الخرطوم تتعافى… حين تعيد الحرب تعريف الحياة
لم تكن الحرب التي اجتاحت السودان مجرد ضجيج مدافع يثقب صمت السماء، ولا أطلالا بكماء تتناقلها عدسات الأخبار ببرود عابر؛ بل كانت زلزالا داخليا أعاد ترتيب خرائط الوعي في أعماقنا، واقتلع المسلمات التي ألفناها حتى حسبناها حقائق أبدية. لقد جاءت كاشفة، لا تخطئ مقصدها، فعرت أوهام الاكتفاء، وأزاحت عن البصيرة غشاوة الاعتياد، لنرى بوضوح جارح كم كنا نمر على النعم مرور الغافلين، لا نكاد نبصر حضورها، ولا نستشعر جلالها. هناك، في قلب القسوة، تعلمنا أن أبسط ما نملك كان أعظم مما كنا ندرك، وأن الحياة في صفائها الأول ليست ترفا يؤخذ كأمر مسلم، بل عطية تستوجب الوعي قبل الشكر.
علمتنا الحرب أن الجوع ليس قصة تحكى على هامش الحياة، بل حقيقة عارية تعيد تشكيل علاقتنا بكل ما يحيط بنا، وتعيد ترتيب أولوياتنا على نحو لا يقبل الترف ولا المجاملة. أدركنا في لحظاته القاسية أن الطعام لا يقاس بمذاقه ولا تحدد قيمته بترف اختياره، بل بقدرته على إبقاء الروح متقدة في الجسد. وما كنا نسرف في وصفه زمن الرخاء بـ“غير المستساغ” أو “زائد الملح”، لم يكن في حقيقته إلا فائض شبعٍ ودلال، لا يعرف معناه من ذاق مسغبة الحاجة. في حضرة الجوع الصادق، تتهاوى مقاييس الترف، وتنبثق من أعماقنا قيمة الامتنان خالصة من شوائب العادة؛ فتصير اللقمة اليابسة مائدة عامرة، ويغدو القليل كفاية تشبه النجاة. بل إن الإنسان، حين تحاصره الحاجة، يكتشف في نفسه قدرة على التكيف لم يكن يظنها ممكنة، حتى ليغدو ما كان يستبعد يوما كورق الشجر احتمالا مشروعا في معركة البقاء. هناك، فقط، ندرك أن الجوع ليس نقصا في الطعام فحسب، بل امتحان لجوهر الإنسان، يكشف هشاشتنا حينا، وصلابتنا حينا آخر.
وعلمتنا الحرب أن النوم ليس ترفا نفاضل في شروطه، ولا متاعا نحسن انتقاء تفاصيله، بل ضرورة قاهرة تفرض سلطانها على الجسد حين يبلغ به الإعياء منتهاه. حينها، يتراجع كل ما اعتدناه من مقاييس الراحة، ويغدو الاستسلام للنوم فعل نجاة لا يحتمل التأجيل. في حضرة التعب الحقيقي، لا يعود للبلاط المبتل قسوته، ولا للأرض الخشنة غلظتها؛ إذ يذوب الإحساس بكل ذلك أمام حاجة ملحة تستدعي السكون بأي صورة كانت. وقد أدركنا، متأخرين، أن تبرمنا القديم من وسادة “لا تليق” أو فراشٍ“لا يناسب” لم يكن إلا ترفا مستترا بثوب الذوق، ودلالا وليد وفرة لم نحسن تقديرها. أما حين تجردنا الحرب من تلك الوفرة، فقد كشفت لنا أن النوم، في جوهره، ليس رفاهية تستكمل شروطها، بل رحمة تمنح حين يستنفد الجسد قدرته على الاحتمال، وأن الراحة الحقة ليست رهينة نعومة المضاجع ولا ترف الوسائد، بل تقاس بعرق الكدح، وصفاء الإخلاص في العمل، ثم بصدقِ الحاجة إليها حين يستنفد الجسد وسعه، فتغدو لحظة السكون آنذاك نعمة خالصة لا يدرك عمقها إلا من أجهده السعي وأخلص في البذل.
لقد داهمتنا الحرب كاشفة لا تستأذن، فانتزعت عن أعيننا غشاوة الألفة، وأرغمتنا على مواجهة حقيقة طالما غفلنا عنها : أننا كنا نسبح في فيض من النعم دون وعي، ونتقلب فيها كأنها حقوق أصيلة لا يعتريها النقص ولا يطالها الزوال. لم نكن نبصر في الأمن سكينة تستحق الشكر، ولا في الاستقرار نعمة تحمد، حتى إذا اختل الميزان، وتبددت المسلمات، غدت تلك البديهيات أمنيات بعيدة، تستجدى بالدعاء، وترفع لها الأكف في رجاء خاشع. هناك، عند تخوم الفقد، تفتح فينا إدراك جديد : أن الحمد ليس لفظا عابرا تردده الشفاه، بل حالة وعيٍ يقظ تلامس جوهر الامتلاك، واستشعار حي بأن ما بين أيدينا لم يكن يوما أمرا مفروغا منه، بل عطايا جليلة من الكريم المنان تستوجب الامتنان والشكر والحمد بقدر ما تستوجب الحفظ والصون.
غير أن أقسى ما كشفت عنه الحرب، وأشده إيلاما، أن كل شيء قابل لأن يهون ويتضاءل أمام وطأة الزمن… إلا خيانة الأوطان، وخذلان الجار لجاره؛ فهما جرحان لا يندملان، وندبتان تبقيان في ذاكرة الأرض والوجدان. ففي قلب الركام، وتحت ظلال الفقد الثقيل، تنكشف سرائر الناس كما لم تنكشف من قبل، وتسقط الأقنعة عن الوجوه، ليظهر الفارق الجلي بين من يحفظ العهد في أحلك الظروف، ومن يتخفى خلفه ليغدر عند أول اختبار. هناك، حيث تمتزج الدموع بتراب البيوت المهدمة، وحيث تتناثر الحكايات المكسورة على عتبات الذاكرة، لا يعود للخراب المادي وحده السيادة؛ إذ يبرز غدر صامت أشد فتكا، يهدم في النفوس ما تعجز المدافع عن بلوغه، ويترك أثرا لا تمحوه السنون. فليست كل الهزائم ما تحدثه الحروب من دمار منظور، بل إن أفدحها ما يصيب القيم حين تنتهك، والعهود حين تخان.
ومع ذلك، يظل الفقد بالموت هو الحقيقة الأكثر وجعا، والجرح الذي لا تفلح الأيام في ترويضه، ولا تجدي معه محاولات النسيان. هو الفاجعة التي تتجاوز حدود اللغة، وتعجز الكلمات عن الإحاطة بثقلها مهما سمت بلاغتها. فمهما احتمينا بالإيمان بالقضاء والقدر، وتحصنا باليقين، يبقى الرحيل قاسيا في حضوره، فادحا في أثره، كأنه اقتلاع صامت لجزء من الروح لا يعوض. وتظل الفراغات التي يخلفها الأحبة عصية على الامتلاء، لا تسدها الأيام ولا ترممها العزاءات، إذ تتحول إلى مساحات خفية من الحنين، تسكن الذاكرة وتستوطن تفاصيل المكان. هناك، في تلك الفجوات الصامتة، يقيم الغياب كجرحٍ مفتوح لا يلتئم، يذكرنا في كل حين أن بعض الفقد لا يقاس بزمن، ولا يمحى بتكرار الأيام، بل يبقى أثرا حيّا في الوجدان، ممتدا بامتداد الحب ذاته. وكما صدح بأصدق البيان وأطهره سيد الخلق، المصطفى صل الله عليه وسلم، حين لخص وجع الفقد في كلمات خالدة تقطر صدقا وتسليما : «إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». ففي هذا القول النبوي تتجلى أسمى معاني الصبر الإيماني، حيث يمتزج الحزن الإنساني بالتسليم الرباني، دون سخط أو جزع، ودون إنكار لفطرة الألم التي أودعها الله في القلوب.
لقد كانت هذه الحرب على قسوتها الفادحة امتحانا للضمير قبل أن تكون مشهدا للدمار، وميدانا تختبر فيه القيم قبل أن تقاس فيه الخسائر. لم تكن مجرد خراب يطال الحجر، بل انكشافا عميقا لمعنى الإنسان حين ينتزع من طمأنينته، فيختبر معدنه بين الوفاء والخذلان، وبين النبل والانكسار. كانت مرآة قاسية، لكنها صادقة، عكست وجوهنا كما هي، بلا زينة تجمل، ولا أقنعة تخفي ما استقر في الداخل.
ومع هذا الركام الثقيل، ومع ما تحمله الخرطوم من ملامح عودة تتلمس طريقها إلى التعافي، يظل في الأفق خيط رفيع من أمل لا يخبو؛ أمل بأن يصحو الوجدان من غفلته، وأن يستعيد الضمير صوته بعد طول صمت، وأن ينهض الوطن من تحت غبار المحنة أكثر وعيا ونقاء واتزانا. وطن لا يعود كما كان فحسب، بل كما ينبغي له أن يكون : أوسع صدرا، أصدق عهدا، وأقدر على احتضان أبنائه دون إقصاء أو جفاء، يبنى على الوفاء لا على الخذلان، وعلى إنسان أدرك متأخرا لكن بعمق راسخ معنى الوطن حين يفقد، وثمن النعمة حين تزول، فتعلم أن الشكر حفظ وصون لما أتيح من عطايا. وتتجلى في هذا الإدراك أيضا بوصلة أخلاقية لا تحتمل اللبس : أن الاعتداء على النفس البشرية ليس إلا انحدارا عن جوهر الاستخلاف، وأن الفساد في الأرض انحراف عن سنن الفطرة والشرائع التي دعت إلى الإعمار لا الإهلاك، وإلى البناء لا الهدم؛ إذ لم يخلق الإنسان إلا ليعمر الأرض بالعدل، ويشيع فيها الحياة لا الفناء، ويجعل من وجوده امتدادا للخير لا سببا للخراب.
وطني الحبيب… لعل هذا الألم، على قسوته، هو ما سيعلمنا كيف نحبك كما ينبغي، وكيف نحفظك كما يليق بك.


