الأحد - 10 جمادي الثاني 1447 هـ , 30 نوفمبر 2025 م

مصادر تفيد بتقدم الجيش بكردفان وتحالف “تأسيس” يتهمه بمهاجمة المدنيين في جبال النوبة

وداعا خالي النبيل محجوب عباس ..فارس الإنسانية الصامت

وداعا خالي النبيل محجوب عباس ..فارس الإنسانية الصامت
د.عبد المنعم همت

وصلتني رسالة مختصرة من خالتي خديجة ” منعم محجوب توفى ” ومعها اتصال متواصل منها ، لم ارد ، كررت الاتصال ولكن صدمة فقدي لخالي وصديقي محجوب كانت اكبر.

لم تكن جملة «منعم محجوب توفّي» خبرا عابرا ، كانت صدمة أطفأت ضوء العالم لحظة واحدة، فأغلقت على سمعي وبصري، وفتحت في القلب بوّابةً واسعة يتقدّم منها طيف خالي النبيل، محجوب عباس؛ الرجل الذي حمل أثقال الناس بضمير المثقف النوعي فعرفهم واحدا واحدا، فيما ظلّ أكثرهم يجهل عمق عطائه وسخاء روحه.

كان محجوب، في سيرته الممتدة بين قاعات جامعة الخرطوم ومسرحها ودهاليز مكتباتها، أشبه بمعلمٍ سريّ للبهاء. يكتب كمن يفتّح أبوابا في اللغة، ويُخرج للمسرح ما يشبه تنفّس الروح، ويطلّ على الشعر من علوّ يستحيل على غيره. رسالته للماجستير عن وولت ويتمان كانت، في ذاتها، قطعة أدبية لا تُدرّس بل تُعاش، تجسّد انغماسه في جوهر النص، لا في سطحه.

كان ضحكه المجلجل، ذلك الذي يهزّ السقف ويرجّ القلب، قدرة خارقة على تغيير مزاج العالم . ضحكة لا تعرف الانكسار ولا تستسلم لفكرة أن الحياة يمكن أن تُهزم.

ولم يكن محجوب شاعرا أو أكاديميا فحسب، بل كان سفيرًا دائمًا للإنسانية؛ يتقدّم إلى معاناة الآخرين كمن يطفئ نيرانا في صدره هو، لا في صدورهم. في ليلة عيد الأضحى، جاءه رجل يستعير ثمن خروف العيد، فدخل محجوب بيته وعاد بالخروف نفسه، وقدّمْه للرجل دون سؤال أو تردد، حتى كأن العطاء عنده فعلٌ فطري لا يحتاج إلى تفكير. وفي يوم آخر، صادفته امرأة في شارع الجامعة، تشكو ضيقها، فأدخل يده في جيبه وأعطاها ما فيه كلّه، ثم مضى راجلاً إلى بحري الشعبية، كأنما اختار أن يواصل الطريق خفيفًا من المال، ثقيلًا بالرحمة.

ولمحجوب حكايات كثيرة، لا تُحصى بمقاييس السرد بل بمقاييس النُبل. كان رجلًا يمشي في الدنيا بخفة شاعر، وبمسؤولية حكيم، وبسخاء لا يملك المرء إلا أن يخجل أمامه.

رحل محجوب، وبقي أثره… يُضيء. وبقي صوته… يضحك. وبقي قلبه… يمدّ العالم بما ينقصه: الإنسانية الخالصة.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور