قرارات وتوصيات الحوار الوطني.. ميلاد منتظر أم حمل كاذب؟

  • 10 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

حسن احمد الحسن

بعد ثمانية وعشرين عاما من عمر نظام الإنقاذ أصبح مطلب الحريات الأساسية والتحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات مطلبا ملحا لا يحتمل المراوغة السياسية من قبل الحزب الحاكم أو غيره من بعض الذين استمرأوا المناصب المفروشة بالامتيازات والصلاحيات المطلقة دون التوقف عند ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد وما تجابهه من تحديات ومتغيرات داخلية وإقليمية ودولية.

ومنذ أن اعلن الرئيس البشير ما أطلق عليه الوثبة والشروع في حوار وطني متعدد الأوجه بدأ نوع من الأمل لدى عامة المواطنين يتولد من خلال المؤشرات والالتزامات التي قطعها رئيس النظام على نفسه بأن هناك ثمة إدراك بدا لدى الحكام  بأن سياسات الهيمنة الأمنية والإقصاء للآخرين وقمع الحريات ومصادرة الرأي الآخر والفساد لن تفضي بالبلاد إلا إلى طرق مسدودة وخطرة وغير مأمونة العواقب بدليل أنه بعد أكثر من ربع قرن من الانفراد بالسلطة والسياسات الخاطئة عاد النظام الحاكم يبحث عن حوار يفضي إلى السلام والاستقرار وهو أمر محمود وإن كان وفق ما يرغب هو لا ما يطمح إليه أهل السودان .

لذا فإن بعض قيادات الحزب الحاكم اجتهدت في أن يسير الحوار وفقا لأهوائها منذ بداياته فانصرفت عنه قوى سياسية أساسية وحركات مسلحة ذات تأثير في الشارع السوداني استشعارا لمسؤوليتها في ضرورة أن يكون الحوار حقيقيا ووفق إجراءات تضمن سلامة تطبيق مخرجاته على أرض الواقع دون تلاعب بالنصوص والعبارات .

فاتجه الحزب الحاكم بعد أن تبين له عدم تنازل القوى السياسية الحقيقية عن التزاماتها الوطنية إلى تشجيع تفريخ أحزاب وحركات وهمية جديدة ليس لها وجود جماهيري أو حضور سياسي  كما هو معلوم للجميع بل أن الحزب الحاكم نفسه يجد عناءا في حفظ أسماء قادتها ليملأ بلافتاتها قاعات الحوار معززا مشاركتها بإغراءات المشاركة في كعكة السلطة المرتقبة لكل من حاور أو شارك ، واستعان الحزب الحاكم  في نفس الوقت بشخصيات فنية وعامة من أنصاره ومن الموالين له ومن غيرهم في ختام تلك الحوارات التي اتسمت بالحرية داخل القاعة في صياغة التوصيات والقرارات على النحو الذي أعلنت به غير أنه أعطى نفسه الحق في تفسير تلك التوصيات والقرارات وإعادة صياغتها لما يراه من دلالات وإجازتها عبر مجلسه الوطني الذي يسيطر عليه . وهكذا تمت إجازة كثير من القرارات والتوصيات بعد تعديلها وتضمينها الدستور بما يتفق مع أهواء وسياسات الحزب الحاكم ورؤاه على سبيل المثال ما يتصل بتعديلات صلاحيات جهاز الأمن وما يتصل بالحريات الأساسية وغيرها من المطالب الحيوية التي تدعم قضية التحول الديمقراطي  وبناء دولة المؤسسات والقانون.

ولعل ما شكل حرجا كبيرا لمعنى وغايات الحوار نفسه حتى للذين شاركوا فيه أن المشاركين ركزوا انشغالهم بأنصبتهم في كعكة السلطة وضمان تعويضاتهم في هذا المجال وفق وعود الحزب الحاكم لهم دون الاهتمام أصلا بما سمي بمخرجات الحوار الوطني وكيفية تطبيقها دون تسويف أو تعديل وتركها للجان البرلمان التي يسيطر عليها الحزب الحاكم ليصيغها كما يريد ويعمل على تطبيقها كما يريد ربما لأنهم كانوا صادقين مع أنفسهم بأن هذا ليس دورهم أو من حقهم مقابل حصولهم على جوائز المشاركة والتي لم يبخل الحزب الحاكم بها عليهم .

وبقدر من التجرد والشفافية وبغض النظر عن كل هذه الدراما السياسية فأن هناك الآن فرصة نادرة وفرتها ظروف ومتغيرات داخلية وإقليمية ودولية لمصلحة تحقيق وفاق سياسي شامل يوقف الحرب ويحقق السلام ويساهم في بناء دولة المؤسسات والمواطنة سيما وأن القوى السياسية ذات الوزن الداخلي والإقليمي والحضور الدولي التي لم تشارك في حوار القاعة بالصورة التي تمت به من حيث الشكل والمضمون أكثر استعدادا الآن للاستفادة من هذه المتغيرات لاستكمال وتصحيح ما تم من حوار وفق خارطة الطريق المعلنة التي توافق عليها كل من الحزب الحاكم والقوى المعارضة التي تحفظت من قبل على حوار القاعة وآلياته.

ويظل تساؤل المواطنين الحريصين على استقرار بلادهم وتطورها قائما هل سيشهد السودان ميلادا جديدا منتظرا، هل ستقدم الحكومة الجديدة وحزبها  الحاكم من التنازلات  ما يكفي لإنجاح تنفيذ بنود خارطة الطريق وما يحقق الوفاق الشامل وما يجعل للحوار ونتائجه معنى حقيقي على أرض الواقع أم أن الحزب الحاكم سيكتفى بصياغة ما يراه  من مواد دستورية بدعم بطانته المستوزرة الجديدة ،ويكتفي بالمشاهد الاحتفالية لشعارات الحوار في بث مباشر وحرمان السودان مرة أخرى من تحقيق استقراره ولعب دوره الإقليمي والدولي فيصبح الحوار بكل ما حمله من زخم داخلي وخارجي مجرد حمل كاذب .

هذا ما لا نريده قطعا .

 

التعليقات مغلقة.