السبت - 18 رمضان 1447 هـ , 07 مارس 2026 م

الأمة القومي يدين قصف الجيش للمجلد والفولة والهجوم على قرى غرب الرهد ويطالب بحماية المدنيين

مشهد ودعة

مشهد ودعة
إسماعيل آدم

الراحل(نور الدين مدني) يقع في نطاق بين الموجتين الثانية والثالثة في مسيرة الصحافة السودانية.
وهي مسيرة شرف ونبل ودأب، وسير مرهق في طرق وعرة، محفوفة بكل وعثاء السير.
وتجديف في بحر هائج، فناراته كثيراً ما تنطفئ، وضفافه ضباب.
قدم مدني للصحافة كل الجهد والوقت… والعمر، حتى آخر نفس. يا الله.
كان يمارس الصحافة مشياً بين الناس، في الطرقات والأحياء والأسواق والنجوع.. وفي المواصلات العامة.
عبر عموده الصحافي الشهير: (كلام الناس)، نقل مدني، على مدى عقود، بصدق ما رأى وسمع وقرأ، بسهولة منقطعة النظير، ووضوح كاشف، يتيح لكل من فك الحرف، ووعى، لحد ما، الفرص ليرى المدى والأفق، القريب والبعيد، وليرى نفسه قبلاً.
ظل مدني تنويرياً من الدرجة الأولى، مبذولاً للناس، بأدوات سهلة، ترخي جناح التواضع لكل من قرأ وكتب وتأتأ بالكلام المكتوب.
كان يجيد فن (السهل الممتنع) من أجلهم، بل كان ملكاً متوجاً للسهل الممتنع.
يتقن تفكيك المصطلحات الكبيرة المعقدة، ليحللها إلى كلام سهل بسيط، ولا مسطح، حي نابض يمشي بين الناس.
وكان أبوياً ومعلماً للأجيال اللاحقة من الصحافيين، ينير لهم الدروب المظلمة الشائكة، يميط عنها الأذى، ويهيئ لهم سبل المشي للأمام، في بلاط مهنة صعبة المراس.
بل كان مدني لهم الأخ والصديق، كتفاً بكتف، بينهم ومعهم، في السراء والضراء، وفي صحن البوش.
وكان محبوب الكل، ومنهلاً ومورداً لصغار الصحافيين. أحببته دائماً.
أما داخل الصحيفة، فكان مدني سكرتير التحرير المتفرد بنسيج مختلف.
كان ضابط إيقاع العمل، وكان قادراً على العمل في اتزان ووعي في الزمن الضاغط.
(لاعب وسط) فنان، ممسك بخيوط اللعبة، في كل الاتجاهات، إلى أن تصدر الصحيفة، ساخنة، بين يدي الناس، في اليوم التالي.
تخرجنا من الجامعة في مايو 85، وتشعبت الدروب.
وفي يوليو 85، جئت إلى صحيفة الأيام أبحث عن فرصة تدريب، فوجدت الفرص ممتلئة بمتدربين جدد: إسماعيل محمد علي، وجمال عبد القادر، وحيدر المكاشفي، وصفاء وهويدا، والراحل سراج، وعمر أحمد الحاج، وشاكر عثمان، و.. و…
وقال لي مسؤول التدريب في الأيام، حينذاك: تجينا بعد شهر أغسطس، قد نجد لكم الفرصة.
ذهبت إلى الصحافة، وكان الراحل مدني سكرتيراً للتحرير فيها، ومسؤول التدريب، على ما أعتقد، قال لي نفس الكلام، تسبقه بشاشة وابتسامة صادقة.
بعد أشهر، عدت إلى الأيام، ووجدت فرصتي.
وأنا في سوح التدريب، ضمن المتدربين الآخرين، التقيته بالصدفة، وقد جاء إلى دار الأيام في الخرطوم بحري لغرض ما. سلمت عليه، ولدهشتي أنه عرفني على طول، وقال لي بالشاشة ذاتها: بعد ما تخلص من هنا، يقصد الأيام، تعال لينا، ما عندك أي مشكلة.
ولكننا انتقلنا مجموعة شغوفة متحمسة، كمتسابقين على خط الميس، من جريدة الأيام إلى جريدة السياسة. صحافيون معتمدون جنيرز مؤسسون في السياسة، وفينا من الدهشة ما في (عمامة أعرابي يدخل المدينة لأول مرة)، على حد وصف عبقري للقاص الفنان بشرى الفاضل، وما يكفي من آمال عريضة، وعنفوان شباب.
وكان ذلك قبل صدور السياسة، المؤسسة الراكزة، بشهرين. وتلك قصة أخرى، جديرة أيضاً بالحكي.
كان مدني محبوب الكل. أكرر. وكان بصمة كبيرة في مسيرة الصحافة.
له الرحمة والمغفرة، ومكانه الجنة.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور