حرب التمكين لإسرائيل التوراتية … العرب لا نصير لهم .. الكل طامع في ثرواتهم ..
أسوأ ما يمكن أن يحدث للعرب هو سقوط نظام إيران الحالي، وقدوم نظام حليف لإسرائيل، ألعوبة في أيدي الصهيوصليبية، ويومها سوف يصيح الجميع: أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأَبْيَضُ …
من أكثر السيناريوهات رعباً وسوء عاقبةٍ لدول الخليج، هو سقوط النظام الإيراني الحالي بالكامل، لأنه سوف يقود، إما إلى دولة قوميات وطائفيات مفككة، تكون خطراً على جيرانها، أو ميلاد نظام حكم إيراني يقع بالكامل تحت الوصاية الصهيوصليبية ..
وسقوط النظام الإيراني الحالي، مع أنه غير قطعي، إلا أنه أمر ممكن الحدوث بمنطق ميزان القوة المشاهد اليوم، ولكنه إن حدث، لن يسقط وحده، فسيجر معه كل المنطقة إلى القاع ..
وهذا سيناريو لا يفوقه في السوء، غير صدور قرار متعجل من بعض الدول الخليجية بدخول الحرب ضد إيران مناصرة لأمريكا وإسرائيل بدعوى الدفاع عن سيادتها ..
وهو موقف في المحصلة النهائية، يعني أنهم يناصرون ويشاركون أمريكا في حربها من أجل إسرائيل، وذلك حسب توصيف الرئيس الأمريكي لهذه الحرب، عندما قال مبرراً لها: إنه ضرب إيران لأنها كانت تعد العدة لمهاجمة إسرائيل ..
على العرب أن يدركوا أنها ليست حربهم، وأنها حرب إسرائيل، حرب نتنياهو وترامب، ويعلموا أن هزيمة أمريكا وإسرائيل في هذه الحرب يخدم مصالحهم حالياً وفي المدى البعيد، لأنه سيزيح عنهم خطر توسع إسرائيل الساعية لإقامة دولة إسرائيل التوراتية الكبرى على أراضيهم ..
وقد بان واضحاً موقف أمريكا السلبي، متفرجة ولازمة للصمت، وهي ترى حلفاءها من عرب الخليج الخلصاء يُضربون بالصواريخ الإيرانية، وحقيقة فإن معظم القصف الإيراني كان موجهاً نحو المصالح والقواعد الأمريكية، والتي صارت عبئاً عسكرياً ومالياً وسياسياً على هذه الدول، والتي كان من المفترض أن تدافع عنهم، ولكن وضح أنها بنيت من أجل التمهيد لإسرائيل لتسيطر على الشرق الأوسط، وتحقق حلمها التوراتي بإقامة دولتها من الفرات إلى النيل، مبتلعة مساحات كبيرة من أراضي دول عربية عديدة، وهو أمر يُنفذ في العلن وليس في الغرف المظلمة، وهذا أكده ما جاء في اللقاء المتلفز الذي أجراه الإعلامي تاكر كارلسون مع أكبر مسؤول دبلوماسي أمريكي في الشرق الأوسط، وهو السفير الأمريكي لدى إسرائيل القس مايك هاكابي ..
إن هذه الدول والتي ما زالت تلهث وراء أمريكا، متعشمة حمايتها لهم من الصواريخ الإيرانية، مع الخذلان المستمر من قبل أمريكا لهم، إذ هرعت بعيداً لتدافع عن ربيبتها إسرائيل، وتدفع عنها الخطر الإيراني، تاركة هذه الدول لحالها، لتدافع عن نفسها بأنظمة دفاع جوي متهالكة ومكلفة، وبلا صواريخ اعتراضية كافية، كأنما باعت أمريكا لهم سيارة بلا وقود، فبندقية بلا ذخيرة، ليست أكثر من تحفة على حائط، وهي أسلحة بلا كفاءة، ومن الواضح أنها جاءت ضمن صفقات أسلحة فاسدة، وهنا تستحضرني ما عُرف بصفقة اليمامة ..
وقد أدرك الجميع أن هذه القواعد العسكرية لم يكن هدفها أبداً دفع غائلة هجوم خارجي، وإنما صممت لدعم تحرك داخلي يُدبر في الخفاء، يتم تفعيله إذا استوت الأمور وصدر الأمر باحتلال منابع النفط والغاز في هذه البلدان، تحت أي ذريعة كانت، وهم لن يعدموها، وقد اتضح هذا الأمر من عدم مقدرة هذه القواعد الدفاع عن نفسها، إذ كانت تحت رحمة الصواريخ الإيرانية بالكامل، وهي الآن جميعها تقريباً خارج الخدمة ..
لهذا على الدول العربية أن تعرف أنها المستهدف الأول من هذه الحرب، وأن احتلال مناطق النفط هو هدف رئيسي لأمريكا، وهو أمر قد فعلته أمريكا قبلاً في فنزويلا، وتهدد بفعله وتكراره في كوبا وغرينلاند وكندا، فهم يريدون التحكم في البترول، ليس فقط لعوائده الكبيرة، ولكن لأمر أهم عندهم وهو خنق الصين اقتصادياً، فهي عدوهم الأول ومنافسهم الأوحد، ومكمن الخطر المستقبلي عليهم ..
إن أي تحرك عسكري من جانب هذه الدول ضد إيران، سوف يضر بها أولاً، وسيغرق المنطقة في فوضى كبرى ثانياً، وهي فوضى تخطط لها أمريكا، لخلق الذريعة التي تقدمها لشعوبها المُغيّبة، كتبريرات عن فعلها المشروع كما تدعي لتأمين مناطق النفط، وإذا حدث هذا فلن تجدوا نصيراً من روسيا أو الصين، فهذه نمور من ورق، تلهث وراء مصالحها، ولن تكون لكم معيناً، فروسيا من أكثر المستفيدين من اتساع هذه الحرب، لأن مخاطر تدمير منشآت البترول أو تعطيل إمداداته مخاطر عالية، الأمر الذي سيقلل من حجم المعروض وزيادة الأسعار، مما يجعلها تجني أضعاف ما تجنيه حالياً، وهو ما يعيد الحيوية إلى اقتصادها المترنح حالياً، إضافة إلى أن بوتين من جانب نجده في توافق تام إن لم يكن في تنسيق مع ترامب، ومن جانب آخر فروسيا أصبحت تضع وتخطط سياستها الخارجية انطلاقاً من أخطاء ترامب ..
وبوتين اليوم يسعى إلى تحقيق ثلاثة أمور:
تفكيك الناتو
تفكيك الاتحاد الأوروبي
تفكيك الداخل الأمريكي
والغاز وحده قادر على فعل الكثير، أما الصين فما زالت في مرحلة بناء القوة وربما تحتاج إلى ما بين خمسة إلى سبعة أعوام لتقف في وجه أمريكا، لهذا فهي الآن صياد أسواق لا غير، مثل كلب صيد متى ما رميت له بعظم جرى نحوه …
ودخول المنطقة في صراع إقليمي سوف يقود إلى إفراغ دولها، خاصة البحرين وقطر والإمارات والكويت تدريجياً من سكانها، وربما يتم مكافأة إيران ببعضها عند نهاية الحرب، إذا جاء نظام موالٍ بديل عن نظام الملالي ..
ويجب أن يعلموا أنه وبمجرد دخول المنطقة في الحرب سوف تنزلق إلى فوضى لا مثيل لها، فوضى سوف تتمخض عن واقع دولي جديد، عن منطقة بلا دول، ودول بلا سيادة، وثروات منهوبة، وحالة من التوهان يصعب الخروج منها ..
ولتدركوا أنه سوف يتم تشريدكم في المنافي، ومصادرة أموالكم في المصارف العالمية كما حدث لأموال ليبيا، وسوف يتم حرمانكم من نفطكم وغازكم، ألم تستمعوا قبلاً لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول في عهد بوش، وعند غزوهم للعراق، عندما قال:
جئنا إلى أرض الخليج لنصحح خطأ الرب الذي جعل البترول في أرض العرب ..
إن خطر وجود إيران موحدة مستقلة أقل ضرراً وخطراً على دول الخليج من سقوطها وتغيير نظامها الحالي لنظام موالٍ وحليف لإسرائيل ..
إن ما يمنع إسرائيل اليوم من احتلال أراضيها التوراتية المزعومة هو وجود خطر النظام الإيراني الحالي عليها، واضطرار إسرائيل لتوجيه معظم جهودها لمحاربته، فمتى ما زال هذا الخطر فسوف تتفرغ لدول المنطقة، وتبدأ في تحقيق حلمها ..
وعندها لن ينفعكم حلف سني أو خلافه، لأن ترامب، منطلقاً من مزاوجة بين اللاهوت والمصالح، معتمداً على مصدر توراتي، مدعوم من جبهة عريضة من المسيحيين الصهيونيين، سوف يسفر عن هدفه الحقيقي الرامي لإعادة ترتيب المنطقة وفقاً لهذه النبوءات التوراتية، وها هو وزير الدفاع الإسرائيلي وخلال كتابتي لهذا المقال يعلن قائلاً: إن التعاون بين ترامب ونتنياهو سوف يغير وجه المنطقة والعالم كله، فأي دليل أكثر من هذا يبغون ..
ولتعلموا أن أمريكا تستخدمكم لتفكيك الحلف الشيعي أولاً، ومن ثم تتوجه لتفكيك ووأد الحلف السني الذي بدأ في التبلور والتشكل منذ فترة، وهو الحلف الذي أرعبهم، وسوف يعملون على تفكيك وضرب مكوناته خاصة رباعي: باكستان، تركيا، مصر والسعودية ..
وسوف تبدأ أمريكا باستخدام الأقليات العرقية والطائفية لتحقيق ذلك، وحالياً سوف تدفع بالمليشيات الكردية في الشمال الإيراني (رغماً عن العلاقة الجيدة بين الكرد والفرس) للتحرك ضد النظام الإيراني، محمي بغطاء جوي أمريكي، الأمر الذي يعني تفعيل ورقة العرقيات لإغراق المنطقة في صراع عرقي طائفي يدوم ولا ينتهي لعشرات السنين، متذكرين أن سيناريو العراق، وما نتج عنه من دولة مفككة ما زال ماثلاً، فالعراق ولمدة تقرب من ربع قرن لم يهنأ بالاستقرار السياسي ..
وسوف تسعى أمريكا لقيام دولة كردية بعد اقتطاع أراضٍ من العراق وإيران وسوريا وبالتأكيد تركيا، وهي الورقة التي سوف تستعملها أمريكا لإعادة ترتيب المنطقة وتقسيمها، لفرز أراضي إسرائيل الكبرى في العراق والأردن وسوريا ومنطقة واسعة من شمال السعودية تمتد حتى المدينة المنورة، إضافة إلى الضفة الغربية والتي بدأت إجراءات ضمها فعلاً، ومن ثم إسقاط الدولة المصرية لإكمال مشروع دولة إسرائيل التوراتية الكبرى، التي تحدث عنها سفير أمريكا في إسرائيل القس هاكابي بلا مواربة بقوله: إن هذه الأراضي من حق إسرائيل ضمها إليها، لأنها تنفذ وعد الرب، ولا أعرف عن أي رب يتحدثون ..!
وضمن هذا التحرك أتوقع أن يتم القضاء على الخطر النووي الباكستاني، وذلك بعد الانتهاء من ترتيبات إيران ..
أما تركيا فسوف يتم سلخها عن محيطها الإسلامي بطرق عدة، أهمها جزرة الانضمام للاتحاد الأوروبي ..
وفي إيران سوف يتم تنصيب نظام عميل يقطع التواصل الحدودي بين دول الحلف السني شرقاً عند الباكستان، وغرباً عند السعودية ومصر ..
كما أنه سوف يتم استغلال الوجود الشيعي الكثيف بين سكان دول الخليج لبداية تفكيك هذه الدول مستغلين الغضب المذهبي لديهم ..
ومن الملاحظ الانزلاق التدريجي لدول حلف الناتو الأوروبية في المعركة، وزيادة أعداد الدول التي لها وجود عسكري في منطقة الخليج، مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا واليونان وكندا وأستراليا (وإسبانيا كحالة دفاعية)، وهذا أمر ربما يقود إلى تفعيل المادة الخامسة للحلف، خاصة بعد المسرحية السمجة الدائرة حول قصف إيران لتركيا بصاروخ باليستي، وعندها هو تحقيق لنبوءة (نزول الروم بدابق)، ويليه تنزل نبوءة: لن تستكمل ثلتكم إلا بنزول رعاة الإبل من (شرق) السودان إلى ميدان المعركة، فكما لهم نبوءات فلنا نبوءات، وكما لهم تفسيرات وتأويلات فلنا تفسيرات وتأويلات ..
إنها حرب استنزاف موارد العرب
حرب توفير الأرض لإسرائيل
حرب النفط والغاز لأمريكا
حرب إنقاذ الاقتصاد الروسي
حرب الرشاوى لترامب وعائلته
حرب تزاوج اللاهوت والمصالح
ودول الخليج تدرك أن الخليج هو مصدر ثرواتهم، ومياه شربهم، وأساس نهضتهم، وهم في أمان ما دامت مياهه بعيدة وسليمة من أي تلوث إشعاعي، وهنا لا أحد يعرف هل امتلكت إيران القنبلة النووية أم لا، فهناك حالة عدم يقين، وقد استمعت قبل يومين لأحد المخططين الاستراتيجيين الإيرانيين، وهو يقول: إذا أرادت إيران امتلاك السلاح النووي فما تحتاجه هو أيام قليلة لتصنيع 28 قنبلة نووية، فماذا لو تم ذلك، واختارت إيران في لحظة يأس خيار شمشون، وأصابت دولكم بعضٌ من هذه القنابل، فعندها لن تكون أرضكم صالحة للسكن لعشرات السنين، ولن تكون هناك حتى مياه الشرب الصحية، وذلك لتلوث مياه الخليج وتربته وبتروله وحياته البحرية …
لهذا دول الخليج أمام موقف مفصلي، إما أن يتجاوزوه بحكمة، أو سوف تنتهي بلادهم وسياداتهم إلى الأبد، ومن ثم بداية تقسيمها، وتمكين إسرائيل منها متسلحة بنصوص توراتية أو بالأحرى شيطانية…
فتعقلوا حتى لا تنطبق عليكم مقولة (أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض)، وما أكثر الثيران البيضاء ومتعددة الألوان التي أكلتها أمريكا …
حيدر التوم خليفة
٥ مارس ٢٠٢٦


