جيت مصر وما شفتها

جيت مصر وما شفتها
  • 02 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

أنور محمدين

وصلت وادي حلفا من البلد وبي حزن الفراق الممض، فضمتني والعزيزين ميرغني سري وزهير الهادي جلسة ود رقيقة، غير أني لم أوفق في لقاء الحبيب د. عمرو رغم المحاولة.
الصباح التالي اجتزنا ببص سفري المعبرين السوداني والمصري وما بينهما من تفتيش مكرر وتقليب للمحتويات لم ينم سوى عن تمر وأبري وحلومر وأغراض شخصية.
قطعنا النيل بعبارة بطينة تحمل عددا من البصات والمركبات لنرسو على أبوسمبل لتناول غداء متأخر، خلاله عرض علينا أحدهم شريحة جوال مصرية مقابل 370 جنيها أسهب في مزاياها ورغم تمهلي في مثل هذه العروض إلا أن ما شجعني تمكيني من التواصل مع الأسرة والصحب والحرص على عدم الانقطاع، ولم يتأخر ندمي ففي الصباح التالي جاء تنويه الشركة:
رصيدك نفد، رجاء تغذيته!
أنا أستاهل زي ما قال وردي!
وصلت منزل أخي د. خيري في أسوان قبيل منتصف الليل وبعد التحيات الزاكيات طلبت مشروب ليمون وماء فالأكل تناولناه قبيل سويعات.
أسرعت الصباح لمعاملة مصرفية في كورنيش أسوان فطلبوا عقد إيجار فأوضحت أنني على سفر فلم تجد رجاءاتي المشفوعة بتذاكر سفري نفعا فكان أن طلبته على الجوال ثم نسخته في مكتبة ولم أك  مقتنعا ب ” مرمطة ” العابرين.
ما الأضرار التي ستنجم عن تجاوزه مدى أسبوع مثلا لمن قدم حديثا وبياناته موجودة لدى السلطات في المنافذ تشجيعا للسياحة على الأقل؟
بعدئذ عرجت على محطة السكة حديد  وحجزت نوم للقاهرة المساء التالي، وهذا ديدني في كل جياتي وروحاتي.
عدت للبيت فلم يمكنني رهق السفر من الخروج مجددا فقضيت معظم نهاري مع ابن أخي صاحبي اللطيف محمد خيري، الذي رجع من الدراسة مبشرا لي بنقله لثانية روضة فباركته وشجعت، ولاسيما وأنه يحمل اسم والدي الحبيب فتمدد بيني وبين الجدار يراجع كتاب حساب على شاكلة:
7 بقرات، 15 بطة ولما تقدم قال:
مش عارف 20 ايه؟ فأضحكني فقال:
ايه رأيك يا عمي نتونس، قلت:
ومالو؟
فأبعد كتابه ووضع رأسه على ظهري فقلت له:
عايز أسوقك معاي القاهرة، قال:
لكن سأرجع في رمضان لما أبوي يجي من السودان، قلت:
اتفقنا فانزلق جاريا لأمه بالقطع للحصول على موافقتها على اتفاقنا التاريخي!
عاد يقول:
يا عمي متذكرك لما جيتنا أمبارح .. يقصد قبل 6 أشهر خلال سفري للسودان!
حل المساء فرقدت مبكرا غير أن هجمة مضرية اجتاحتني بغتة: كحة متصلة لا ترتاح، حمى جوة الضلوع معربدة، إحساس بالتهاب لوز، وصداع لا يستكين، فضلا عن فقدان الشهية فسهرت معي أم محمد وأنا في توهان عجيب!
السادسة صباحا استجمعت قواي فتناولت مضادا حيويا قويا من ظرف إسعافات سفرياتي فارتحت قليلا.
عند منتصف النهار اقترحت أم محمد، ابنة خالي وخالتي تأجيل سفري لكني لم أشأ زعزعة الأهل.
صحبتني أم محمد للمحطة مساء ولم تتركني إلا عند باب عربة النوم، التي حمل أمتعتي لها ” شيال”  فودعتها فوقفت حتى ابتلعها الزحام وأنا لمواقفها الرائعة حامد، شاكر.
جاء زميلي في النوم متأخرا والقطار يبدأ دوران عجلاته، فإذا هو شاب أنيق ببدلة كاملة وخلال ساعة كعادة السودانيين كنا قد تعارفنا كيف لا وقد نشأ في الكلالكة الوحدة مع أولاد السر الوكيل ومحيي الدين إبراهيم عثمان أهلي هو الأستاذ علاء الدين عرفات صاحب مدرسة سودانية في أسوان، غير أن والديه عادا لمضارب جدودهما غربي أسوان وباعا بيتهما في الخرطوم قبل سنوات واستعادا جنسية جدودهما المصرية، أما الأستاذ علاء ابنهما فلايزال يلهث وراء إثبات مصريته ولجاجة هل والده كان سودانيا بالميلاد أم التجنس وهو يجتهد في متابعة الجانب السوداني عبر رحلات مكوكية إنقاذا لتمكين ابنيه من دراسة الجامعة كأي مصري دون دفع دولارات كأجنبي، ولم أعرف هل أضحك أم أبكي وقد استرجعت ذاكرتي مشهد صديقنا الأستاذ المبدع نوري سيد علي ( مشو ) عميد شعراء فناني الدنقلاوية الأسطع، وهو شاعر أغنية الليري ووبنية  للمتألق زكي عبد الكريم وهو يرتاح على أريكة بيني وبين صديقنا مكي علي إدريس في الرياض طارحا قضيته، المتمثلة في كون والده يحمل جنسية دولة
خليجية ثرية نظير خدماته المقدرة سنين عددا بينما هو سوداني زي حالاتنا مطالب بكل شيء وأي شيء فأداعبه:
حبيبنا نوري نحن نملك لك حلا سحريا يصلح لأخيلة الأدباء والشعراء الخصبة فيسأل متلهفا: ما هو؟
فأقول: الأماني السندسية فترتفع ضحكاتنا تجلجل حنايا غرفة مكي الحانية.
بالمناسبة تعجبت لعدم تنظيم حفل جماهيري للعملاق زكي عبد الكريم خلال وجوده الطويل بالرياض تقديرا وعرفانا ودعما .. لست أدري من أحق منه وقد شاهدت تكريما لتجارب أقصر مدى تكاد لا تملك أعمالا خاصة لافتة !!
الصباح التالي وصلت القاهرة فلزمت آخر سرير في البيت قرابة شهر لا أغادره الا لحمام أو لطبيب أو مختبر، دون إعلان وصولي خاصة أن التشخيص تذبذب فخشيت أن يزورني أهلي وذوو ودي الكثيرون فيصيب بعضهم ما أنا به من ألم وسهر وخوف من المجهول الرمادي.
آخر زيارة لطبيب ومختبره قبل 5 أيام ثم غادرت مصر فجر اليوم التالي ..  الأربعاء إلى الدوحة في رحلة امتدت زهاء 3 ساعات،   حيث وصلتني نتائج القاهرة الطبية الطيبة بزوال عرض مصر وعودة الصحة فل .. حمدا لله، ما يجعلني مستمسكا بقاعدتي الذهبية: الاعتدال في تناول السكر والملح والدهن.
تيقنت في دوحة العرب مجددا أن الجغرافيا وإن ضاقت فلا تحدها الطموحات الواثقة المدروسة، كيف وأمامي البيان بالعمل آلاف العابرين الدوحة لكل آفاق الدنيا كل ساعة وأنتم بحالنا ومطاراتنا أعلم.
بعد ساعات في الدوحة وأخي الأغر د. محمد عوض محمدين يمازحني من الدمام:
ياهو بقينا جيران!
اعتلينا طائرة قطرية عملاقة( قبل 72 ساعة من اندلاع الحرب) وهي تحلق بنا وجوفها غاص بكل سحنات الدنيا على ارتفاع ما يزيد على 4 آلاف قدم فوق أوراسيا وبقاع شمالي الكرة الأرضية الثلجية عبر كندا على مدى نحو 14 ساعة متصلة  متخذة شكل مرمى كرة قدم لتهبط في مطار مدينتنا الجميلة سياتل، إحدى قلاع أمريكا الاقتصادية، الصناعية الجبارة.
الطائرة تتمهل سابحة جوا عند المداخل تنتظر دورها ففي كل نصف دقيقة تهبط طائرة وأمامنا على المدى طائرات أخرى تعلو تباعا كسرب حمام ينطلق من برجه سراعا.
بعد لحظات كنا في صالة هائلة نتسلم أمتعتنا بالمئات، لا أرى سودانيا .. لكن قربي شاب إفريقي بأطفاله وزوجته الحسناء الممراحة كأنما رضعت على صدر القمر تعاونه وقد تكون تركية أو شامية زميلة دراسة. أما بجانب آخر فسيدة صومالية بأطفالها وزيها الشعبي الفضفاض وطرحتها المسبلة، اللذين لا حيدة عنهما، وكانت قربي في الطائرة هندية بلباسها الساري الشبيه بالتوب السوداني بينما ننزع نحن الجلابية والعمة والتوب المهفهف الجميل طوعا لنرتدي أزياء الناس الأقوى، ربما زهوا!
وفي العالم متاح الذوبان وكذا الاعتداد بالذاتية.
ها نحن في سيارتنا ننطلق إلى بيتنا في وسط سياتل والمدينة تتأهب لربيع وشيك تملأ شوارعها وميادينها الأزهار الملونة وشذاها العبق الأخاذ!

الوسوم أنور-محمدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*