من نيروبي إلى الطائفية: كيف هدم خطابٌ واحدٌ أسسه بيديه؟ قراءة نقدية فى مقالى دكتور الوليد مادبو
في الكتابة السياسية، قد يختلف الناس حول المواقف، وقد تتباين الرؤى حول الحلول، لكن ما يمنح أي طرحٍ قيمته الحقيقية ليس قوة اللغة ولا حدة النقد، وإنما اتساق المنهج وثبات المعايير. وعندما يفقد الخطاب السياسي هذا الاتساق، يتحول من محاولة لفهم الواقع إلى مجرد أداة سجالية تتبدل معاييرها بتبدل الخصوم.
هذا ما يلفت الانتباه عند قراءة مقالَي دكتور الوليد آدم مادبو: “نيروبي وإعادة تدوير الفشل السوداني” و”إعلان نيروبي: لحظة انكشاف الطائفية السودانية”. فالمقالان، رغم صدورهما في فترة زمنية متقاربة، يقدمان رؤيتين متعارضتين إلى درجة أن أحدهما يكاد يهدم الأساس النظري الذي يقوم عليه الآخر.
في المقال الأول، يشن الكاتب هجومًا واسعًا على اجتماع نيروبي وقوى “صمود”، ويصورها باعتبارها نخبة منفصلة عن الواقع، عاجزة عن فهم طبيعة الدولة والحرب وموازين القوة. ويؤكد أن السياسة ليست خطابة أخلاقية ولا بيانات ناعمة ولا شعارات مدنية، وإنما هي إدارة للمصالح والقوة والخوف والتوازنات الاجتماعية. ويذهب إلى أن الحرب نفسها أفرزت وقائع سياسية واجتماعية جديدة لا يمكن تجاوزها بالرغبات أو الأمنيات.
وفق هذا المنطق، تصبح الشرعية السياسية مرتبطة بالقدرة على التأثير وبالتمثيل الاجتماعي وبالوقائع التي صنعتها الحرب على الأرض. ولذلك يمنح الكاتب الجيش والدعم السريع وضعًا سياسيًا خاصًا، ليس بوصفهما مؤسستين عسكريتين فقط، بل باعتبارهما حاملين لتوازنات اجتماعية وتاريخية يجب الاعتراف بها.
لكن القارئ ينتقل إلى المقال الثاني ليجد نفسه أمام خطاب مختلف تمامًا. فإعلان نيروبي الذي كان قبل أيام عنوانًا للفشل والعجز والانفصال عن الواقع، يتحول فجأة إلى مناسبة لكشف ما يسميه الكاتب أزمة الطائفية السودانية. ويصبح الاعتراض على بعض بنوده، وخاصة ما يتعلق بالعلمانية، دليلًا على تخلف البنى التقليدية وعجزها عن استيعاب الدولة الحديثة.
وهنا يظهر التناقض الأول والأكثر وضوحًا: إذا كان إعلان نيروبي يمثل إعادة إنتاج للفشل السياسي كما قيل في المقال الأول، فلماذا يصبح في المقال الثاني مرجعية يُدان الآخرون بسبب رفضها؟ وإذا كانت القوى التي صاغته منفصلة عن الواقع وعاجزة عن فهم طبيعة الصراع، فكيف تصبح مخرجاتها معيارًا للتقدمية والحداثة؟
غير أن التناقض الأعمق لا يتعلق بنيروبي نفسها، بل بطريقة فهم السياسة.
ففي المقال الأول يسخر الكاتب من “الأخلاقوية السياسية” ومن الخطاب الحقوقي والإنساني الذي يتجاهل موازين القوة. ويقدم نفسه بوصفه واقعيًا سياسيًا يدرك أن الدول لا تُبنى بالأمنيات وأن الحروب لا تنتهي بالشعارات.
لكن المقال الثاني يقوم بالكامل على خطاب معياري أخلاقي يدافع عن المواطنة والعلمانية والدولة الحديثة والحريات العامة. وهي كلها قيم مشروعة وقابلة للدفاع عنها، لكنها تنتمي إلى الحقل الأخلاقي والمعياري نفسه الذي هاجمه الكاتب في مقاله الأول.
بمعنى آخر، عندما تحدثت قوى صمود عن المدنية والسلام وإيقاف الحرب، وصف الكاتب ذلك بأنه خطاب ناشطين ومنظمات. وعندما تحدث هو عن المواطنة والعلمانية والدولة الحديثة، أصبح الخطاب المعياري فجأة مشروعًا وضروريًا.
هنا لا يرفض الكاتب الأخلاقوية من حيث المبدأ، وإنما يرفضها عندما تصدر عن خصومه، ويستدعيها عندما تخدم استنتاجاته الخاصة.
ويزداد التناقض وضوحًا عند الحديث عن الهويات الاجتماعية.
ففي المقال الأول يمنح الكاتب مشروعية سياسية للحركات والقوى التي يرى أنها تعبر عن جماعات مهمشة تاريخيًا، ويعتبر أن الحرب فتحت المجال أمام هذه الجماعات لاقتحام المجال السيادي الذي احتكره المركز لعقود.
أما في المقال الثاني، فإن الانتماءات الجماعية نفسها تتحول إلى مصدر للأزمة عندما يتعلق الأمر بالطائفية والأنصار وحزب الأمة. وهنا يحق للقارئ أن يتساءل: لماذا تصبح الهوية الاجتماعية مصدرًا للشرعية في حالة، ومصدرًا للتخلف السياسي في حالة أخرى؟ ولماذا يُنظر إلى بعض الجماعات بوصفها ضحية تاريخية تستحق التفهم، بينما تُختزل جماعات أخرى في صورة الامتياز والوصاية والرجعية؟
إن التحليل المتوازن يقتضي تطبيق المعيار نفسه على الجميع، لا تبديله بتبدل الفاعلين.
ومن الملاحظ أيضًا أن المقالين يعتمدان بصورة كبيرة على تفسير النوايا أكثر من مناقشة الأفكار. فمعارضو العلمانية لا يُقدَّمون باعتبارهم أصحاب رؤية مختلفة، بل باعتبارهم مدافعين عن امتيازات تاريخية. والنشطاء المدنيون لا يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب اجتهاد سياسي، بل باعتبارهم منفصلين عن الواقع. وهكذا تتحول السياسة من نقاش حول البرامج والرؤى إلى محكمة للنوايا والدوافع الخفية.
وربما تكمن الإشكالية الأعمق في أن الكاتب يضع نفسه خارج دائرة النقد التي يوجهها للآخرين. فالجميع تقريبًا في المقالين يعانون من سوء الفهم أو الوهم أو العجز: النخب المدنية، الطائفية، الناشطون، القوى السياسية التقليدية. أما الكاتب فيتحدث من موقع المفسر الوحيد القادر على كشف الحقيقة المختبئة خلف الأحداث.
هذه النزعة تمنح النص قوة بلاغية بلا شك، لكنها تضعف قيمته التحليلية؛ لأن التحليل الرصين لا يبدأ من افتراض جهل الجميع وصواب الكاتب، وإنما من محاولة فهم تعقيد الواقع وتعدد زواياه.
إن الأزمة السودانية أكبر من أن تُختزل في الطائفية وحدها، كما أنها أكبر من أن تُختزل في النخب المدنية أو العسكريين أو المركز والهامش. وهي بالتأكيد أعقد من أن تُفسر بمنهج يتغير من مقال إلى آخر تبعًا للخصم المستهدف بالنقد.
ولهذا فإن المشكلة الأساسية في المقالين ليست في الدفاع عن العلمانية أو نقد الطائفية أو رفض نيروبي. فهذه كلها مواقف سياسية قابلة للنقاش. الإشكال الحقيقي يكمن في غياب الاتساق المنهجي. فمرة تصبح القوة مصدر الشرعية، ومرة تصبح المواطنة مصدرها. ومرة تصبح الجماعة الاجتماعية أساسًا للفعل السياسي المشروع، ومرة تصبح عقبة أمام الدولة الحديثة. ومرة يكون إعلان نيروبي عنوانًا للفشل، ومرة يصبح معيارًا للحكم على الآخرين.
عند هذه النقطة لا يعود التناقض مجرد تفصيل عابر، بل يصبح جزءًا من بنية الخطاب نفسه. وهنا يفقد النقد كثيرًا من قوته، لأن أي خطاب لا يستطيع أن يحاسب الآخرين بمعايير لا يلتزم بها هو نفسه.
إن السودان اليوم بحاجة إلى فكر نقدي يراجع الجميع بالمعيار ذاته، ويخضع كل الفاعلين للمساءلة نفسها، ويعترف بأن الحقيقة السياسية أكثر تعقيدًا من أن يحتكرها طرف واحد أو يختزلها مقال واحد مهما بلغت فصاحته وقوة لغته.
الاثنين ١ يونيو ٢٠٢٦


