نهائي احترافي في دورة عزالدين كابقور الرمضانية
حضرتُ الجمعة ( ٦ مارس الجاري) نهائي دورة رمضانية خُصصت لتخليد ذكرى الراحل عزالدين كابقور، أحد أبناء جزيرة بدين، وفاءً لما قدمه لأهله ومجتمعه من خدمات جليلة. وقد جمعت المباراة النهائية بين فريقي كرمة وكوكا في أجواء رياضية مميزة عكست روح التنافس والمحبة معًا.
منذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن ما نشاهده ليس دورة رمضانية عادية، بل فعالية رياضية منظمة بروح احترافية. فقد جاء التنظيم، بقيادة الأستاذ سمير عبدالمطلب، في قمة الانضباط والدقة، بينما حظي النهائي برعاية وتسويق على مستوى عالٍ؛ إذ كانت جائزة الشيخ عبدالرحيم حاكم الراعي الرئيس، إلى جانب سودانير وعدد من الشركات الداعمة.
المشهد العام كان أقرب إلى مباراة في بطولة رسمية؛ جمهور كبير متحمس يملأ المكان بالحماس، يهتف لفريقه بالأهازيج والدفوف وكل صور التشجيع المعروفة في ملاعب كرة القدم. أما التحكيم فكان على مستوى متميز، ولم يكن ينقصه سوى تقنية “الفار” حتى تكتمل صورة الاحتراف.
حتى تفاصيل التنظيم الجانبية عكست روح الحداثة؛ فالسحب على الجوائز تم إلكترونيًا، والمعلقون قدموا أداءً لافتًا بأصوات جميلة ووصف احترافي للمباراة. أحدهم يلقب بـ“الشوالي” تشبيهًا بأسلوبه المميز وصوته الجاذب، ومعه طارق عثمان بحضوره الخاص، كما تميزت اللجنة الإعلامية وعلى رأسها النشيط محمد علي وناظم عثمان، بدعم كبير من مصعب محمد عثمان، وحضرت كاميرا الشمالية بفريق يقوده الزميل طه القاضي، بينما أضفى المدرب المعروف محمد الطيب (مورينيو) والرياضي نجيب عبدالرحيم تحليلات وتعقيبات ثرية زادت من متعة المتابعة.
أما منصة الضيوف فقد ضمت شخصيات بارزة، مع خدمات راقية وتنظيم يعكس احترام الحضور والمناسبة.
لكن الأهم من كل ذلك كان ما جرى داخل المستطيل الأخضر. فقد شهدت المباراة مستوى فنيًا عاليًا، وندية واضحة، وصراعًا مشروعًا على الكرة بين لاعبين يمتلكون مهارات لافتة. بل إن بعضهم – دون مبالغة – يفوق في مستواه عددًا من لاعبي منتخبنا الوطني ولاعبي أنديتنا في الدوري الممتاز.
اللاعبون قدموا كرة منظمة، وتمركزًا جيدًا، وانتقالًا مرحليًا للكرة يؤكد وجود مدربين يعملون بوعي تكتيكي ويمنحون اللاعبين أدوارًا واضحة داخل الملعب. والأهم أن أغلب هؤلاء اللاعبين من صغار السن، ما يعني أن أمامهم مستقبلًا واعدًا إذا وجدوا الرعاية والاهتمام.
وهنا تبرز الرسالة الأهم: إن الطاقات الرياضية السودانية في الخارج ثروة حقيقية ما زالت تنتظر من يكتشفها ويستثمرها. فهذه التجارب، التي تنشأ بجهود روابط الجاليات ومحبي الرياضة، تقدم نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه العمل الرياضي عندما يتوفر الشغف والتنظيم.
إن تفعيل بند اكتشاف المواهب خارج السودان لم يعد خيارًا، بل ضرورة. ويتطلب ذلك تفكيرًا خارج الصندوق، وقليلًا من الجهد، وتنسيقًا جادًا بين الأندية والاتحاد العام والروابط الرياضية في المهجر.
سأظل أكرر قناعتي بأن اللاعبين الذين نراهم اليوم في بعض أنديتنا ومنتخباتنا ليسوا بالضرورة أفضل ما نملك. فما شاهدناه اليوم من تنظيم رائع ومستوى فني مميز يؤكد أن هناك كفاءات ومواهب قادرة على إحداث نقلة حقيقية في كرة القدم السودانية، متى ما وُجدت الإرادة لاكتشافها وفتح الأبواب أمامها.


