السودان وحكايات عن الكرم وبذل الطعام

السودان وحكايات عن الكرم وبذل الطعام
  • 21 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

د. عثمان أبوزيد

رأيت مقالا يصف فيه سائح أجنبي كرم السودانيين ودعوتهم للضيف بكلمة “اتفضل”، وقد حفظ هذه الكلمة، وتعجب عندما قال له سوداني في مطعم بالقاهرة وقال له “اتفضل”.
تذكرت أنني كتبت عرضا لكتاب أتحفنا به الأستاذ سعد الدين محمد أحمد من مواطني الكلاكلة بعنوان لطيف ظريف: ملامح من آثار الزمان في تغير الأحوال بالسودان، يعرض فيه ما تغير في موروث أهل السودان من العادات والتقاليد والدين والأخلاق والأفكار والسلوكيات.
يبدأ الكتاب بصور من قصص الكرم أيام زمان وعقد مقارنة بينها وبين الكرم في زمننا الحاضر… (زمن السندوتشات). بالطبع لم يتغير الإنسان السوداني في طبيعته كثيراً، ولكنه ربما صار واقعياً وابتعد عن المُبالغات في الصرف تحت ضغط المعايش، ولم يعُد هناك حاجة للفخر بحجم الأقداح كما كان يفعل الأقدمون… يُحكى عن “قدح محمود ود زايد” أنه كان كبيراً وثقيلاً لدرجة أن الجمل لا يستطيع حمله، وأنهم عوّموه بالنيل وساروا به حتى وصلوا به إلى أم درمان.
وللسودانيين قصص كثيرة في الكرم والمبالغة فيه، منها ما يُحكى عن زوجة النعيم ود حمد التي أشعلت النار بثوبها في (الدوكة) وكفّت الضيفان بليلة ماطرة، أو ذاك الذي أوقد النار في ليلة المطر بـ (كُراع العنقريب).
والكرم في الريف والبوادي له منطق، فلو لم يكن الناس يبذلون الطعام لما وجد القادم إليهم شيئاً يأكله، فلا مطاعم ولا فنادق ولا سوق. وفي المدن التي ما يزالُ بها طابع الريف والقرية، ظل الناس يشعرون بالعيب عندما يدخلون المطاعم. رأيت ذلك في مدينة نيالا قبل أربعين سنة، يختلس الناس الذهاب إلى مطاعمها… ورأيت الناس قديماً عندما يدخلون إلى سوق دنقلا العرضي يحملون فطورهم في صرة ويأكلونه تحت الأشجار. ورأيت موائد الفطور أمام دكاكين كبار التجار في سوق الأحد بكرمة النزل من أمثال الشيخ محيي الدين عبد الله والحاج منور محمد منور، والحاج محمد عبد المجيد والحاج عوض بدوي عامرة يرتادها الغاشي والماشي.
وبدأنا نسمع اليوم في بعض مدننا العربية الكبرى كلاماً عن عدم جدوى (الكرم) واستقبال الضيوف والانشغال بمؤونتهم، لأن الفنادق والشقق المفروشة صارت متاحة، وقد شكى إليّ واحد من المغتربين ممن إعتادوا الأنس بالضيوف، كيف أنه يمضي الأسبوع والشهر ولا يدخل بيته أحد، مع أنه هيأ مجلسه بأفخر أنواع الأثاث.
وكنت تحدثت في ندوة بوكالة السودان للأنباء (سونا) عن ظاهرة جديدة لفتت نظري في الخرطوم، هي كثرة المطاعم وتعدد أنواعها، وقلت إن الناس سوف يتخلون عن صنع الطعام في بيوتهم، وقد يأتي زمان، يمر اليوم واليومان ولا توقد نار في البيوت. ووجدت استحساناً للظاهرة من السيدات الحاضرات في تلك الندوة، وقلن هذا تغير إيجابي يأتي في مصلحة النساء اللواتي يقضين عمرهن يطبخن وينفخن. والإعتدال في هذا طيب، كي لا نجد أنفسنا وقد صرنا إلى ما صار إليه غالب الناس في بعض الدول المجاورة، هجروا أكلهم التقليدي واندثرت موائدهم وما اعتادوها من أنواع الطعام الشعبي، وترتب على ذلك ازدياد في ميزانية الأسرة وازدياد في الوزن.
ومما أصبحنا نشاهده حتى في قرانا، وجود الأكل الجاهز وتناول الرغيف وعدم الإهتمام بإنتاج الطعام.
ومهما يكن، فإن صفة الكرم ما تزالُ حاضرةً في السودانيين كما يقول صاحب الكتاب:
“ولم تستطع تقلبات الزمان وأطوار الحداثة أن تقضي على هذه الظاهرة الحميدة بالرغم من اختفاء أسباب الكرم في البوادي والصحاري واختفاء ظاهرة الجوع الداعية إلى الكرم ووجود المطاعم حتى في القرى الكبيرة”.
علق على المقال الأستاذ عبد اللطيف عبد القيوم قائلا:  أذكر ان الشيخ تاج الختم خيري في فريق رحمه الله (صاحب الخلوة القرآنية الشهيرة)، قيل له إن محمد درار فتح محل أكل (مطعم) فتهلل وجهه وصار يدعو له… فقيل له إن المحل لبيع الأكل.. فتغير وجهه وقال مستغربا (بقروش؟!) سبحان الله في زول يبيع أكل للناس؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*