ما زال الأمل في الشرفاء

  • 09 يناير 2019
  • تعليق واحد

حديثان للرئيس البشير، وللنائب السابق للرئيس علي عثمان محمد طه أحد مهندسي انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في عام 1989م حدَّدا فيهما بشكل قاطع كيف يفكر أهل السلطة، وبأيّ منظورٍ يرون الأحداث الجارية من حولهم.

وإذا بدأنا بمن يقومون بالحراك، فهم – في رأيهم – مندسون ومخرِّبون، ويأتي في مقدمتهم الحزب الشيوعي، وحركة عبدالواحد، وهذا يعني أنَّ “الشيوعي” الذي ظلت الحركة الإسلامية توجّه له الضربات تلوَ الضربات لا يزال حيوياً وقادراً على التفاعل مع الأحداث وتحريك الشارع بإشارة وتدبير منه، وهو بهذا يستحق التحية والاحترام، لأنه استطاع أن يحافظ على الفكر الشيوعي الذي تراجع حتى في منابعه، وهو ما زال حياً يُرزق في السودان، وفي استطاعته أن يقود ثورة كالتي نراها في الشارع السوداني حالياً.

كما أنَّ وصول حركة عبدالواحد محمد نور إلى داخل عطبرة، وقيادة الحراك في بداياته الأولى دليل على أنَّ هذا القابع في باريس رجل خطير استطاع أن يخترق الترسانة الأمنية، وتصل به الجرأة إلى الالتحام بالشارع في شمال السودان، لا في منطقة نفوذه فحسب.

وها هو علي عثمان، الذي كان ينظر إليه كثيرون على أنه مفكر لا سياسي فحسب، يرى أن البشير، وقد أصبح على أعتاب الثمانين، الأجدر بحكم السودان، وهو هنا لا يختلف عن ذلك الكاتب الإسلامي الذي قال: إنَّ البشير سار بالسودان في دروب التنمية بسرعة تضاهي سرعة الضوء.

وهذا يعني أنَّ حواء السودان عَقِمت، ولم يعد في طول البلاد وعرضها إلا إنسان واحد هو فقط الجدير بالحكم، وتسيير شؤون البلاد والعباد.

وإذا كان البشير معذوراً في أن تكون رؤيته في اتجاه واحد هو حماية حكمه ونفسه بالاستمرار في سدة الحكم، فما مبرر علي عثمان ليجعل سبب الحراك الشعبي منصباً في الأزمة الاقتصادية، حتى هذه يجعل مبررها الأزمة الاقتصادية العالمية، ولا تواتيه الجرأة ليقول: فشلنا، وهو تحديداً أكثر الفاشلين، فعندما سار بالبلاد ممثلاً لنظام الإنقاذ إلى الانفصال لم يفكر في الوضع الاقتصادي الذي يمكن أن يكون، ولا في مآلات هذا الانفصال على المستويين السياسي والاقتصادي، لأنَّ وهم المشروع الحضاري، وفصل هذا الجنوب الجسم الغريب – في رأيهم – أعميَا عيونهم عن رؤية الحقيقة.

كما أنَّ سوء الإدارة، وكبر حجم الفساد، وتغريب المبدعين من أبناء الوطن، وفرض الجبايات التي أرهقت المنتجين الحقيقيين، وأخرجتهم من دائرة الإنتاج، كل هذه وغيرها من أسباب الانهيار المريع، ولكنهم لا يرون إلا الشاورما، والهوت دوغ، والجامعات (الدكاكين) التي لا تتاح إلا لمن لديهم المال، ولا تشغلهم أعداد العاطلين الذي يملؤون إشارات المرور، ولا خريجو الجامعات الذين يعملون سائقين في “ترحال”، ولا أولئك الجالسون في الطرقات، ولا من تحولوا إلى قطاع طرق يرهبون الناس، ولا من هاجروا إلى الجبال وراء وهم الثراء بالبحث عن الذهب والمعادن النفيسة تاركين مهنهم الأصلية وأسرهم، كل هذا وأكثر كان كافياً لمعرفة أسباب انهيار البلد، الذي أصبح يتقدم بلاد الدنيا في التخلف والفقر والجهل، ومع هذا يفتتح رئيسه مستشفى عالمياً في جيبوتي، ومركزاً ثقافياً في أديس أبابا لا مثيل لهما في الخرطوم، فأي انفصام هذا؟

وعلي عثمان المفكر المفترض كان عليه أن يكون أكثر علماً بأنه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، وكان عليه أن يعرف أنه إذا افترضنا أنهم جعلوا السودان جنة الله في أرضه، فما الفائدة ما لم يكن المواطن قادراً على أن يقول “لا”، وقادراً على أن يشارك برأيه في مجريات الحياة في وطن يحبه وينتمي إليه.

هل كان على المواطن أن ينتظر الحزب الشيوعي وعبدالواحد ليحركانه، أيّ غشاوة على العيون، وأيّ عمي هذا من أناس تخيل السودانيون أنهم دهاة وأذكياء؟

وبين الرجلين (البشير وعلي عثمان) قواسم أخرى مشتركة، فالأول (البشير) لا يرى من خرجوا من أجل المطالبة بحقوق المواطنة قبل كل شيء إلا جرذاناً ستدخل جحورها مع بيان عسكري جديد، كما أنه لا يرى أحداً جديراً بحكم البلاد إلا من يلبس الكاكي، كأن السودان موعود بفاشلين جدد، فشلوا حتى في مهامهم الأساسية وهي الدفاع عن حياض الوطن، وحدوده، فها هي حدوده مباحة لكل دول الجوار تنال منها ما تشاء، لأن البشير ورهطه مشغولون بقهر الشعب.

والثاني (علي عثمان) يحذّر ويهدّد بأن النظام محمي بالعسكر والميليشيات والشباب المتحمسون الذين تحولوا إلى شهداء و”فطايس” في حرب الجنوب، الذي دفعوه دفعاً للانفصال، وها هم مستعدون لشحنهم وتوجيههم إلى مواجهة مقدسة ضد الشعب، الذي يستحق السَّحل بعد أن خدعه الشيوعيون والملاحدة و”الغرابة” من جماعة عبدالواحد!

أي أن النظام قد أعد عدته لمواجهة الشارع حتى آخر سوداني للإبقاء على مشروعه الحضاري المتمثل في التضحية بالشباب الغض من أجل أن يعيش هؤلاء الموهمون حماة للدين، ولمن سيتبقى من شعب السودان.

ولكن يفوت أهل الإنقاذ أن “الأيام دول”، وأن الشعوب الحية تقهر الطغاة وتذهب بهم إلى مزبلة التاريخ، ومن حكمته تعالى أن الطغاة لا يتعلمون، ويكرر جميعهم أخطاء من سبقهم، ليرسموا نهاياتهم بأياديهم، كأنهم ما سمعوا قول الشابي:

إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ    فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي           وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

إن أهل الإنقاذ عندما استغلوا مال الشعب لبناء ترسانة عسكرية وأمنية ضخمة ليوم المواجهة مع الشعب السوداني لا غير، فاتهم أن إرادة الحياة أقوى وأمضى من كل سلاح.

ومع كل هذا ما زال الأمل في الشرفاء من أبناء السودان في الجيش والشرطة والقوات النظامية لينحازوا إلى شعبهم، ويحموا مقدراته، ويحقنوا الدماء، من أجل بداية جديدة لسودان خير ديمقراطي يستظل به الجميع آمنين مطمئنين، لا مجال فيه لإقصاء وفوقية، وتتوزع الأدوار بينهم، كل يؤدي ما عليه من واجبات في تخصصه باحترافية ومهنية، وكل يستمتع بحقوقه من دون منٍ من أحد.

 

رد واحد على “ما زال الأمل في الشرفاء”

  1. يقول البشرى عبد الخميد:

    سلم قلمك يا دكتور
    الطغاة والغلاة والظالمين يعمي الله ابصازهم وعقولهم لحكمة وهو ان يلاقوا حساب الدنيا قبل حساب الاخرة ويكونوا عبرة لكل من بعتبر .
    سيظل البشير وعلى وبطانتهم في غيهم حتى يحل بهم ما حل بالطغاة في عالمنا العربي ولن يسمعوا النصح ولن ينيبنوه الا ضحى الغد
    لقد اسمعت لو ناديت حيا
    ولكن لا حياة لمن تنادى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.