بلا انحناء

وداعاً فاطمة السمحة.. الإنسانة الحديقة.. المرأة النضال

  • 14 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

 فاطمة غزالي  

رحلت أمس عن دنيانا الفانية الأستاذة  المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم، لتتكئ في مرقدها بهدوء بعيداً عن صخب الطغاة – لها الرحمة والمغفرة، وإلى جنات الخلود – فراق رائدة الحركة النسوية السودانية الأستاذة فاطمة أحمد  ضخًم الحزن فينا، ودموع الألم على رحليها تُطفئ كل الشموع إلا شمعة عطائها ستظل متقدة؛ لتنير الطريق لكل الأجيال.

كثير من الأمكنة اليوم يسودها الحزن السوداني الخاص، فتسمع فرقعة الدموع والألم على رحيل امرأة كتبت عطاءها على جدار الزمن، رنين كلماتها المعطاءة ما زال يطرق طبل الأذان بجرأتها التي هزت الكثير من العادات والتقاليد الموروثة، وكسرت السائد من عصور الانحطاط، هذا الوخز للموروثات الاجتماعية التي تتسم بالتمييز ضد المرأة، جعلها تتربع في دواخلنا؛ فهي- حقاً- تملك ذوات الأجيال اتفقنا أو اختلفنا معها سياسياً أو فكرياً عاجزين عن أن نداري سوءة الكآبة والحزن أمام رحليها المر.

من حقنا- النساء- في كل العالم أن نناديها بكل المسميات التي تليق بمقامها الرفيع فاطمة السمحة، فاطمة الحديقة، المرأة النضال، الأستاذة.. أمنا.. الرائدة..  الملهمة.. هي بحر الحقوق الذي اغترف منه بعض من نساء العالم، خاصة في محيطنا الأفريقي والعربي؛ فتناثرت حولها الجوازات العالمية التي تحتفي بمن كتب للإنسانية دورساً؛ لأن ترتقي بإنسانيها، وقدم عطاءً يحتضن المساواة والعدالة في الحقوق.
فاطمة السمحة لم تكن إنسانية عادية بل المرأة النخلة.. إنسانة دواخلها ثرية بالنضال، فحررت الضمير المقموع بحكمة؛ لأنها كانت واعية بالشروخ الاجتماعية التي تحدثها مفاهيم الاستنارة في تلك الحقبة الداعية إلى إخراج المرأة من قاع القهر، فكانت فاطمة محصنة بسدود منيعة من التوازن بين المناداة بحقوق المرأة وخصوصية الواقع الاجتماعي السوداني. لذا تجد في أفكارها متسعا للتنوع الاستثنائي، الذي بهرت به الجميع، وهي تعطي في كل المجالات   حقوق المرأة، الثقافة، السياسية، والاجتماع.

يكفينا شرفاً نحن– الصحفيات- أنها أول امرأة أسست مجلة للمرأة، وكانت رئيسة تحريرها، ومؤسسة لمدرسة حقوق المرأة مع رائدات الحركة النسوية السودانية، وغيّرت خريطة المرأة السودانية، وحينما طرقت- بقوة- وهدت العديد من المفاهيم الاجتماعية السالبة التي كانت تقيد المرأة السودانية، وتنتقص من حقها، إنسانة لم تتربع على عرش الفوقية؛ لتخاطب مجتمعها، بل نزلت إلى المرأة السودانية البسيطة، وجلست معها؛ لتكون قريبة منها؛ لتشعر بألمها، وتدرك معاناتها.. قاتلت بشراسة أوضاعاً سياسة تمور باستبداد لا مثيل له في القبح، وبرزت مقاتلة شرسة لنظام مايو، والإنقاذ، لم يرعبها غضب الطغاة، فتحت بشجاعة للمرأة السودانية أبواب النضال، وتركتها مشرعة؛ فامتدت معارك النساء رفضاً لقهر الأنظمة، وقوانينها التي تستهدف النساء بصفة خاصة.

رحلت الأستاذة فاطمة بعد أن مهدت مع رفيقاتها الطريق للمرأة السودانية للمشاركة في كل مجالات الحياة، فتأبطت المرأة السودانية حق المشاركة وصناعة واتخاذ القرار السياسي، فكانت أول هي امرأة تمثل المرأة السودانية في البرلمان- المؤسسة التشريعية في العام 1965.
رحلت فاطمة أحمد إبراهيم إلى دار الخلود، ولم تترك المرأة السودانية كالشجر العاري، بل علمتها- بكل صدق- معنى أن تقول (لا).. (لا لقهر النساء)، رحلت وراية النضال مرفوعة.. اليوم نساء كثر ورفيقات تجتمع حولهن ظلال الذكريات الجميلة مع مواقفها الإنسانية، وشجاعتها النادرة.. وحضورها المدهش.
رحيلها ليس كرحيل قوم تتابعوا، وغمرهم تراب الأرض في جوف القبور، بل رحلت بجسدها، وتركت للمناضلات في بلادي روح العطاء، ونار النضال مشتعلة، فاطمة مدرسة الحقوق المفتوحة في طرقات الإنسانية، والمناهج المكتنزة بالمعرفة والخبرة.. تستحق منا الدعاء بكل آيات الرحمة والمغفرة، وأن نزين بباقات الورد، وأطواق اللؤلؤ قبرك في وطن لم يسترح بعد.. وداعاً فاطمة السمحة.

 

  • الكاتبة: صحافية سودانية في الولايات المتحدة الأميركية
الوسوم فاطمة-غزالي

التعليقات مغلقة.