البلاد في مهب الريح ( ٢ )

  • 05 مارس 2021
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

فشلنا ثلاث مرات في استدامة الديمقراطية ولن ننجح في الرابعة ان لم نغير بعض الموانع والعقبات المستمرة الوجود في الساحة وعلى رأسها البناء المؤسسي للأحزاب السياسية وزيادة الوعي بين الجماهير. الأحزاب السودانية الأربعة الكبرى ( الامة، الاتحادي، الشيوعي، الاسلاميين) لا مناص من التسليم بأن المستقبل السياسي يجب أن يتقبل وجود هذه الرباعية وعملها ضمن إطار وطني واحد من أجل مصلحة البلاد، الحديث عن إقصاء لأي جهة سيكون مجرد أحلام وامنيات لا يسندها واقع ولا منطق، والحقيقة أن تأخير الاعتراف بهذه الحقيقة هو الذي يجعل البلاد في مهب الريح.

التفكير الجاد في استيعاب الفصيل الإسلامي ضمن ترتيبات بناء السودان الديمقراطي لا يجب أن تخضع لمزاجات وادعاءات ثورية او عاطفية، وإنما يجب أن تطرح بصورة جادة وفوق الطاولة لا تحتها، وفق مبدأ ان من اغترف ظلما يحاسب ومن لم تثبت عليه جريرة من حقه أن يواصل الدفاع عن أفكاره السياسية الإسلامية وان يجد الاحترام من الجميع وان يشرك في تقرير مصير البلاد وانتقالها الديمقراطي، ليست هذه طوباوية ولا سذاجة وإنما طوي لمراحل التاريخ ووصول مبكر لمستقبل وطني مشترك لا يقصى فيه احد، فالاقصاء يؤخر العبور ويضع البلاد في مهب الريح.

حزب الأمة القومي يعتبر الحزب الأكثر انتشارا في السودان ويتمتع بثقل جماهيري في كل بقاع السودان شمال وشرق وغرب وجنوب ووسط، ويكاد يكون الرابط الوحيد المتوفر الذي يعصم كثير من المناطق والقبائل من الانتكاس إلى المناطقية والجهوية والقبلية، بعد رحيل زعيمه التاريخي يمر هذا الحزب بحالة انعدام وزن ويحتاج إلى قيادة ذات كاريزما وقوة شخصية تملك مفاتيح اللعب الداخلي والدولي من أجل المحافظة على خيط الحزب الذي يجمع اختلاف السودانيين ويرتفع بهم فوق الاثنيات، لا يمكن فصل حزب الأمة في الوقت الراهن عن الأنصارية ولا عن بيت الإمام المهدي باعتبارهما مصدر الجماهيرية والكاريزما، لذلك خروج التأسيس الرابع للحزب عن الإطار التاريخي للحزب سيقود إلى تفتيت الحزب وانفراط هذا الخيط، وهو ثمن لن يدفعه الحزب فقط بل البلاد بأجمعها. سيكون في المستقبل متسع لأحداث الانتقال في الحزب كما انتقلت الملكية في أوربا.

في هذه المرحلة الراهنة ليس مقبولا ان يفكر البعض في حزبه او حركته او جيشه وينسى الوطن، لا يجب ان يفكر البعض في المعارك الوقتية مع الكيزان والدعم السريع والشرطة والنيابة وينسى الوطن، الوطن أولا، والوطن يحتاج للجميع، اي جهد يبذل في جمع شتات السودانيين سيكون أفضل الف مرة من اي جهد يبذل في الإقصاء والاغتيال السياسي والمحاكم، الاوطان لا يبنيها الغاضبين، ولا الباحثين عن انتقام ذاتي، ولا الساعين نحو مجد او منصب ذاتي، وإنما يبنيها المتسامحين العاملين من اجل وحدة صف الأمة وتماسك الوجدان الوطني المشترك، المؤمنين بتجاوز الماضي والمرارات من أجل بناء مستقبل صحيح ومعافى.


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.