في ذكرى فض الاعتصام

  • 23 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

لم يعايش الشعب السوداني في تاريخه القريب جريمة موجعة ومؤلمة كجريمة فض اعتصام القيادة العامة ، الاعتصام كان رمز الثورة وعنوانها النقي، كان الكلمة الفصل التي نقلت الثورة من مواكب إلى فعل وأجبرت القوات المسلحة على التدخل ، نجح الاعتصام في إسقاط البشير ، ولأنه يقبع أمام بوابات الجيش حامى الحمى والمدافع الاول عن الشعب ، لم يدر بخيال احد ان تمتد اليه أيادي أثمة وتفضه بتلك القسوة والوحشية.

بلغ عدد شهداء جريمة فض الاعتصام ٢٧٠ شهيدا كما ذكرت لجنة اطباء السودان المركزية، وهو عدد ربما يفوق عدد الشهداء الذين ارتقوا خلال كل المواكب في عهد المخلوع ، وهذا يوضح بشاعة الفعل ويحوله من جريمة فض إلى جرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان.

فض الاعتصام حدث في ظل حكم المجلس العسكري ورغم التصريحات التي صدرت من قيادة المجلس العسكري بأن المقصود كان تنظيف منطقة كولمبيا وليس فض الاعتصام الا إن الفض الذي حدث لاعتصامات الثوار في كل الولايات في نفس اليوم والايام اللاحقة لفض اعتصام الخرطوم كان دليلا أخرا على أن الأمر لم يكن تنظيف كولمبيا فقط ، هذا بجانب ما حدث في العاصمة لأيام وليالي سوداء كالحة تعطلت فيها الحياة ولم يسمع فيها الا الرصاص ولم يشتم فيها غير الدم ورائحة الموت ، وهي أدلة ووقائع بلا شك سوف تدرسها لجنة التحقيق .

القوات التي فضت الاعتصام كانت ترتدي ملابس قوات الجيش والدعم السريع والشرطة وجهاز الأمن، الجميع شاهد دخولها المباشر إلى ساحة الاعتصام منذ اوقات مبكرة بعدد هائل من السيارات فاصلة بين الجماهير والقيادة العامة ، وهو فعل دلل على أن المستهدف لم يكن كولمبيا بل الاعتصام نفسه ، كما دلل على أن مشاركة جميع القوات النظامية كان مخطط محكم ومرسوم بعناية وتناغم .

حاول المخلوع فض الاعتصام اكثر من مرة ولكنه فشل لأن صغار الضباط الشجعان وجنودهم البواسل وقفوا سدا منيعا أمام هذه المحاولات، ولما سقط المخلوع تم إبعاد هؤلاء الضباط وظن الجميع ان هذا دليل على أن الثورة انتصرت ولا حاجة لحماية الاعتصام ، ولكنه كان تحليل خاطيء ، ربما لو كان حامد الجامد ومحمد صديق ورفاقهما موجودون في تلك اللحظات لما حدث ما حدث ، على الأقل كانت مباني القوات المسلحة ستفتح أبوابها للمعتصمين للاحتماء بداخلها بدل ما حدث من إغلاق بعض الجنود لابواب القيادة ومنع المعتصمين من اللجوء إليها .

بحدوث مجزرة فض الاعتصام امام ناظريه وفي ظل حكمه خسر المجلس العسكري كل أوراقه التي كسبها بانحيازه للثورة ، الفضيحة التي لبست هذا المجلس بهذه الواقعة لن يمحها الزمان ولا السنوات ، ستظل بقعة سوداء في تاريخه تغطي على كل صفحاته البيضاء حتى ينكشف المجرمون ويحاسبوا ، أما الخاسر الأكبر فهو القوات المسلحة السودانية ، فالذي حدث امام بوابتها من اغتيال واعتداء واغتصاب وممارسات لا أخلاقية ضد الابرياء من أبناء وبنات الشعب أسقط شرف القوات المسلحة وجعلها تسقط في نظر الشعب ، ولو كانت القوات المسلحة حريصة على استعادة شرفها فيجب عليها ان تكون اول الضاغطين من أجل إقامة تحقيق شفاف وعادل يثبت من أصدر الاوامر بفض الاعتصام ومن خطط ومن نفذ ، ومن ثم الحرص على أن ينال جميع الاثمين العقاب الرادع تخليصا لشرف الجيش من هذه الفضيحة التاريخية واحقاقا للحق وانصافا للمظلومين.

ننتظر جميعا نتائج لجنة التحقيق ونثق في انها لن تنحاز لأي طرف وستقدم تقريرا لا يحمل سوى الحقيقة العارية ، حتى يظهر للجميع من كان وراء هذه الجريمة البشعة فيقتص منه ، ليرتاح الشعب وتهدا ثائرة الأنفس وتقر عيون أمهات وأباء الشهداء والجرحى والمفقودين .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*