حوار البطل

كلاي يزور قرية سودانية
  • 07 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

تاج السر الملك

قبيل دخولي المدرسة الاوليه، ولذلك قصة، تعرفت عن طريق مجلتي ابي المفضلتين، المصور وآخر ساعة، على محمد علي كلاي، لم اكن قد فككت طلاسم الكتابة بعد، ولكن بصري وبصيرتي، كانا فاعلين.

كان ابي واقعاً، مثله مثل الملايين في العالم، في اسر حب الرجل، لم يتوان عن امدادي بالصور حين استشف شغفي بالبطل، وسرعان ما ملأت صور “علي” الجدران، ملهمة، محفزة، واعدة، واثقة، مسلية، كانت من مواقعها علي الحوائط، تصف المشهد الكامل للحرابات التي خاضها، دون الحاجة للتلفزيون، ومقتبسات من حديث له مترجم للعربية، يقول فيه.. “في المعارك تحتاج للمهارة والعزيمة لتفوز، ولكن احتياجك للعزيمة يجب ان يزيد عن المهارة….”.

خلال القادمات من تصاريف الدهر، المسماة حياة، تبعنا الاسطورة، وتبعتنا يوما بعد يوم، إنتصرنا معه، وسقطنا على ارض الحلبة الصلبة بجانبه، عزينا انفسنا بان سننتصر في مانيلا، ثم انتصرنا في مانيلا، وفي كنشاسا، انعقد لنا لواء الفوز، وضحكنا ملياً ونحن نشهده يقدم دعاية “تويوتا” لشركة عبد اللطيف جميل، بعربية متعثرة:
كل ما يتمناه المرء تويوتا تدركه…
واعجبنا بكفالته بنات المناضل الشهيد مالكولم اكس، الذي سقط غيلة وغدراً بالرصاص، وعطفه على الأطفال في افريقيا، وابناء السود الامريكيون، بهياً، ذرب اللسان ، لا تملك إلا ان تحبه وتتمنى له الفوز دائماً، فكأنما فوزه يرتبط جدلاً بفوزك انت..
شارفت الثمانييات على نهايتها، واصيبت الخرطوم بجرح السيول في العام٨٨، أشرفت توتي على الغرق، وناضلت ببسالة حتي قبت، في وسط كل هذه الوقائع السريالية، حط طائر البطل في مطار الخرطوم، جاء يشاطر الناس المصيبة، وفي الصبح الذي أعقب صبح وصوله، كنت قد تعمدت بلقائه البطل في بهو فندق هلتون، صحفيا ناشئاً اشق طريقي في صحيفة السوداني، بَلْه الصحافة السودانية، صافحت الاسطورة بيدي هاتين، صافحت طفولتي متضمنة في جوانح العملاق، صافحت لانغستون هيوز ومايلز ديفيس وريتشارد رايت، وسام كوك، صافحت بولدوين واليجا محمد، صافحت حتى جورج فورمان وجو فريزر وحتي سوني ليستون، صافحت النساء الجميلات اللواتي مررن في حياته وحتي ايميلدا ماركوس، ابتسم في وجهي ولم يكن هناك غير اخاه وبعض من مرافقيه، قام باداء بعض الخدع السحرية التي كان مغرما بها في ذلك الزمن فتسلينا زمناً، لحظت رعدة الباركنسون في يديه، ولم تكن بالقوة التي شهدتها منذ فترة قصيرة حين زار واشنطن دي سي، غني بصوت جميل اغنية جورج بنسون، حين ذكرت له اعجابي بها،
The greatest love of all
فكانما كتبت لبطل في علو كعبه
واتفقنا على حوار..
………..
الخرطوم كانت تحتفي بانتفاضتها الابريلية، جذلة، طليقة مثل نسمة، عابثة مثل خاظرة معطونة في رحيق الجمال، برغم الخراب الذي خلفته السيول، إلا ان الماء الشفاف أخرج إلى الملأ ما خبأته الأيدي المجرمة من سكر وبقول.. ضواحي اللاماب وبعض مقاصد أخري، ضحكنا من شماتة وحنق، وغضب أهل توتي على “حمد” لأنه لم يكن هنالك ليترس معهم البحر خيراسان، صورته الشرق الأوسط بعد انحسارالماء، وهو يحمل طورية لابسا جلبابا قديما ممسكا بمشاعر هشة بين ضلوعه..فلم تنطل الخدعة على الناس.

عدت الي الحوار مع البطل مدجج بالقلم والاوراق.. ساعات قضيناها تحدث فيها حديثا انيقاً، مليئاً بالحب، امينا وصادقا وصريحاً، مثل صراحته المرعبة بوقوفه ضد اقوي آلة عسكرية في العالم، رافضاً الانخراظ في حرب الفيتنام، لك أن تجلس وتعجب وأن تسجل في ذاكرتك كل الوقائع، وأن تكون شاهداً وجزءاً مما تشهد.
……….
نشرت السوداني الحوار، وعليه رسم لصورة البطل بريشة عماد عبدالله، الحي وموجود ده، بورتريه في غاية الجمال، نفذه في ساعته بالحبر، رسمه رأساً علي الصفحة قبل أن تتحول الي الصفائح واخواتها، إزدانت الصحيفة ذاك اليوم وازدهت، كان ابي قد تنصل من قيود الحياة وعبئها ساعتئذ، فلم يلتق به، ولكن روحه عانقته إن لم أخف الرياء.
ذهبت اليه بنسخة من العدد.. ضحك قائلا لا اقرأ العربية، ثم طلب أن يترجم الحوار، وأصر على بقائي مهددا بقبضته، لو وجدتك نقلت عني كلاماً غير ما قلت، فجلست انتظر القاضية، انتهت الترجمة، فافتر فمه عن ابتسامة، دعك هامة راسي بقبضة يده، وعلمت انها علامة حب، وشهدت الناس حين اتيت الي هذه البلاد يودون بها ابناءهم وبناتهم.
طلب من مرافقيه أن توضع الصفحة بكاملها في إطار ليعلقها في منزله في امريكا، فشعرت بزهو القرون يتمكلني.. ودعته، وانصرفت الى حياتي.. وانصرف هو الى حياته، حتي سمعت نعيه فبكيت.

التعليقات مغلقة.