حمدوك في الرياض (1-2).. السفارة بين عهدين

  • 10 أكتوبر 2019
  • لا توجد تعليقات

بدت لي السفارة السودانية حين ذهبت للقاء رئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك والوفد المرافق مع بعض مكونات الجالية السودانية كأنها لم تتغير، فالوجوه هي ذاتها، مع أنني لا أعرف أغلبهم، كما أن باب الخروج المذل في القنصلية ما زال على حاله، فهو كتلة حديدية يحتاج اجتيازها إلى عزم وقوة، كما لو كنت تخلع بنطالاً ضيقاً.

وعلى يسار المدخل تقوم “برندة” زنكية تفصح عن انعدام ذوق مَنْ صمَّم ونفَّذ، مع استهتار واضح بالمواطنين وطارقي باب القنصلية من غير السودانيين لعدة أمور، وعلى اليمين مكتب للأعمال القنصلية يفتح على المطعم، حالة من التعاسة تعبِّر عن عهد مضى ما زالت قائمة، ولا أعرف إلى متى، وأظنها ستطول إذا تمادى المعنيون بالتغيير في تخديرنا بعبارة “يا داب بنقول يا هادي”.

على الرغم من هذا الإحساس الذي هاجمني، حتى انقبض قلبي، كان هناك إحساس داخلي أقوى يغالب الانقباض، وهو أنني أول مرة منذ 30 عاماً آتي منشرحاً إلى السفارة وأنا أقابل مسؤولين، ففي مرات كثيرة كنا نأتي محملين بمشاعر الغضب والغبن، فالسدود التي أراد النظام البائد أن يغرقنا بها في الشمال، والأرواح التي أُزهقت كانت حاضرةً في لقاءات كثيرة، ومنها اللقاء الذي خاطبه عبدالرحيم محمد حسين متقيِّأً الكذب، حتى قال إن والدته مدفونة في كرمة، فرد أحد أبناء كرمة بالنوبية: “بالله شوف كضب الزول دة”، رحم الله الراحل المقيم خليل عيسى الذي قدَّم محاضرة عن السدود ومخاطرها، مع طرح بدائلها للتنمية التي يتحججون بها.

كما كانت قضايا دارفور والشرق والوسط والجنوب والتهميش تُطرح، فلا نجد غير الكذب والتلفيق، إلى جانب محاولة اختطاف الجالية، وشق صفوف الكيانات الوطنية، ومنها الرابطة الرياضية وجمعية الصحفيين السودانيين، في استقطاب رخيص، خضع له أصحاب المصالح الذين يشبهون النظام، ذلك كله كان يجعلنا مشدودين وفي حالة من القرف والحزن.

والاختلاف في هذه المرة أن فيها أملاً ورجاءً يفوقان اليأس وسدة النفس، على الرغم من المآخذ الكثيرة، التي تأتي من باب الحرص على التجويد، وشحذ الهمم.

بدت الوجوه أيضاً مستبشرة ونضرة على الرغم من رهق الغربة، وهمومها، كأنَّ اليوم عيد، وترجم هذه المشاعر التصفيق والهتاف اللذان استقبل بهما الوفد.. حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب.. مدنياوووو.. الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية.

وعندما جلس د.حمدوك وإلى يساره وزيرة الخارجية أسماء عبدالله، وإلى يمينه وزير المالية د.إبراهيم البدوي ووزير الصناعة والتجارة مدني عباس مدني، جالت في ذهني مقارنة بينهم وبين أولئك الذين لم يعرفوا غير الكذب، وإهانة الشعب السوداني، ومنهم مصطفى عثمان إسماعيل الذي قال في قلب الرياض: “إن السودانيين كانوا شحاتين قبل الإنقاذ”.

وعلى الرغم من عدم التنظيم الذي بدا واضحاً، إلا أن الإحساس الداخلي بأنَّ هذا المكان هو جزء من أرض الوطن قد تحرر، جعل كثيرين يلتمسون العذر.

وقد تناول اللقاء قضايا كثيرة، ولو على عجل، وتداخل فيها ما يرتبط بعموم الوطن وما يخص المغتربين، وكان حديث رئيس الوزراء عن انتظاره برنامج الحرية والتغيير أبرز ما لفت الانتباه، وصدم كثيرين، ومثل خلاصة اللقاء للمتربصين بالثورة لا الحكومة فحسب.

ومع أنَّ هناك مَنْ رأى أن تركز الحكومة في السياسة الداخلية قبل التفكير في العلاقات الخارجية إلا أنني أرى توجُّه الحكومة صحيحاً، فهي تحتاج إلى توطيد العلاقات مع الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، وتقديم نفسها لها، من أجل تغيير الصورة النمطية السابقة، وتأكيد سياسة الانفتاح، وتبادل المصالح، وإيجاد سبل استقطاب الاستثمار، وغير ذلك من الأمور المهمة التي تؤثر في الوضع الداخلي.

في العموم، أظهر اللقاء تفاعل المغتربين مع قضايا الوطن، وثقة الأغلبية بالحكومة، ورهانها على حمدوك، وهذا ما يمثل عبئاً ثقيلاً عليها وعليه.

ونواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*