاذ أحمد حمروش رئيس اللجنة المصرية للتضامن والأستاذ يوسف الشريف وقد لعبت هذه اللجنة  دورا هاما في بسط  الحوار وإتاحة المنابر الفكرية والثقافية لتبادل الرأي لاسيما فيما يتعلق بمستقبل العلاقات المصرية السودانية .

اتسمت علاقة علي ابو سن بكل من عبد الله عبيد وطه ابراهيم المحامي  واسماعيل المهدي بالخصوصية بحكم علاقتهم وصداقتهم الوطيدة حيث كان منزل السيد اسماعيل المهدي قرب ميدان لبنان ملتقى دائم لامسياتهم القاهرية وكانت جلساتهم في ذلك البيت العامر جاذبا لكوكبة نيرة من ابناء السودان من شتى الملل والنحل مختلف التخصصات والاهتمامات يجمع بينهم حبهم وخصوصية صداقاتهم مع صاحب البيت الكبير .

ويتميز السيد اسماعيل المهدي بدماثة خلقه وطيب معشره وسعة علاقاته وعذب حديثه  مع زملائه واصدقائه حتى اصبح محورا انسانيا تتركز فيه جميع الخصال السودانية الاصيلة ومن حوله جميع الشخصيات السودانية النادرة.

كان ابوسن ورفاقه يلتقون باستمرار تضمهم المقابلات والجلسات الاجتماعية  فيما بينهم ومع  غيرهم فضلا عن اللقاءات والمؤتمرات التي تعقد في القاهرة وأحيانا في خارجها وهي علاقات أعطت بدورها نكهة خاصة للعلاقات التي طبعت تلك الفترة بنوع من الإخاء والتجرد الإنساني والمودة بين السودانيين التي كانت مثار اهتمام كثير من المصريين من الأصدقاء . كان كثير الحوار مع السيد الصادق المهدي بعد إقامته في القاهرة يكن كل للآخر معزة خاصة .

ويتميز علي أبوسن بكونه رجل علاقات عامة من الطراز الرفيع يحتفظ بعلاقات مميزة مع كثير من السياسيين والمفكرين المصريين وقد ترافقنا في لقاءات بعضهم أذكر منهم ، السيد فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد ، وخالد محي الدين ، رئيس حزب التجمع ،وضياء الدين داؤود رئيس الحزب الناصري والأستاذ الدكتور محمد عبدا لله رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب المصري آنذاك وغيرهم من المثقفين والفنانين المصريين وقد كان في كل تلك اللقاءات وجها سودانيا مميزا ومشرفا يجيد أناقة التعبير وترك الانطباعات الإيجابية لدى المتلقي ، فضلا عن كونه محاورا ومناقشا ومحللا بارعا للجوانب والظواهر التي كانت تمثل جانبا من النقاش .

سجل ابوسن سيرته الذاتية الثرة في كتاب من جزئين تحت عنوان المجذوب والذكريات تناولت علاقته بالشاعر والأديب الفذ محمد المهدي المجذوب وجانبا من ذكرياته في الحقل الدبلوماسي وكمذيع واعلامي في هيئة الإذاعة البريطانية يوم كانت تضم نخبة مميزة من الاعلاميين السودانيين على رأسهم الأديب السوداني الطيب صالح .

زرت مثواه الأخير بمقابر المنارة بالإسكندرية  برفقة ابنته ندى التي اشار إليها في مذكراته في اكثر من موقع لتكون  الاسكندرية شاهدا على حبه لمصر وعشقه لزخمها الفكري والأدبي بعد ان ضيقت عليه بلاده بمن وصفهم الطيب صالح بمجرد سؤال صار حديث الناس من اهل السودان ، حمل ابلغ الدلالات والمعاني ” من اين اتى هؤلاء”

 الطيًبون النادرون

هم من سلسلة العقد الفريد يحلقون في فضاءات الإنسانية كل يعشق لونه الخاص اختلفت مجالاتهم واهتماماتهم وانتماءاتهم لكنهم جسدوا معنى راق لعبقرية وخصوصية الشخصية السودانية الطيب صالح في الأدب وفن الرواية والطيب محمد الطيب في التراث والأدب الشعبي والتجاني الطيب في الالتزام الأيديولوجي والثبات على المبدأ السياسي والزهد وتجسيد صوفية اليسار . نماذج سودانية شرفت بالتواصل معها والالتقاء بها في محطات هي الأزهى والأجمل .

السجن دمعتان ووردة كتاب اهدتني اياه مؤلفته الكاتبة المصرية اليسارية الملتزمة فريدة النقاش حرم الاستاذ حسين عبد الرازق القطب القيادي في حزب التجمع الوحدوي المصري ورئيس تحرير مجلة اليسار المصرية عند زيارتي لها في مكتبها في منتصف التسعينات بمقر حزب التجمع وسط القاهرة ، تسجل النقاش في ذلك الكتاب معاناة وتضحيات الشيوعيين واليساريين من مصريين وسودانيين في سجون مصر وسراديب امن الدولة ذلك الجدار الذي انهار على رؤوس بناته في ثورة الخامس والعشرين من يناير الشعبية في مصر.

وينزل اهل اليسار في مصر قادة  اليسار السوداني   منزلة اهل الطريقة والحضرة  لسادتها عرفانا وتقديرا لصحة ايمانهم واخلاص ولائهم لفكرة اليسار .

أما الحديث في حضرة التجاني الطيب بابكر فتدفعه دمعتان ووردة ايضا اشبه بدمعات فريدة النقاش، دمعتان على غيابه ووردة على  قبره الأمدرماني الذي احتفى بجسده النبيل العفيف ، فهو حديث عن جيل نادر من أهل السودان وطليعته الواعية المثقفة والزاهدة ليس في الحزب الشيوعي السوداني فقط بل في كل الأحزاب السودانية العريقة التي تشربت القيم والاخلاق ونزلتها على مفهوم السياسة، ذلك الجيل الذي لم يعرف الثراء الحرام والاختلاس من المال العام والمتع الذاتية  وبناء الفلل والضيعات من مخصصات إطعام  الفقراء ومعونات لبن الاطفال والاغاثة وانتزاع الأراضي والبنايات وتوريثها لأبناء المتسلطة وبطانتهم ، ذلك الجيل الذي لم يسجن خصما ولم يعتقل معارضا  ولم يقتل بريئا ولم ياخذ الناس بالشبهات . ذلك الجيل هو جيل التجاني الطيب الذي ترك معنى يظل لامعا في بطاقة كل سوداني وطني يعشق بلاده .

التجاني الطيب

كتب كثيرون عن التجاني الطيب عن زهده وكياسته وتواضعه وتصميمه على ما يراه حقا محضا ومقته للمساومة حول المبادئ ،لكنني عرفت التجاني في حقبة زاهرة بين منتصف الثمانينات ونهاية التسعينات قبل ان ينفض سامر التجمع الوطني . كانت البداية في سجن كوبر في عام ثلاثة وثمانين وحتى قبيل الانتفاضة بأيام حيث  كان المعتقل يضم كوكبة من العقد الفريد في السياسة السودانية ، منهم ” السادة الصادق المهدي –عمر نورالدائم –عبدالرحمن النور –سعيد الشايب- طه ابراهيم –عثمان جاد الله – ادريس البنا –  عوض صالح – عبداللطيف صالح –صلاح عبد السلام –وشباب من طيف السياسيين والناشطين من أحزاب الأمة والشيوعي واللجان الثورية والجمهوريين والبعثيين و شتى الأحزاب والمنظمات .  وتعرفت عليه عن قرب فوجدت فيه سودانيا بكل ما تحمله الشخصية السودانية من سمات وخصوصية تجمع بين موجبات الأصالة وتواضع العالم  وحصافة السياسي ورصانة الكاتب الصحفي  المجيد .

وتكامل تواصلنا خلال حقبة الديمقراطية الثالثة حتى أطاح بها انقلاب الإنقاذ ليتصل من جديد ذلك التواصل في قاهرة المعز تحت مظلة التجمع الوطني بكل ما حملته تلك الفترة من تطورات.

وكما أسلفت فإن التجاني يعتبر رمزا من ذلك الجيل من الساسة الذين واجهوا الديكتاتوريات العسكرية والشمولية، لم تهزهم السجون والمعتقلات ولم تبهرهم السلطة حتى في فترات الديمقراطية الشحيحة التي مرت على السودان وكانوا زهادا يعيشون على الكفاف غير انهم أثرياء  بحب الناس واحترامهم لهم دون ترهيب او ترغيب .

ولعل من أصدق العبارات التي قيلت في حق  التجاني ماقالته الأستاذة أمينة النقاش حين رفضت ، فكرة التحدث عن التيجانى الطيب، بصيغة الفعل الماضي، وقالت: ” أنه شخص متسق في سلوكه العام والشخصي، وهى المرة الأولى التي ترى فيها شيوعيا عربيا لديه كل هذا الاتساق فيما يفعله ويعيشه ويقوله وهذه الاستقامة في السلوك الشخصي”..

والحديث عن التجاني الطيب وجيله  من الثقاة في كافة الأحزاب الوطنية التي فشلت جميع الديكتاتوريات في استئصالها أو إعدامها  بدعاوى الحداثة والتطور يفتح ملفا مهما لابد ان يعكف على إجراء مقارنة هامة وأساسية بين ساسة المدرسة الديمقراطية وساسة أحزاب السلطة الشمولية ليتبين الفارق في أسرار التكوين والبناء والسلوك فبضدها تتبين الأشياء.  .

في ندوة سياسية اقيمت في واشنطن قال الصادق المهدي ردا على سؤال لأحد السائلين حملّ فيه  قادة النظام الديمقراطي مسؤولية عدم الاستقرار في البلاد قال ” يا أخي يكفي إننا على قصر الفترات التي  حكمنا فيها إننا فيها لم نأت للحكم إلا منتخبين بإرادة الناس،    لم نحجر على حرية أحد لم نقتل أحدا،  لم نشنق أحدا، لم ننهب مالا عاما، لم نستغل موارد الدولة بل كنا نعيد مرتباتنا ومخصصاتنا إلى خزينة الدولة ”

التجاني الطيب كان من هذا الجيل الذي شرب العفة والنزاهة ممن سبقوه وعاصروه من ساسة الديمقراطية وروادها  بكل طيف أحزابها السياسي.

هذه الخصوصية التي اتسم بها جيل الديمقراطية لا يقوى على الوقوف أمامها ساسة أحزاب السلطة الشمولية بشقيها العسكري او المدني إلا من عصم ربي وقد كشفت حيثيات حكم الانقاذ عن تلك المفارقة .

الطيب صالح

كان ذلك المساء  باب احد الإستديوهات مواربا في مقر اذاعة راديو سوا وهي الإذاعة التي حلت محل القسم العربي لاذاعة صوت اميركا في واشنطن بعد تطويره  الى مؤسسة متكاملة تحمل اسم ام بي ان من ذلك الباب تتسلل موسيقى أغنية للمطرب السعودي عبدالمجيد عبد الله إلى صالة التحرير  وهي من الأغنيات أخذت معدلات عالية في بورصة الأغنيات في تلك الفترة يقول مطلعها  ياطيب القلب وينك   ورغم الانشغال في غرفة الأخبار تلك الايام بانفجارات العراق وافغانستان المؤسفة جراء تداعيات الحرب على العراق وافغانستان وبينما نحن منكبون وغارقون في دوامة العمل  وقع نظري على شريط الأخبار اسفل الشاشة المعلقة على جدران الغرفة        يحمل خبرا عاجلا ” وفاة الروائي السوداني الطيب صالح في لندن ” كان حينها عبد المجيد عبد الله لم يكمل اغنيته وبدا الأمر وكأنه ينعى الطيب صالح مرددا ياطيب القلب وينك.

الطيب صالح

كان رحيل الطيب صالح رحيل نجم طيب آخر من سماء السودان شكل امرا مفجعا لأن الطيب صالح لم يكن محل اهتمام سوداني محض بل كان رحيله محل اهتمام عربي واسع وشكل خبر وفاته حدثا تراجيديا مؤلما جاء خصما على رصيد الإبداع الأدبي العربي والسوداني بشكل خاص  .

كتب الكثيرون على مستوى العالم الواسع والعالم العربي عن الطيب صالح، تحدثوا عن إنسانياته وسودانيته وعروبته وقرويته وتحضره وإبداعاته وتحدثوا عن تواضعه  وسخريته من فلسفة التهافت وتمسكه بقيم القرية وهو يستمع إلى المحاضرات حول الإشتراكية العمالية على مقاعد مدرسة لندن للاقتصاد.

لكن ماشدني من أحاديث عنه الحوار الذي اجراه زميلنا محمد الشرقاوي في إذاعة راديو سوا في واشنطن  بعد ايام من وفاته مع توأم الطيب صالح الأديب الوزير ” المغربي ” محمد بن عيسى رئيس منتدى أصيلة ووزير الخارجية المغربي الأسبق . تحدث بن عيسى عن تواضع الطيب وصوفيته وتعلقه بالطريقة الشاذلية في سنواته الأخيرة وتناول خصوصية العلاقة التي تربط بينهما والتشابه في تجاربهما الخاصة ونمط حياتهما ووصفه بأنه ” شيخ الرواية العربية ”

كان يلقبه ويناديه ” بسيدي الطيب ” وهي عبارة إجلال تميزت بها تربة المغرب الصوفية المتسامحة التي تشبه في معظم تفاصيلها التربة السودانية . تناول بن عيسى العديد من جوانب حياة الطيب ورحلته الحياتية مؤكدا أنه ربما لم يكن متحمسا لإكمال مشروعه في الكتابة إلا أن ما كتبه الطيب من ” نوع ” الكتابة سيظل باقيا أكثر من ” كمها  ”  الذي يمضى دون أثر.

أما أنا فشرفت بلقاء الطيب صالح ومجالسته مع آخرين بين القاهرة ولندن ولعل تلك الجلسات مع مبدع في قامة الطيب صالح قد بذرت في دواخلي بذرة ” الاعتزاز ” بسودانيتنا على نحو ثقافي وبمبدعينا في شتى المجالات وشكلت تطلعا في دواخلي بضرورة مقرونة بالأمل في أن تتجه الدولة السودانية بعد أن تعود من محبسها والمؤسسات الثقافية والإعلامية السودانية فيما يشبه التعبئة العامة للاحتفاء بهؤلاء المبدعين والتسويق لعطائهم في حياتهم قبل تكريمهم في مماتهم  عبر العالم في زمن الفضاء المفتوح، لنباهي بهم الأمم دون أن يكون التواضع كابحا ومعطلا لحقهم علينا وحق بلادنا عليهم.

شرفت بلقاء الأستاذ الطيب عدة أمسيات في منزل استاذنا الراحل شيخ الصحفيين السودانيين محمد الحسن أحمد في لندن في ضاحية هونزلو تلك الأيام التي كانت تجمعنا فيها صحيفة الشرق الوسط وسط لندن ،وكان ذلك برفقة عدد من الاساتذة منهم الدكتور عمر نور الدائم ومبارك المهدي والباقر احمد عبد الله وخالد المبارك في لحظات اتسمت بالتفرد وامتزجت بالتعليقات الساخرة من الراحل عمر نور الدائم والضحكات الهادئة المتصلة للطيب ومشاغبات الباقر احمد عبدالله وتحليلات مبارك المهدى وعبارات محمد الحسن احمد الهادئة الخ.

كان محمد الحسن احمد ونور الدائم من الأصدقاء المقربين للطيب صالح حيث كانت نهايات الأسبوع في صالون  محمد الحسن احمد العامر بنكهة سودانية خالصة في “هونزلو على بعد أميال من قلب لندن ” تحتفل بهاءا والقاءا بلقاء هذه الكوكبة الفريدة.

أما في القاهرة التي كان يتردد عليها الطيب زائرا لأصدقائه من الأدباء والكتاب المصريين في المواسم الثقافية حين اقامتنا فيها حقبة التسعينات كانت  تزدهي حلة وبهاءا بمقدمه اليها حينها التقيته مرات عديدة بصحبة عدد من الصحفايين السودانيين والمصريين في مقر اقامته بفندق ميرديان الكورنيش الذي يحبه لالتصاقه بالنيل الذي  تتدافع أمواجه وتضرب برفق على حواف الفندق وكأنها تحمل له رسائل من قريته أو كانه يحس ذلك .

الطيب صالح اضاف تعريفا جديدا للسودان بلغة الأدب خرج من الوطن كالعصافير التي تترك اوكارها لتعود مجددا لصغارها بزاد لكنه ذاد من  احرف ونصوص رائعة ازدهت بها بلاده مثلما ازدهي بها قبره الندي في ام درمان الحبيبة.

 الطيب محمد الطيب. . الهودج الثقافي المتنقل بين المضارب

ثالث العنقود الطيب فهو الأستاذ الطيب محمد الطيب كانت آخر لقاءآتي به في القاهرة بعد منتصف التسعينات عندما أتاها زائرا ومستشفيا زرته في مقر اقامته بفندق اوازيس بمصر الجديدة ، كان كالعهد به متسائلا ومستفسرا عن كل من حوله وما حوله . حديثه لا يمل تتشابك فيه الكلمات المتأنية وكأنها تريد أن تستوثق من أناقتها قبل أن تخرج لمتلقيها ، والنظرات الثاقبة الذكية التي تتخذ من عينيه المميزتين ملاذا آمنا هي ذاتها تنفذ إلى عمق السؤال  . كان فخورا بتراثه الأنصاري وحافظا له لم  ينكر انتماءه رغم سطوة  حكم الانقاذ التمكينية تلك الايام وسوء تقديره للخصوم  واخلاقيات الخصومة السياسية .

نهر يتدفق عندما  يتحدث إليك عن شعراء المهدية عن أقاصيصهم وحكاويهم ، وهو من منطقة تعتز بانتماءاتها لتراث المهدية ولا تزال تنغرس فيها تلك الرايات التي حفظت للسودان عناقيدا من البطولة والتضحية تأسره كلمات احمد ود سعد في سفر قرشي محمد حسن ( قصائد من شعراء المهدية )

عندما يقول ود سعد ” أنصارك المنصورة – جمالون باطن ما صورة – حازوا الجنات وقصورا – والفي الخيام مقصورة  .

الطيب محمد الطيب

نبت الطيب كنبت طيب في تربة تزخر بالعلم وفنون الأدب بين أفذاذ في الشعر والأدب والرواية فاستلهم من ذلك  المناخ مزاجه وتكوينه الخاص ، هي ذات المنطقة التي أوقد فيها المجاذيب نار القرآن ،وتدفق فيها المبدعون نثرا وشعرا وفكرا منهم العلامة البروفسور عبدا لله الطيب ، والشاعر الفذ محمد المهدي المجذوب ، والشاعر القومي عكير الدامر  الذي عبر في بلاغة الفصاح  تأكيدا لولائه وولاء اهله  لدرب الأنصارية  الجهادي وللإمام الراحل عبد الرحمن المهدي في خضم التحديات التي شهدها الوطن في تلك الفترة في حضرة الامام  في ابيات شعرية شعبية بليغة  أعجزت الفصحى حين خاطبه قائلا :

عهدنا  فيك كنداب حربة ما بتشلخ

صرة عين جبل ملوية مابتتفلخ

من المسكة كان إيدينا يوم تتملخ

السما ينتكي وجلد النمل يتسلخ

وهي ذات المنطقة التي أنجبت الأديب الأستاذ الشاعر مدثر الحجاز الذي يحبب إليك اللغة العربية نثرا وشعرا وإلقاءا ، والذي تميز في فن الإلقاء عبر شاشة التلفزيون السوداني  عندما يحلق بروائع الشعر العربي :

تعلق قلبي بطفلة عربية

تنعم بالديباج والحلى والحلل

لها نظرة لو أنها نظرت بها على راهب لصام لله وابتهل

واصبح مفتونا معنى بحبها كأن لم يصم يوما لله ولم يصل

وشاعر الكلمة العذبة المسرحي الفنان المتكامل المبدع السر أحمد قدور الذي اختار لعقود أن يكون أهراما رابعا في مصر والذي أثرى ساحة الغناء والطرب في السودان بروائعه وانجازاته الفنية الرائعة .

هذا المحيط الحيوي الثر الذي نهل منه الطيب محمد الطيب في بداياته التي ألهمته التميز ، يمتد جغرافيا من منطقة المقرن والعكد والشعديناب في دامر المجذوب ونهر عطبرة وخلاوي كدباس ، و شمالا مرورا بأتبرا ودار مالي وبربر والعبيدية والباوقة عبر ديار الميرفاب والجهيماب والرباطاب والمناصير والشايقية والمحس حتى أقاصي الولاية الشمالية حول الضفتين وجنوبا مرورا بجبل ام على والعالياب والزيداب والجبلاب والحريراب في شندي والمحمية على الضفتين وعلى امتداد ولاية نهر النيل وحتى تخوم ولاية الخرطوم .

استمد الطيب خصائصه الإنسانية ومكوناته الشخصية النبيلة من مجتمع يزخر بالتفرد، صاغه أعلام في الإدارة الأهلية كمختار ود رحمة ناظر الميرفاب وعمر ود رحمة  القطب الانصاري الفذ وحسن محجوب مصطفى من السلسلة الذهبية الاستقلالية التي نسجت كيان السودان المستقل تحت قيادة الامام عبدالرحمن المهدي وحركة الاستقلاليين .

وشرب الطيب من قلعة الوفاء في مضارب العكد ورموزهم كالعوض حسن على وآل ابوالقاسم وآل سعد وأل طلب وسلسلتهم الأصيلة ،  وأعلام في التصوف كالشيخ الجعلي  رجل كدباس التقي وخلفائه من الطريقة القادرية  ومعلم المهدي شيخ الطريقة السمانية الشيخ محمد خير، الذي تنبأ بالمهدي ثم تبعه عاملا من عماله  فضلا عن خلاوي المجاذيب ونيران القرآن المتقدة عبر القرى النيلية.

حدثني الاستاذ الطيب في القاهرة وهو يذكرني بلباقة بدور أهل المنطقة ومساهماتهم ابان المهدية عن  الأمير سليمان ود قمر وهو من الأمراء الذين لم تسلط عليهم كثير من الاضواء ومن الذين قاموا بعمليات جريئة حفظتها مذكرات الانكليز ، فقال إنه قاد عمليات المواجهة التي شملت منطقة بربر والنخيلة والدامر  في مواجهة شرسة لحملة استيورت باشا الذي  أتت بواخره عبر النيل لنجدة غوردون باشا الذي كانت تحاصره آنذاك فيالق الأنصار  في الخرطوم . ورغم انه ارتفع شهيدا في تلك المعركة الفاصلة إلا انه نجح في عرقلة سير بواخر استيورت باشا  نحو الخرطوم حيث  تمكن الأنصار في الخرطوم من إحكام سيطرتهم ، ولم تفلت تلك البواخر إلا على أجساد المجاهدين الذين لونت دماءهم صفحة النيل  علوا وعلوا كورد أبيض إستوائي عالق بصفحة المجد   .

من ذلك القبس استمد الطيب توهجه واكتسبت المنطقة أصالتها ووطنيتها فصارت عنوانا للولاء والوفاء مثلما صار أبناؤها أوسمة على صدر البيت الكبير .

نذر الطيب نفسه وجهده لجمع التراث وكأنه يبحث عن ملامح أمة باعدت بينها المسافات من أقصى شمال السودان إلى أقصي غربه وشرقه ووسطه نيله وبحره وجنوبه باحثا وكاتبا ومحاورا ومستجلبا لكنوز الثقافة والفلكلور وامتد عطاؤه في عرض صور المجتمع وإبداعات شعوبه وقبائله دون رهق يحسه فجمع تراث البطاحين وتعقب سيرة الشيخ فرح ود تكتوك وكتب عن المسيد والإنداية وتقصى سيرة قبيلة “الحمران” من أهل تاجوج ، أدبهم وفنونهم وكتب عن تاريخ المناصير ، وقدم صورا من الدوبيت والشاشاي من مناطق النيل والبطانة وكردفان ودارفور وتحدث عن الحكامات وأغاني البنات وغيره . كان الطيب محمد الطيب مخزونا ثقافيا لا ينضب ونهرا عذبا متدفقا لا يفتر عن الجريان  .

جسد  الطيب محمد الطيب في كل تفاصيل حياته نوعا مثاليا من التواضع يرفعه درجات بين الناس يستعصى على الآخرين الصعود إلى مراقيه  ، حيث  كان جلبابه الأنصاري الأبيض وعمامته وشاله وعصاه وهي تتحلق به تبدو وكأنها تحتفي بالجسد الذي يحملها ، مثلما أن الجسد بدوره يتألق بهاءا لشفافية الروح التي تتدفق بين جوانحه .

كان من أهم ذاكرات الأمة في مجالات التراث ورمزا من رموز الثقافة والإبداع الشعبي في صوره المتعددة . ولعل ما يجد ر ذكره أن الطيب بقوميته وسودانيته وعطاءه الممتد بين الشعوب والقبائل غربا وشرقا وجنوبا ووسطا ونيلا وهو يسعى بينهم للتعارف والتلاقي عبر هذا الوطن الواسع ، كأنما يريد أن يدحض رزاز عبارات شعوبية سقيمة تضع النيل وكأنه رمزا للخصومة مع أطراف واديه شرقا وغربا بما يقدح به البعض من مقولات عجفاء ( نيل ،مركز وهامش وما بينهما  )  وغير ذلك من عبارات الاستعداء وتحريض الأمكنة ضد بعضها  .

كان الطيب علما من أعلام الأمة طرق مجالات لم يطرقها قبله أحد يستقصي ويجمع المعلومات من مصادرها الأساسية في شفافية وتروي أشبه في جمعه للتراث بجامع الحديث دقيقا في تمحيصه ، متفردا في بحثه وهو من الذين لفتوا الانتباه لأهمية التراث و ضرورته كلبنة أساسية من لبنات بناء الأمة في وطن متعدد متباين كالسودان . و للطيب مؤلفات ثرة نشرت في غالبها بجهوده الخاصة ولا يزال بعضها ينتظر ولعل من أهم هذه المؤلفات :

تاريخ قبيلة المناصير ، تاريخ قبيلة البطاحين ، المرشد لجمع الفلكلور ، المسيد ، الإنداية  ، الشيخ فرح ودتكتوك ، الدوباي – دراسة في بحور الشعر والغناء الشعبي ، وهي مؤلفات تم بعضها بمشاركة بعض المهتمين .

ولديه مؤلفات لم تر النور بعد منها : الإبل ، بيت البكاء ، تاريخ المديح النبوي في السودان ، الصعاليك العرب  وغيرها ولعل اهتمامات ومجالات هذه المؤلفات وصاحبها تعكس الميدان الحيوي الذي يعمل فيه الطيب وهو ميدان من البحث أشبه بالسهل الممتنع .

محمد مفتاح الفيتوري

تلك الأيام من حقبة التسعينات أصبح  مقر إقامة السيد الصادق المهدي في ضاحية مدينة نصر في القاهرة ملتقى للمفكرين والصحافيين و الأدباء والساسة  ورجال الحكم من مصريين وسودانيين وزوار عرب حيث كثيرا ماتحرص شخصيات عربية  ودبلوماسية  على زيارة الامام الصادق المهدي حين وجوده في القاهرة لايجاد تفسيرات حول مايجري من أحداث وتطورات سياسية في السودان والمنطقة والتعرف على آراءه حول  تلك الأحداث في ظل المتغيرات والتحولات المتواترة.

ولعل أكثر تلك الفترات ثراءا كان في نهايات تلك الحقبة التي شهدت أنشطة فكرية وثقافية وسياسية كبيرة أحتضنتها القاهرة .

في مساء يوم من تلك الأيام أقام الامام الصادق المهدي حفل تكريم للشاعر السوداني محمد الفيتوري الذي كان يشغل حينها منصب المستشار الثقافي في سفارة الجماهيرية الليبية في القاهرة إلى جوار السفير الليبي جمعة الفزاني ، دعا المهدي لذلك الحفل عدد من الشعراء والأدباء والصحافيين المصريين كان من أبرزهم الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وبعض الدبلوماسيين إلى جانب عدد من الشخصيات السودانية ، حيث كان حديث الامام عن الفيتوري حديث الأديب الأريب والشاعر الذي يدرك قدر الشعراء ويحس بدواخلهم المرهفة .

أما الفيتوري فقد تحدث حول خصوصية علاقته بالإمام الصادق المهدي منذ سنوات مبكرة ، وآصفا إلامام بأب الديمقراطية والفكر المستنير غير انه  لم يتوانى  في ممارسة مهمة الناقد المهذب في أمسية  تكريمه مانحا الامام الفرصة لردود وايضاحات قوبلت بالاحترام ، وهي القضايا التي مافتيء المهدي يرددها ومنها على سبيل المثال من يحمله بطء اتخاذ القرار إبان فترة حكمه في الديمقراطية ، دون أن يفطن إلى الفرق بين اتخاذ القرار في نظام حزبي ائتلافي ديمقراطي  صلاحيات رئيس الوزراء فيه محدودة ومقيدة ، وبين اتخاذه من قبل رئيس قائد مطلق الصلاحيات في نظام  عسكري شمولي قابض .

محمد الفيتوري

وصف الفيتوري الامام الصادق المهدي ” بأنه إنسان كبير وملك حكيم ” و تحدث حول علاقته بالإمام  قال ” الصادق المهدي من اهم الشخصيات التي توثقت صلتي بها، لان علاقتنا نشأت بمجرد عودته من الخارج بعد انتهاء دراسته في اكسفورد وكنت عندما عاد سكرتيراً لتحرير جريدة النيل وزارني، باعتبار، ان الجريدة هي الناطقة بلسان حزب الامة وتعارفنا وكنا نسهر مع بعض ونتحدث في اشياء كثيرة، وانشر له مقالته « ضرورة الوحدة الوطنية» في الصفحة الاولي في جريدة النيل، وتوثقت هذه الصلات توثيقاً عميقاً، وانشئ حزب الامة الجديد، وعينني رئيس تحرير لصحيفة «الأمة» لحزب الامة الجديد، طبعاً لم اكن عضواً بالمكتب السياسي كان به عثمان جاد الله وعبد الله محمد احمد، وعمر نور الدائم بالمكتب السياسي بينما كان دوري آخر، معي في جريدة النيل كتاب، وبقيت انا في جريدة الأمة .”

واسترسل الفيتوري قائلاً..”  في هذه الفترة كبرت علاقتنا واستمرت حتي اصبح الصادق المهدي رئيساً لوزراء السودان في 65 – 1966 بعد محمد احمد المحجوب، وكنت قريباً منه طبعاُ قرابة صحافي بصديق له في رئاسة الدولة، الذي اثار استغرابي ودهشتي عندما أصبح الصادق المهدي – وهو الآن على قيد الحياة ارجو له طول العمر – لا أري انه تناقض مع ما يقوله في جلساتنا الخاصة وغيرها.

لكنه لم يستطع تطبيق النظرية الجديدة التي آمن بها تجاه توعية الشعب السوداني وتحقيق الحريات ورفع مستوى الجماهير وكان يشكو من الفساد. المهم انا اراقب كشاعر.. اين انت يا صادق ؟ وحزنت من أجله لكن طبعاً لم استطع مواجهته ، فكتبت له حينذاك قصيدتي المعروفة الطويلة ( سقوط دبشليم ) وكنت انشرها اسبوعياً في جريدة الناس. من أبياتها ”

يا دبشليم.. يا ايها الملك الحكيم..أخائف انت..
ورد دبشليم.. معصباً تنام مهموماً وتصحو متعباً..
تلبس تاجاً من ذهب.. تلبس ثوباً من قصب..

وحولك الحراس والحجاب بالاف.
حيث ترابط الخيول في القمام..
وتسكن الغربان في الحمائم..
حيث يهب فجأة من ظلمة العصور..
الديناصور..

ويمضي الفيتوري ، ” عندما قلت القصيدة لم يكلمني الصادق. إلا بالمحبة التي بيننا. أهديته نسخة منها وكنت ببيروت.. ثم مرت السنوات وتغيرت السلطات.. وانتقل السيد الصادق المهدي من السلطة الى المعارضة.. والى الخارج ثم الى الداخل.”

سجل الفيتوري لاحقا انطباعاته عن تلك الأمسية في حوار مع الزميل كمال حسن بخيت رئيس تحرير صحيفة الرأي العام واصفا ليلة التكريم تلك في القاهرة بلقاء الود والمحبة قائلا ” التقينا انا والامام الصادق مجددا في مصر قبل ان يعود للسودان.. التقينا في بيته  بمدينة نصر.. وكان – فعلاً – في منتهى اللطف والروعة والصفاء والنقاء.. واقام لي حفل تكريم  انيق .. وكان هناك بعض الأدباء والكتاب والصحافيين والسياسيين.. وكان ان ذكرت الصادق المهدي قلت له : (هل تذكر قصيدة سقوط دبشليم ؟) قال لي : نعم. قلت له : (تعرف انك انت دبشليم) قال : نعم.. ولكن احتراما لك ولدورك التاريخي لابد ان نعطيك (حرية الأدباء) وقال لي  مداعبا : (فعلا نحن كنا ديمقراطيين وانا كنت ديمقراطياً فلو لم اكن ديمقراطياً كنت رسلت ليك اثنين ليضربوك).. واضاف الفيتوري ان هذا الصادق المهدي انسان كبير أحمل له كل تقدير واعزاز ومحبة ”

كانت رسالة  الفيتوري للامام الصادق  رسالة حب  ووفاء ومشاعر صادقة ترجمها في بضع كلمات تحمل في طياتها صفاء الشاعر ونقاء الانسان  وهو يخاطب الصادق المهدي بلغة الشعراء

وكأنه يستعيد سيرة شعراء العصر الذهبي من شعراء الحقيبة حين كانوا ينثرون مشاعرهم شعرا في حضرة الامام الرحل عبدالرحمن المهدي كعبدالرحمن الريح وصالح عبدالسيد ابو صلاح وسيد عبدالعزيز وغيرهم . قال الفيتوري مخاطبا الصادق المهدي:

يا مسكوناً بالاحزان (أُمة في رجل)

أهلاً يا مسكوناً بالأحزان
يا مغروراً حد الخجل
يامنتثراً كالعطر الهامس والأنوار
شكراً لصبر الفارس
والطغيان المحمود
شكراً لجمالك رغم سوء نوايا الحظ

الشاعر والفنان الشامل السر أحمد قدور

جمعتني بالسر قدور في القاهرة حقبة التسعينات عبر تواصل شبه يومي من خلال النشاط السياسي والإعلامي الذي كنا نقوم به ومن خلال أمسياتنا في مقر جريدة الخرطوم بحي قاردن سيتي حيث كان السر يتولى قسطا كبيرا من عبء التحرير في الصحيفة إلى جوار كوكبة الخرطوم  النابهة ، الدينمو مزمل المقبول ، حيدر طه ، محمد المصطفى الحسن ، عوض ابو طالب – المرحوم وديع خوجلي – دسوقي – احمد عبد المكرم – نجاة عبد السلام – سكينة كمبال ، فيصل محمد صالح  والصديق الراحل الصحافي بصحيفة الشرق الاوسط  والشاعر الغنائي الزين احمد محمد وغيرهم من الزملاء  ، بقيادة الأستاذ الراقي والرقيق فضل الله محمد شاعر أجمل أغنيات الفنان محمد الأمين ، والمدير العام متعدد المواهب الأستاذ الباقر أحمد عبد الله . .

وغير جغرافيا المكان تلتقي خطانا في مربعات كثيرة فكلانا ينتمي إلي ذات المنطقة وذات التاريخ والانتماء والاهتمامات وهي رافعات إضافية كما هو معلوم في الثقافة السودانية .

ولا يقل السر قدور  شاناً وعبقرية عن أهرامات ثقافية  وإبداعية كبيرة  ليس في العالم العربي وهو المتمسك بثقافته وخبرته السودانية عرفه المبدعون في القاهرة ، المسرحيون  والإعلاميون والفنانون والقصاصون والمطربون والشعراء والصحافيون والكتاب ورواد الطباعة والنشر  وعشقته أزقة القاهرة ومقاهيها وشوارعها يطلق سخريته على الأشياء والأحياء ويدندن بكلمات أغنياته الجديدة في وسط البلد غير آبه للمندهشين من حوله من الأشقاء المصريين . غزير الطرفة عميق المعنى حاضر البديهة ساخر في تعليقاته ومختصراته .

السر قدور ذاكرة الفن وعبقرية العصاميين

تربطه علاقات وصداقات خاصة بفطاحل الشعراء والأدباء  محمد الفيتوري وعبد الرحمن الأبنودي ،وأحمد فؤاد نجم ، احمد عبد المعطي حجازي  فاروق جويدة ، والاديب الليبي الدبلوماسي جمعة الفذاني وغيرهم تعرفه أروقة الإذاعة المصرية بكل أقسامها، ركن السودان ووادي النيل وهو صديق للعديد من نجوم المسرح والسينما في مصر الذين يتباهون بخصوصية علاقاتهم بالسودانيين كأشقاء ومقربين .

شخصية بهذه الخصوصية الإبداعية لو أنها انطلقت من منصة  تراب بلد آخر لكانت محل أضواء كثيرة وكتابات متواترة وشيقة ورغم الجهد الذي يبذله بعض المهتمين  السودانيين  من زملائنا الصحافيين والكتاب ، ككتابات الأخ فيصل محمد صالح الذي كان على مقربة من السر قدور في رحاب جريدة الخرطوم يوم كانت تصدر من مكتبها في القاهرة إلا أن هناك الكثير من الجهد الذي ينتظر المهتمين ولعل أقل ما يستحقه المبدعون السودانيون ان تدون سيرهم في إصدارة ثقافية تعكس سلسلة من تاريخ حياة الشخصيات السودانية من المبدعين في شتى المجالات لإنعاش ذاكرة الأجيال  الجديدة عبر إنعاش جماعي لذاكرة الوطن .

ارتبط السر قدور ارتباطا أساسيا بالقاهرة حتى أضحت جزءا عزيزا منه وقبل انتقاله إلى القاهرة عاصر شخصيات سياسية تاريخية  من رواد  الحركة السياسية السودانية لاسيما في الديمقراطيتين الأولى والثانية و في  ساحات حزب الأمة  الصحفية والثقافية نال حظه من رعاية أفذاذ القادة في رحاب دار الصحف الاستقلالية خاصة صحيفة الأمة أمثال عبد الله بك خليل ، و حسن محجوب مصطفي ، زين العابدين حسين شريف – محمد آدم بن الخياط – شخصيات  تولته بالرعاية وتعهدته بالتوجيه فوسع ذلك من مداركه وضاعف من نهمه للقراءة والتثقيف الذاتي وفجر في دواخله ينابيع الإبداع الشعري الموروث والأدبي فازدهت به الحركة الشعرية والفنية والمسرحية والغنائية والإذاعية في السودان حتى علا نجمه وسطع في سماء الإبداع .

عرف السر قدور طريقه إلى ما كان يعرف بحوش  الإذاعة فانضم إلى كوكبة المسرحيين الرواد والممثلين ككاتب ومؤدي في وقت مبكر. عمل مع عثمان حميدة «تور الجر» وود أب قبوره وعبد الوهاب الجعفري، عثمان اللورد، الفاضل سعيد، أحمد عاطف وإسماعيل خورشيد

ومع دخول التليفزيون السوداني في الستينات دائرة البث ضاعف من نشاطه التمثيلي ومن كتاباته المسرحية وكتب عددا من النصوص المسرحية، منها  مسرحية “الناس العملو قروش” و «المسمار» التي مثلها علي مهدي في الثمانينيات وغيرها .
يعتبر السر قدور من أبرز شعراء الأغنية وله أغنيات معروفة من التي رددها كبار المطربين السودانيين  ومثالا لا حصرا من أشهر أغنياته الخالدة :

الشوق والريد – يا صغير – أرض الخير للفنان إبراهيم الكاشف

ياريت – قمر باين – نسيم شبال – عيونك فيها شي يحير- الريد يجمع يفرق – للمطرب كمال ترباس – حبيبي نحنا اتلاقينا مرة للفنان العاقب محمد حسن ، وغيرها من الأغنيات التي تعلق بلسان من يسمعها كلما ويطرب لها لحنا.

ويروي السر قدور في إحدى مقالاته قصة أغنية الشوق والريد، يقول السر:

من أغنياتي التي قدمها الفنان الكاشف ثلاث أغنيات ارتبطت بمواقف طريفة الأولى كانت أغنية ( الشوق والريد ) وكان ذلك في بداية الستينات .. وكان الشعر الحديث قد أصبح موضة بين شباب الجيل الجديد وقد ظن أولئك أننا نحن الذين نكتب بالأسلوب التقليدي نعجز عن مجاراتهم في هذا الميدان … فكتبت أنا عدداً من القصائد المرسلة بعضها بالفصحى وبعضها بالعامية .. وذات صباح كنت أجلس مع الفنان الكاشف في المحل المجاور لجريدة ” صوت السودان ” حضر إلينا المرحوم أحمد سنجر وهو يحمل صحيفة يومية ولوح بالجريدة في وجهي ثم شن علي هجوماً عنيفاً واتهمني بالعجز والتقليد الأعمى واستنكر أن أساهم في إفساد الشعر بهذه البدع .. ولكي يشارك الكاشف في النقاش طلب أن نقرأ له القصيدة وعندما قرأتها له دافع عنها دفاعاً مجيداً وقال أنها شيء جديد في شعر العامية . وهنا صرخ فيه العم سنجر .. طيب يا إبراهيم روح غنيها لو فالح .. وانتهى الجدل بهذا التحدي ومن الطريق إلى أم درمان ونحن في العربة طالب مني الكاشف أن أقرأ عليه القصيدة مرة أخرى .. وقرأتها ثم قرأتها مرتين وعندما وصلنا إلى جوار سينما أم درمان حيث أسكن أوقف العربة . وقبل أن أنزل قرأت له القصيدة للمرة الرابعة .. ثم وضع رأسه على عجلة القيادة وأسمعني القصيدة كاملة .. وقال لي مع السلامة .. وفي اليوم الرابع من هذا الموقف كان الكاشف يغني في حفلة ساهرة في المسرح القومي الأغنية الجديدة ( الشوق والريد ) إستجابة لتحدي صديقه الشاعر أحمد سنجر رحمهما الله .
يضيف السر قدور إلى كل مجلس يشارك فيه طعما ومذاقا خاصا ولا يتوانى في إطلاق تعليقاته الساخرة . قدمت ذات مساءا إلى مقر جريدة الخرطوم أحمل أحد الموضوعات ووجدت مشادة ساخرة بين الأخ  الباقر احمد عبدا لله والسر قدور حول إعلان تهنئة بعيد الاستقلال على جريدة الخرطوم   فكان الباقر يقول للسر قدور إن الحزب الاتحادي الديمقراطي بعث لنا بإعلان تهنئة الاستقلال وتم نشره ولم نتلق إعلانا مماثلا من مكتب حزب الأمة الإعلامي للتهنئة بالاستقلال حتى الآن  وكان السر أحد المشرفين على شئون النشر بمكتب إعلام حزب الأمة  في القاهرة آنذاك فرد على الباقر قائلا بسخريته المحببة ولماذا ينشر حزب الآمة  إعلان تهنئة بالاستقلال فهو الذي صنع الاستقلال وعلى الآخرين تهنئته بذلك في إشارة لأصدقائه الاتحاديين ، فضجت صالة التحرير بالضحك والتعليقات.

وللسر قدور طرائف عديدة اشتهر بها  منها أنه كان يسير يوما مع صديق عمره المرحوم الشريف زين العابدين الهندي وبكري النعيم عبر شارع سليمان باشا وسط القاهرة في طريقهم إلى شقة بكري في شارع أبوبكر خيرت جوار مبنى الإذاعة المصرية القديم، وكان السر يتقدمهما وهو يدندن بإحدى أغنياته الوليدة بصوت مرتفع وهو عادة لا يأبه بمن حوله من المارة بطريقته الخاصة التي يعتبرها البعض ضربا من العشوائية فنظر إليه أحد الأشقاء المصريين وهو يظن أن السر في طريقه  برفقة الرجلين إلى إحدى عيادات الطب النفسي المنتشرة في  ذلك الشارع  فقال موجها حديثه للأخ بكري النعيم الذي كان منهمكا في حديث مع الشريف ( ربنا يشفيه خدو بالكو منه ) فانفجر الجميع بالضحك من تعليق الأخ المصري وما تواتر من تعليقات من السر كرد فعل طريف بعد ذلك  .

كان السر كثيرا ما يحتفي بمقدم المرحوم الدكتور عمر نور الدائم إلى القاهرة وكانا كليهما  يحتفيان بمقدم المرحوم الشاعر الزين الجريفاوي رحمهما الله إلى القاهرة  من الخرطوم وهو الاتحادي الفذ رفيق  المرحوم الشريف حسين الهندي منذ معارضة نظام نميري في مطلع السبعينات وقد اشتهر بقصائده وملاحمه النارية وهو من مدرسة الشريف زين العابدين الهندي في الشعر القومي . فكنا نتردد معا على الشاعر الجريفاوي في غرفته بوسط البلد في غرفة متواضعة بفندق اسكرابيه العتيق حيث يلح الدكتور عمر نور الدائم على الجريفاوي لإلقاء آخر قصائده السياسية .

ورغم تواصل السر قدور مع الخرطوم بعد اتساع هوامش الحرية إلا أنه يظل معلما وهرما سودانيا شامخا في سماء القاهرة بين أهلها وحواريها يزينها بابداعته  واشرقاته وسخريته وهو يجسد تواصلا عمليا مع الأشقاء في مصر من المبدعين المصريين الذين تعلقوا بالسودان من خلال  نوافذ السر قدور المشرعة  من الفنانين والشعراء والممثلين و المبدعين والإعلاميين والرواد  في شتى المجالات .

 

 

أضف تعليقاً