يعاودني الحنين دائما الي سنوات الدراسة الجامعية بمصر المحروسة ، كانت الدنيا بخير ، أم الدنيا كانت كريمة مع جيلنا ولم تبخل علينا بشيء في بداية ثمانينات القرن الماضي ، آلاف الطلبة درسوا في الجامعات المختلفة دون رسوم ، تتكفل الدولة متمثلة بالسفارة السودانية بدفع نثريات شهرية كانت ١٥ ثم اصبحت ٢٠ جنيه وكان مبلغا كبيرا في تلك الفترة ، المسارح تنافس بعضها محمد نجم و محمد صبحي و المتحدين ، عادل امام وشاهد ماشافش حاجة ، كنا نستمتع بمشاهدة المسرحيات دون ان نسمع ما يخدش الحياء ، و كنا ندمن أفلام عادل امام و احمد زكي ومحمود عبد العزيز.
جمعية صاي الخيرية بشارع قولة بعابدين ظلت تقدم خدماتها منذ ١٩١٨ لكن بطول المدة ظهرت عليها اعراض الشيخوخة رغم محاولات الدينمو عبده علي وكان لابد من ضخ دماء جديدة و بالفعل تم تكوين اللجنة الثقافية برئاسة محمد إبراهيم وعضوية احمد حمادة ، احمد بيك ، المرحوم مختار متولي، عصام محمد حسين و آخرين و دبت فيها الحياة و النشاط و أصبحت محطة ليلية تبدأ منها السهرة ، استمتعنا برحلات الجمعية الي المدن المصرية المختلفة.
لكن كان من الصعب لقروي مثلي عاش في هدوء القرية و تعود أن يصحي علي صياح الديك و نهيق الحمير و يمسي علي جلسات الأنس في ضوء القمر أن يتعود علي صخب المدينة التي لا تعرف النوم و أبواق السيارات التي لا تهدأ. شعرت بأن رأسي أشبه بمخزن مليان كرور و في حاجة ماسة لنظافة كاملة و تصفير العداد.
عاودني الحنين الي جزيرتنا الحبيبة صاي و كان لابد من العودة لاستراحة محارب.
عام ٨٢ كان الاتحاد العام للطلاب السودانيين بمصر يقوم بمهمة تسفير الاف الطلاب علي نفقة الدولة الي بيوتهم ، السودانيون في شوارع القاهرة وقتها اما طلبة جامعات او مبتعثين و الحق يقال أنهم كانوا جميعا خير سفراء لبلدهم.
تم تخصيص ٣ عربات للطلبة و كانت سفرية لا تنسي ، اذكر اننا شاهدنا المباراة النهائية في كاس العالم و المقامة في إسبانيا في أسوان ، ولازلت أؤمن بانها كانت افضل نهائيات المسابقة علي الإطلاق ، قدم خلالها المنتخب البرازيلي بقيادة دكتور سقراط اجمل مافي كرة القدم ، ولازلت اكره اللاعب الإيطالي باولو روسي ، حرامي الأقوان والذي كان سببا في خروج البرازيل من الدور قبل النهائي.
كان معي الإنسان الجميل السر هاشم و احسب انه كان متيما بواحدة من جميلات البلد ، يدندن علي عوده اغنية واحدة لا يغيرها طوال الرحلة ( يطلب من القمرية ان يطير الي حيث الحبيبة لتطمئنه عن أحوالها ).
وصلت قريتي دمبو ، جاء الرفاق في المساء ، افترشنا الارض و التحفنا السماء في ليلة مقمرة ، ملأت رئتي بدخان السيجارة المحلية القمشة ، أحسب أن دمي كان في حاجة الي نيكوتين القمشة ، خرجت الضحكة صافية مع صبوري و محمد عبد الكريم وغيرهم ، نمت في حوش بيتنا و الراديو في حضني ، استمع لسناء منصور وسلمي الشلاش في إذاعة مونتكارلو ، فاروق شوشة من خلال برنامج لغتنا الجميلة بإذاعة صوت العرب وطريقة إلقائه للشعر يجعلك تعيش الحب ، نسائم الصيف تحمل من وقت لاخر أصوات الطنبور ، بعض الشباب يتسامرون ، يمكنني ان أميز صوت محمد أربو رغم بعد المسافة ، نمت وانا في عالم آخر و وردي يغني عاد الحبيب.
كنت في شوق لجزيرتنا قلبون فأنا قبل ان أمتهن الطب في الأصل مزارع ابن مزارع أجد نفسي في فلاحة الارض ، قلبون الخضراء جزيرة في موسم فيضان النيل ( الدميرة ) ، ولكن في غيرها تمتد الرمال الناعمة و تصلها بالقرية.
وقتها عمي وجدي صالح بيك كانو بصحتهم و حافظوا علي نظافة الجزيرة وترتيبها ، عكس ما هي عليه الآن ، بعد رحيلهم اصبحت غابة يصعب دخولها ، كنت سعيدا و أنا أقلد وسط الحقول و أشجار النخيل ، أملأ رئتي برائحة أشجار الريحان والليمون والبرتقال.
حينما عزمت علي العودة ، وانا في قلبون ساب أي الطرف الشمالي كانت الشمس قد توارت خجلا خلف نخيل حميد و علي وشك المغيب ، أسراب الطيور كانت تتجه شمالا فوق أشجار جزيرة أبشاش ، أذهلني منظر الغروب و احمرار السماء ، أغرتني الرمال الناعمة الممتدة ان أخلع نعالي احملهم في يدي ، رفعت اطراف الجلابية ومشيت أداعب امواج النيل الخالد.
فجأة ودون مقدمات إنتابتني عاصفة من الحنين و الأشواق اليها ، نوع الحنين الذي يكوي الأضلع ، كمية من المشاعر لم أعهد مثلها من قبل.
سألت نفسي هل يمكن ان تتشابه الأماكن لهذة الدرجة ، لولا يقيني بان الشاعر إسماعيل حسن من منطقة الشايقية و لم يقم بزيارة هذه المنطقة لقلت انه وقف في هذا المكان حينما انشد.
الخدود الشاربة من لون الشفق عند المغارب
ديل خدودك .. سيدي وسيد الناس ، يا سيد الحبايب
الغروب يسألني منك .. أمسياتنا في شوق إليك
الرمال الناعمة مشتاقة لمشيك
الطيور الراحلة في ضل المساء
تسأل عليك
كيف تفارق الضفة و النيل هان عليك.
طال علينا فراقكم والله يا غائبين
قدر ما ننسي ال علينا
برضه مشتاقييييين
،،،،،،،،،،،،،،،، ،،،
مدينة دمفريز ، إسكتلندة، اغسطس ٢٠٠٦
،،،،،،،،،،، ،،،،،،،،
كتبت هذه الخواطر ايام المنتديات قبل عشرين سنة ، مياه كثيرة جرت تحت الجسر.
الرحمة والمغفرة لمن كانوا سندي و ظهري بعد الله ، الأعمام عبده علي و محمد فرح.
الف رحمة و نور لمن جملوا ايامنا محمد ابراهيم و احمد حمادة و مختار متولي ، ربنا يبارك في ذريتهم.