دسترة العسكرة وإنهيار العقد الاجتماعي في السودان

دسترة العسكرة وإنهيار العقد الاجتماعي في السودان
  • 20 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

محمد الأمين عبد النبي

اطلعتُ على مقال جيّد للدكتور سامي عبد الحليم سعيد، كعادته في الكتابات الرصينة التي تجمع بين عمق التحليل ودقة التشخيص. فهو من القلائل الذين يتبحّرون في قضايا الدستور والنظم السياسية، مستنداً إلى خلفية بحثية وقانونية وحقوقية وخبرة في العمل المدني. وقد قدّم في مقاله المعنون: “اغتيال سيادة حكم القانون: تحليل لطبيعة الدولة في ظل الحرب في السودان وليبيا” قراءة نقدية لطبيعة الدولة في سياقات الحرب، مسلّطاً الضوء على التراجع الحاد في سيادة حكم القانون تحت وطأة العسكرة وصراع مراكز القوة. فلم يكتفي المقال بوصف مظاهر الانهيار المؤسسي، وإنما أثار أسئلة بنيوية تتصل بحدود فاعلية الدساتير الانتقالية، ومدى قدرة الترتيبات السياسية الهشّة على الصمود في بيئات يغيب فيها الاحتكار الشرعي للعنف، وتُختزل فيها الدولة في موازين القوة.
وانطلاقاً من طرح الدكتور سامي عبد الحليم، يسعى مقالنا هذا إلى إبراز أبعاد المأزق الدستوري في ظل الحرب، باعتباره انعكاساً مباشراً للديناميات السياسية التي فرضها واقع الصراع المسلح؛ إذ لم تقتصر الحرب على تجميد العمل بالدستور، ولكنها أعادت تشكيله ضمنياً عبر ممارسات الأمر الواقع، منتجةً أنماطاً بديلة من الشرعية تقوم على السلاح لا على التوافق. ومن هذا المنظور، يغدو تحليل العلاقة بين الدستور والحرب مدخلاً لفهم أعمق لتحوّلات الدولة، وحدود إمكانية استعادة المسار الدستوري في سياقات تتنازعها سلطات متعددة وتفتقر إلى أرضية تعاقدية جامعة.
وفي سياق ما طرحه الدكتور سامي عبد الحليم، أدّى تركيز السلطات السيادية والتنفيذية والإدارية في أيدي الأطراف المتحاربة إلى تعميق الأثر البنيوي للحرب، بما انعكس في غياب مظاهر الدستورية في السودان. فقد توقّف مسار الانتقال السياسي الذي أرسته الوثيقة الدستورية لعام 2019، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أدخل الدولة في حالة عدم توافق حاد مهّد لاندلاع حرب أبريل 2023. فلم يقتصر الأمر على تعطيل بعض أحكام الوثيقة الدستورية، بل تطوّر إلى إعادة تشكيلها عبر تعديلات جوهرية في عام 2025 عزّزت من هيمنة القيادة العسكرية، ومنحت القائد العام سلطات واسعة في تعيين مؤسسات الحكم، مع تقليص دور المدنيين. وبهذا، تحوّلت الوثيقة من إطار لتنظيم الانتقال الديمقراطي إلى أداة لتركيز السلطة، في خروج واضح عن مبادئ الدستورية.
تُظهر القراءة المتعمّقة للفكرة المركزية في مقال الدكتور، أن الدستور في الحرب يتحوّل إلى كيان مزدوج؛ ضحيةً للانتهاك من جهة، وسلاحاً في يد القوة المهيمنة من جهة أخرى. فالأزمة لا تكمن في غياب النصوص الدستورية بقدر ما تكمن في إخضاعها للقرار العسكري، حيث تُستبدل سيادة حكم القانون بسيادة الضرورة العسكرية. ويُنتج هذا الوضع ما يمكن وصفه بـ”دستورية التقسيم لا دستورية الوحدة”، إذ يعد الدستور أقرب إلى وثيقة تفكك سياسي وجغرافي للبلاد، على حساب المواطنة المتساوية، تحت وطأة شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. وتُعاد صياغة منظومة الحقوق والواجبات وفق معيار الولاء لسلطات الأمر الواقع في مناطق النفوذ المختلفة، بينما تتحوّل مؤسسات الدولة من أجهزة لخدمة المواطنين إلى أدوات لحماية سلطة نشأت وتكرّست بقوة السلاح. وعلى هذا الأساس، يخلص الكاتب إلى أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تختزل في تعديلات قانونية شكلية، ولكنها تتطلب إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد، ينبثق من حوار وطني، ويعيد ترتيب العلاقة بين مكونات الدولة والمجتمع.
ضمن مشهد الحرب الملتبس، يتنازع الوضع الدستوري في السودان ثلاث شرعيات متوازية، تتمثل أولها في الشرعية التي يقودها الجيش بلا غطاء سياسي مدني. أما الثانية، فهي شرعية حكومة الدعم السريع، التي تسعى إلى ترسيخ السيطرة على بعض المناطق وبناء تحالف تأسيس تحت مظلتها. فيما تتجسد الثالثة في الشرعية المدنية التي أفرزها الحراك الثوري، والتي تسعى إلى استعادة المسار الدستوري المدني. يعكس هذا التنازع حالة انهيار عميق في العقد الاجتماعي، حيث لم تعد الدولة قادرة على احتكار العنف أو أداء وظائفها الأساسية في تقديم الخدمات وتمثيل الإرادة الشعبية. وبالتوازي مع ذلك، يشهد الواقع تحولاً من سيادة الدستور إلى “دسترة العسكرة”، إذ تسعى كل جهة إلى إنتاج أطر قانونية تعكس واقع هيمنتها بدلاً من الالتزام بإطار دستوري جامع. وفي ظل استمرار الحرب، يبدو النظام السياسي أقرب إلى “نظام حربي” تُختزل فيه السياسة في أدوات الصراع، وتتحول عمليات التفاوض إلى تكتيكات مرحلية لا إلى مسار انتقالي فعلي.
تكشف مقاربة الوضع الدستوري الذي كرّسته قيادة الجيش بعد انقلاب 2021، ثم عمّقته التعديلات اللاحقة في ظل حرب 2023، عن مفارقة جوهرية؛ إذ لم يكتفِ هذا المسار بإعادة تركيز السلطة، بل أسهم فعلياً في تغذية منطق التقسيم. فمن خلال إنتاج نصوص دستورية أحادية تعكس ميزان القوة العسكرية، جرى تقويض فكرة الإطار الدستوري، واستُبدل بوظيفة جديدة للدستور كأداة لإدارة السيطرة ضمن نطاق نفوذ محدد. هذا التحول أضعف الأساس الدستوري، وفتح المجال أمام تبني المنهج ذاته بإنتاج شرعية موازية تستند إلى الأمر الواقع. وبهذا المعنى، لم يعد الدستور إطاراً يحتكم إليه الجميع، بل أصبح جزءاً من بنية الصراع، ما أسهم في ترسيخ الانقسام السياسي والجغرافي، ودفع البلاد نحو نموذج تتعدد فيه المراكز الدستورية بتعدد مراكز النفوذ، بدلاً من أن يكون الدستور مرتكزاً للوحدة الوطنية.
في المقابل، يبرز التوجّه الدستوري للدعم السريع وتحالف تأسيس كمحاولة موازية لإعادة إنتاج الشرعية في ظل الحرب، غير أنه لا يخرج عن الإشكالات البنيوية ذاتها التي تطبع المشهد الدستوري العام. فمن حيث الأساس، تعاني هذه المبادرة من أزمة شرعية مزدوجة، إذ لم تنبثق عن عملية جامعة، بل صدرت عن تحالف ذي طابع عسكري – سياسي يفتقر إلى الاعتراف الكافي، ما يجعلها أقرب إلى دستور فئة يعكس موازين القوة في مناطق النفوذ. وبالتالي، تكرّس وثيقة دستور حكومة نيالا نموذجاً ملتبساً للحكم، يمزج بين هياكل مدنية شكلية ومراكز قوة فعلية خارج نطاق الرقابة، بما يعيد إنتاج ظاهرة ازدواج السلطة، لتضفي عليه طابعاً دستورياً، عبر ترتيبات تمنحه دوراً  في إدارة المرحلة الانتقالية، في تناقض واضح مع متطلبات التحول نحو حكم مدني تحتكر فيه الدولة استخدام السلاح. هذا التوجه يسعى إلى تثبيت واقع الانقسام وإدارته. إذ يتعامل ضمنياً مع السودان ككيان متعدد المراكز السيادية، ويفتح المجال أمام التفكك والتشظي.
ومن جانبها، تتبنى القوى المدنية موقفًا يتسم بعدم الاعتراف بشرعية دساتير طرفي الحرب، مع التمسك بالمرجعية المدنية التي صاغت دستوراً معبراً عن مقاصد ثورة ديسمبر 2019، والتأكيد على ضرورة استعادة المسار الدستوري الذي يقوم على الشرعية الشعبية ومدنية الدولة، ورفض كل الصيغ الأحادية المطروحة.
من نافلة القول؛ أن السودان لم يعد يواجه أزمة انتقال ديمقراطي قابلة للاحتواء، وإنما يعيش أزمة بنيوية تتنازع فيها مستويات الدستور والسيادة والدولة. لم يعد السؤال كيف يُكتب دستور جديد، بل كيف يمكن إعادة بناء كيان سياسي قادر أصلاً على إنتاج دستور. ومن ثم، فإن أي معالجة جادة لا بد أن تنطلق من إعادة تأسيس الشرعية على قاعدة توافق وطني حقيقي، يسبق النصوص القانونية ويؤسس لها.
وعلى ضوء تعدد مسارات الشرعية المتنازعة، يظل المخرج الدستوري الأكثر اتساقًا مع تطلعات الشعب السوداني هو ذلك الذي يقوم إبتداءاً على إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد، يعبر عن الإرادة الوطنية الجامعة ويعيد بناء الشرعية على أساس مدني توافقي عبر حوار مائدة مستديرة يُفضي إلى صياغة إطار دستوري انتقالي يعالج الاختلالات البنيوية القائمة، ويهيئ لمرحلة انتقالية مستقرة، تمهد لعملية صناعة دستور دائم قائم على المشاركة الواسعة، بما يعيد الاعتبار للحكم المدني الدستوري، ويُسهم في استعادة وحدة الدولة على أسس راسخة تنهي منطق القوة وتوازنات الأمر الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*